التحركات الدولية.. بداية حل شامل لملفات الشرق الأوسط الساخنة

أن شارفت الأزمة السورية على معانقة سنتها الثالثة، وبعد انهيار كل الرهانات لإسقاط النظام في سوريا، سواء منها الرهان العسكري أو الدبلوماسي أو الاقتصادي، وأيضا بعد دخول هذه الأزمة في دوامة من الاقتتال الشرس بين رفاق السلاح، بات المشهد السياسي والعسكري في هذا البلد الجريح أكثر وضوحا من ذي قبل، كما أن التحولات الإقليمية والدولية أضحت بادية للعيان أكثر من أي وقت مضى، بحيث ان ما كان بالأمس القريب مجرد تحليلات نظرية وجدت اليوم طريقها إلى التطبيق، فعندما كان يقال بأن المنطقة والعالم مقبلان على تحولات وتفاهمات إقليمية ودولية واسعة وعميقة في آن واحد، بحيث سيكون لقوى صاعدة جديدة مثل روسيا ودول ‘البركس’ وإيران دور جوهري ومتنام في التأثير على صناعة الأحداث والوقائع الإقليمية والدولية، وأن هناك تشابكا وتقاطعات للمصالح، إضافة لصعود ملحوظ لقوى جديدة على الساحة الدولية، زيادة على انتكاسات وتراجع وانحسار في قوى تقليدية كانت بالأمس هي الآمر الناهي الوحيد على الساحة الدولية.. كان البعض يظن أن هذا الكلام لا يعدو كونه لغوا من الحديث، أو كونه كلاما مبالغا فيه ويعكس تمنيات أصحابه، أكثر من كونه كلاما واقعيا، إما إخلاصا وإيمانا شديدا بالقوى الكبرى التقليدية خاصة أمريكا، وإما ذعرا وحقدا وحسدا لقوى مؤثرة إقليميا مثل إيران، وإما مكابرة واستعلاء على الحقائق على الرغم من التوصل إليها.
إن كل هذه التحولات العميقة في موازين القوى العالمية التي تؤشر الى بداية تشكل ملامح نظام عالمي جديد على المدى الإستراتيجي، لا بد أن تجد مفاعيلها على مجموعة من النزاعات والملفات الساخنة الدولية منها والإقليمية، ولاشك أن الأزمة السورية كانت ولا تزال منذ اندلاعها من بين المؤشرات الرئيسية التي تسعفنا على ملاحظة كل هذه التحولات، إضافة إلى ملفات أخرى كالملف النووي الإيراني والملف العراقي واللبناني والأفغاني وغيرها، فالتحركات الدولية بشأن الإعداد لـ’جنيف2′ باتت أكثر جدية وكثافة، خاصة بين الساسة الروس والأمريكان، كما أن اجتماعات المعارضة السورية عرفت انتعاشة ملحوظة.
من جهة أخرى فإن كل هذه التحركات تزامنت مع أحداث أخرى منها ‘جنيف النووي’ بين إيران ومجموعة 5+1 والحديث في لبنان عن قرب تشكيل حكومة جامعة وحرب العراق على الإرهاب، كل ذلك يؤشر الى وجود تفاهمات كبرى بين القوى الإقليمية والدولية، خاصة روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ليس فقط لعقد ‘جنيف2’ باعتباره خطوة أولى لحل سياسي وسلمي للأزمة السورية، بل إن هذه التفاهمات ستشمل حزمة من الملفات المستعصية، ابتداء من العراق وإيران ولبنان وأفغانستان والبحرين واليمن وصولا إلى سوريا، وهكذا يمكن إجمال أهم هذه التحركات والأحداث على الشكل التالي:
ـ اجتماع المعارضة السورية في غرناطة الاسبانية.
ـ عقد مؤتمر ‘أصدقاء سوريا’ في العاصمة الفرنسية باريس.
ـ لقاء سيرغي لافروف مع كل من الجربا وسعد الحريري في باريس.
ـ التطورات الدراماتيكية لصالح الجيش النظامي السوري والتهاوي التراجيدي للمعارضة وسيطرة التيارات المتطرفة عليها، وكذا تصاعد الاقتتال الشرس بين هذه الفصائل في سوريا.
ـ بروز بوادر تشكل حكومة لبنانية جامعة وفق صيغة 8-8-8، وانهيار كل الشروط واللاءات التي كان يضعها البعض في لبنان.
ـ الإعلان عن بدء تنفيذ بنود الاتفاق النووي المبدئي بين إيران والسداسية الدولية ابتداء من 20 كانون الثاني/يناير الجاري، ما يعطي الانطباع بأن هذا الاتفاق يمضي بسرعة وسلاسة بعكس ما تعكسه بعض التصريحات من هذا الجانب أو ذاك.
ـ انخراط الحكومة العراقية في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ودعم الولايات المتحدة ومجلس الأمن وحتى الجامعة العربية لهذه الحرب على الإرهاب.
انطلاقا من كل هذه الوقائع يمكن الوصول إلى الخلاصات التالية:
ـ إن الاقتتال بين رفاق السلاح في المعارضة المسلحة الناشطة في سوريا يعكس المدى الكبير من الخلاف والتشرذم الذي وصلته هذه الفصائل، مما يعطي صورة واضحة بأن هؤلاء لا يجيدون سوى القتل والدمار والفوضى بعيدا عن أي تصور حقيقي لبناء دولة ديمقراطية وحديثة وعادلة، كما يزعمون، مما يمهد الطريق مستقبلا خاصة بعد عقد ‘جنيف2′ الى أن يطال الدعم، الذي حظي به العراق في حربه على الإرهاب، سوريا نفسها وبشكل ستعود فيه مسألة محاربة الإرهاب عنوانا رئيسيا على مستوى المحافل الدولية، والملاحظة الأساسية هنا أن العنوان الأبرز لـ’جنيف2’ هو محاربة الإرهاب.
ـ إن عقد اجتماعات للمعارضة السورية، على الرغم من استمرار التشرذم والتباينات في ما بين تيارات هذه المعارضة يعكس بالملموس الخلافات الحادة بين الدول الداعمة لها، مما يعني أنها مرتهنة لهذه الدول التي تمون عليها ولا تمتلك أي استقلالية ذاتية، على الرغم من كل الكلام الذي يمكن سماعه من هذه المعارضة.
ـ إن عقد مؤتمر ‘أصدقاء سوريا’ وتصريحات ‘فابيوس’ التي تؤكد على ضرورة الخيار السياسي لحل الأزمة، يعطي الانطباع بأن هناك أوامر صارمة وجهت للمعارضة السورية بالاستعداد للتوجه لجنيف، ويبقى كلام الجربا بأن المعارضة اتفقت على ألا مستقبل للأسد وعائلته في مستقبل سوريا هو مجرد أضغاث أحلام. كما أن هذا الكلام يستبطن بؤس التفكير السياسي لدى المعارضة السورية، فهل يجوز بعد كل الدمار والدماء التي سالت وكل الشعارات التي رفعت أن يكون كل ذلك من أجل مسألة شخصية بين المعارضة وآل الأسد؟ وهل تعتقد حقا المعارضة السورية أنها ستذهب إلى جنيف لتسلم السلطة وأنها قادرة على تحقيق ما لم تستطعه في الميدان بواسطة الكلام؟
ـ إن الحديث عن حكومة لا تستثني أحدا في لبنان بعد كل التفجيرات والعناد ومحاولة تجاوز الحقائق يعني أن مدى التفاهمات الإقليمية والدولية ستشمل لا محالة كل ملفات المنطقة الشائكة، مما يكرس الاتجاه التسووي للنزاعات الدولية وما يعنيه ذلك من نوع من استرخاء في العلاقات الإقليمية.
خلاصة القول ان منطقة الشرق الأوسط والعالم مقبلان على تحولات جذرية تعكس مدى الدينامية التي تشهدها العلاقات الدولية المعاصرة، ولاشك أن تبوؤ أي دولة صاعدة لمكانتها التي تتناسب وحجمها دوليا وإقليميا، لا يمكن أن تحجبه لا أصوات الخانقين والفاشلين، ولا بكاء البكائين ولا إنكار المنكرين، كما أن هذه المكانة لا تنال إلا بالعمل الجاد والمتواصل والتضحيات والتوسل بالسنن المحركة لهذا الكون، وانطلاقا من ذلك فإن دولا مثل الصين وروسيا والبرازيل والهند وإيران وغيرها أصبحت من اللاعبين الأساسيين في المشهد السياسي الدولي والإقليمي، وذلك بالعلم والعمل على امتلاء أسباب القوة الاقتصادية والعسكرية والثقافية، تماما كما فعلت ومازالت تفعل الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، فعندما كنا أطفالا في مدارسنا الابتدائية المغربية كانوا يعلموننا أنه ‘من جد وجد ومن زرع حصد’ تماما كما كانوا يعلموننا أنه ‘من زرع العاصفة حصد الريح’.

‘ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية