باريس ـ «القدس العربي»:
«التحرُّش بالرعد» هو عنوان مجموعة شعرية جديدة من توقيع الشاعر والروائي السوري سليم بركات، تصدر قريباً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمّان وبيروت؛ وتقع في 208 صفحات، ويحمل الغلافان الأوّل والأخير توقيع سندي، زوجة الشاعر.
هذه هي المجموعة الـ27 في سجلّ بركات الحافل، منذ باكورة أعماله «كلّ داخل سيهتف لأجلي وكلّ خارج أيضاً»، التي فاجأت المشهد الشعري العربي بأسره عند صدورها سنة 1973 في بيروت المزدحمة بتيارات التجريب والتحديث والجوار المعقد بين أشكال القصيدة الثلاثة، عمود الخليل والتفعيلة والنثر. في السجلّ، إلى هذا، 35 رواية، تبدأ من «فقهاء الظلام»، 1985، التي لم تكن أقلّ أنطواءً على مباغتة المشهد الروائي العربي بلغتها عالية المجاز وتفعيلها الخلاق لمناخات الكرد في الشمال الشرقي من سوريا حيث يأتلف المعيش اليومي الخشن مع مهاد أسطورية أين منها الواقعية السحرية. كذلك أنجز بركات كتابَيْن في السيرة الذاتية، «الجندب الحديدي ـ سيرة الطفولة» و«هاته عالياً هاتِ النفير على آخره ـ سيرة الصبا»؛ وله ثلاثة إصدارات جمعت مقالاته ونصوصه وخواطره.
«إفطارٌ من تغريدِ القُرْقُفِ،
غداءٌ وعشاءٌ من شَدوِ الشحاريرِ،
فاستراحةٌ من الغوصِ في هديلِ الأبدية».
قد تكون هذه هي حال الضاحية التي يعيش بركات في كنفها، واسمها «سْكُوغوس» (التي تعني الغابة باللغة السويدية)، إحدى ضواحي العاصمة السويدية ستوكهولم؛ وقد خصَّصَ لها قصيدة طويلة من مجموعته الجديدة هذه، التي تتألف من ثلاث قصائد طويلة.
سكوغوس، المكان الواقعي، معروفة بغاباتها وبحيراتها وغزلانها في مراعٍ حول البيوت الريفية. إنها جغرافيا يعرفها الشاعر جيداً، وذكرها في عدد من رواياته مثل «موتى مبتدئون»، و«السلالم الرملية»، و«هياج الإوز». واستيحاء سكوغوس كمكان واقعي يقود لغة بركات إلى تماثل مع الطبيعة بشكل ساحر: «حدائقُ أثاثٌ؛/ غيومٌ مَواقدُ شواءٍ./ ذئابٌ أرواحٌ،/ والمُزاجُ القطبيُّ مزاجُ فَقَمةٍ بين أشداقِ الدِّببة».
لكن بركات، في هذه المجموعة الجديدة، لا يكتفي باستلهام ضاحيته التي يقيم فيها منذ ربع قرن تقريباً بلا مغادرة إلى أي مكان آخر، بل يستلهم مكانين آخرين متخيَّليْنِ خَلَقَهما بنفسه: الأول هو «بحر هِيْلاكريْتوثيْنيس» كما يسميه في بعض رواياته مثل «ثادريميس» (حكاية تماثيل تتولى نحْتَ التماثيل)، و«لوعة الأليف اللاموصوف المحيِّر في صوت سارْماك» (أرضٌ يسكنها عميان). إنه بحر غريبٌ عريق: «ما مِنْ شيءٍ أقْدَمُ من صرخةٍ في البحر»، و«الجبابرةُ يُقْتَلونَ في الخلجانِ، وتُقْتَلُ الآلهةُ في المضائق».
المكان الثاني المتخيَّل هو «هايْدراهُوداهوس»، مملكة المخلوق السنتور الذي نصفه الأعلى إنسان ونصفه الأسفل حِصان. حيث خلقَ بركات، في المزج بين كلمات لاتينية ويونانية، عالماً غريباً عميق الأبعاد في رواية من جزأين. إنها تشبه مملكة إغريقية أو إمبراطورية رومانية في أرض يسكن مواطنوها الكهوفَ بين الرمال: «ما مِنْ إعدامٍ؛/ بلِ القصاصُ دفْنٌ في رمادِ الخيول»؛ و«ما المُقايضةُ بالخوفِ نظامَ نشوءٍ،/ ونظامَ انحلالٍ بعد النشوءِ؟/ المعاني/ كُشْتبانةٌ/ في/ إصبعِ المغيبِ الخيَّاط».
هذان المكانان المتخيلانِ يصيران مع بركات «واقعيين، وأليفيْنِ، كأنهما جزءان من واقع هذا العالم ومن حقائقه» كما جاء على الغلاف الخلفي. ثلاثة أناشيد بلغة جارفة من عالمٍ على اتساع هائل تختلط فيه الصور وتتحرش بالزمن. أو أنها تتحرش بالرعد الذي يُسمعَ دويه بين سطور العمل الجديد.
وجرياً على عادة دائمة كريمة، خصَّ بركات «القدس العربي الأسبوعي» بمقاطع من القصائد الثلاث.
قصيدة «سكوغوس»
(4)
لا تشتعلُ الغابةُ في سكوغوس،
بل تشتعلُ السماءُ فوق الغابة.
لا تشتعلُ السماءُ فوق البحيراتِ،
بل تشتعلُ البحيرات:
الغبارُ أثاثُ الزمنِ،
والآثارُ كلُّها على طُرُقٍ زبدٍ.
أيامٌ كاساحاتُ ثلوجٍ،
ومَفَاخِرُ آلاتٍ لكنْسِ الحصى آخرَ الشتاء.
واضحٌ هذا؛
غيرُ واضحٍ أيضاً.
لا حبالَ لنشر الغسيل في سكوغوس،
بل لنشر الحياة مبتلَّةً من زفيرِ الهاربِ بأرضٍ في جيبِ يقينهِ،
والحياةُ اختباءٌ في الموتِ، مثلُها كأيةِ حياةٍ حين يتذكَّرُ البلبلُ ما ينساه التنِّين.
(44)
قتْلٌ يفتقِدُّ الدقَّةَ في أناقتهِ: يا للعبارةِ فظَّةً.
يا للخيانةِ لا تخونُ نفْسَها.
يا للنمورِ الآجُرِّ خارجةً من الأفرانِ بأرواحٍ مشويةٍ ـ نمورِ المعاني.
ما لا نتحدثُ عنه سيختفي،
وقد نختفي معهُ. العبارةُ فظَّةٌ. بشرٌ لا يضيعونَ عن بيوتهم، بل تضيع عنهم بيوتُهم. والسقوطُ سقوطُ مفاتيحَ من جيوبِ الآلهةِ تلتقطُها الملاحمُ بأناملِ الأشعار.
سكووووغوسُ ـ المكانُ الزيتُ؛
اليومُ الخاملُ بانشقاقٍ في الوجودِ،
وبكسْرِ المغاسلِ في المراحيضِ: أيتها الجميلةُ؛
أيتها التي سليلةُ يومٍ حافلٍ،
تسوَّقي معي سُحُباً من سُحُبِ الغسقِ،
في الغروبِ
الذي
لن
ينتهي.
(66)
أمكنةٌ تُكسَّرُ بالأسنانِ كالبندق،
وأمكنةٌ حلوى ـ مثلَّجاتٌ تُلْعَقُ في أقماعٍ من كَعْكِ الذُّرةِ.
أمكنةٌ نختارها،
وأمكنةٌ تختارنا.
عدْلٌ في التقديرِ مُذِ سكوغوسُ الضاحيةُ زورقي،
والغروبُ مجذافاي في البحيراتِ. القُبَل
رطبةٌ
على
ضفافِ البحيراتِ،
والقلوبُ قصبٌ على ضفافِ البحيراتِ،
والأغاني خَبْطُ أُوزٍّ بأقدامه في المياهِ قبلَ صَفْقِ الأجنحةِ تحليقاً.
الموجُ نقودُ البحيراتِ،
والزَّبدُ
رنينُ
النقودِ
في
جيوبِ الضفاف.
(56)
شيءٌ مَّا لن يحُدُثَ.
شيءٌ مَّا لا تترقَّبهُ، لن يحْدُث.
شيءٌ مَّا مثلُك لم يحْدُث،
مُذْ لمْ تحْدُثْ أنتَ بعدُ،
فما خوفُك من العدِّ حتى الثلاثةِ قبل الموتِ؟
عُدَّ ـ إنْ أُحْدِثتَ ومُتَّ ـ حتى السبعةِ الرقمِ دِيْناً لم يجاوزهُ دِيْنٌ إلى الثمانيةِ من غرورِ الأرقام.
سيرةٌ من إطاحةِ رقمٍ برقمٍ،
بلا تبديلٍ للسبعةِ من خيالِ الأرقامِ إلاَّ في سكوغوس:
لا مجدَ لرقمٍ،
بلِ المجدُ لقطرةِ الندى،
وللعشبِ هادئَ الزفيرِ،
وللحرائقِ حجزتْ مقاعدَها
في
مَلاعِبِ
الخيالِ
قبلَ قرون.
(63)
قُلِ الكلمةَ قويةً،
مزلْزِلةً،
صاعقةً،
متفجرةً.
قُلْها تهْذي. قُلْ: أُحبكِ.
كلُّ صخبٍ فيها تمهيدٌ لنزولها رقيقةً إلى النسيانِ هنا،
مزدَهرةً في المكانِ الذي هناك،
متألِّقةً بغباءٍ أو بحريقٍ.
قُلِ الكلمةَ في سكوغوسَ ـ الذاكرةِ.
قُلْ: أحبكِ.
الذاهبونَ معها لا يرجعونَ من دونها،
أوْ تعودُ وحدها من دونهم،
متفاخرةً بالحروفِ ذاتها ـ حروفِ
السيطرةِ
نظاماً
مِنْ
نُظُمِ
الغدرِ بالعاشقين.
(77)
في سكوغوسَ،
لا في سواها،
أطْلِقوا قلبيَ الرصاصةَ على هدفٍ.
قصيدة «بحر هيلاكريتوثينيس»
(2)
لا ذكرياتٌ للماءِ.
لا يريدُ أن يتذكَّر:
نقيٌّ لا ماضيَ فيهِ،
لا حاضرَ فيه.
مستقبلُهُ صفاءٌ آخرُ،
أو عَكْرةٌ بلا ذاكرةٍ.
لكنه ماءٌ؛
مَصْرِفٌ لإقراضِ كلِّ ذاكرةٍ مالَ النبيذِ،
إنْ
أرادتِ
المعجزةُ
الماءَ
نبيذاً.
(9)
مَنْ قُتِلَ البارحةِ على شاطئِ هيلاكريتوثينيس سيُقتَلُ اليومَ أيضاً.
ومَنْ سيُقتَلُ غداً قُتِلَ قَبْلاً،
في مولدِ الزمنِ بنقائضهِ من الجُرحِ المائيِّ:
ثِقوا بالبحرِ.
لا
تثِقوا
بشواطئهِ.
(13)
الموجُ بَصَرُ البحرِ؛
هدوؤهُ هدوءُ الماءِ الأعمى.
(16)
غناءٌ للمدِّ.
رقْصٌ للجَزْر.
سكونٌ للأعماقِ. الْبحرُ وقلبُه المنتثرُ صخوراً على الشاطئِ، زَلِقةً لا يحذرُها المستاؤونَ من قلوبهم الإشاعاتِ،
ووجودِهم الإشاعاتِ،
والحياةِ الإشاعةِ، التي لم تزوِّد أقدامَهم
في
العبورِ
على
الصخرِ
بأحذيةٍ
لا تنزلق.
(28)
أهذا إقرارُ الذهبِ بأخطائه غريقاً في معاركِ البحرِ،
أمْ نَدَمُهُ ـ الندمُ الذهبيُّ؟
(40)
الصباحُ ليسَ صديقاً في البحرِ. زائروهُ لا يغادرونَ،
عالقينَ في الأحوالِ التي مزَّقتِ المياهَ أعراقاً طبقاتٍ لا تتصالحُ: مياهٌ قيودٌ.
مياهٌ أقفالٌ.
مياهٌ مفاتيحُ.
مياهٌ سجونٌ.
مياهٌ أساطيرُ للشراءِ بأموالٍ من أموالِ البحرِ،
لا يتداولها إلاَّ
باعةُ
السُّحبِ
في
الخلجان.
قصيدة «هايدراهوداهوس»
(3)
حينَ لا يجدونَ النورَ في هايدراهوداهوسَ،
يمنحونَ الظلامَ فرصتَهُ ليضيئهم.
(11)
الحُفَرُ في هايدراهوداهوسَ بقُمامةٍ فيها من النجومِ مهشَّمةً،
والأنقاضُ روائعُ من تصاميمِ الأنقاضِ الروائعِ،
ومن تُحَفِ الحطامِ وإغرائه.
المخاطرةُ ذهبيةٌ بشرفِ الذهبِ هناك،
والسرقاتُ بهيَّةٌ ـ سرقاتُ الظلالِ،
والعنادُ عنادٌ كالغَزَلِ رقيقاً؛
كشِعرٍ، أو ما يشبه الشعرَ؛
كعقابٍ من رمي الأجسادِ عن
أسوارِ
الشعرِ
إلى
منحدراتِ
النثرِ السحيقة.
(24)
المُبَالغاتُ مقبولةٌ
حين
يكونُ
النهارُ
حِبْرَ الليل.