عمان- «القدس العربي»: هي على الأرجح مقايضة سياسية بامتياز .. مجلس النواب الأردني يطالب حكومة الرئيس الدكتور عمر الرزاز بسحب قانون الجرائم الإلكترونية الجديد المثير للجدل فيقرر الأخير سحب القانون فعلاً، وتزف وزيرة الاتصال الناطق الرسمي، جمانة غنيمات، الخبر السعيد لمؤسسات المجتمع المدني والشارع.
خطوة تكتيكية مسيسة لجأ إليها في وقت عصيب رئيس مجلس النواب المهندس عاطف الطراونة، خصوصاً في ظل استمرار حملة «معناش» الاحتجاجية والتضخم الكبير لحالات الاعتراض على قانون الجرائم الإلكترونية.
الهدف واضح سياسياً، وهو إظهار النواب لقدرتهم على الضغط ضد الحكومة لصالح خيار شعبي، خصوصاً بعد التحذيرات من خطورة الجرائم الإلكترونية وتطبيق نصوصها، ما سيؤدي إلى السجن والغرامات بعد محاولة السلطة الاستثمار في هذه النصوص الخشنة لاحتواء ما لا يمكن احتواؤه عملياً على منصات التواصل الاجتماعي والإلكتروني.
كسب النواب هنا نقطة وسجلوا هدفاً على أمل مبادلتهم من قبل حراك الشارع بتخفيف تلك الهتافات الداعية إلى إسقاطهم مع الحكومة بعد إقرار قانون الضريبة الجديد. في المقابل، أخفقت حكومة الرزاز في تسويق النصوص المتشددة تحت ستار الجرائم الإلكترونية. والإخفاق الحكومي له علاقة بفتور حماسة رئيس الوزراء شخصياً أصلاً تجاه العقوبات الغليظة، وعلى اعتبار أن حكومته من حيث الشكل والمضمون كانت أصلاً من إفرازات المنصات الإلكترونية وتفاعلها خلال أحداث الدوار الرابع في شهر أيار الماضي.
هنا، قدمت حكومة الرزاز تنازلاً مبرمجاً، فقد سبق لها أن أعلنت أنها لن تسحب قانون الجرائم الإلكترونية بالرغم من الضجة العنيفة التي يثيرها.
لكنها استجابت بإعلان الوزيرة غنيمات سحب القانون من سلطة التشريع بعد ظهر أمس الأحد ليكسب النواب جولة مع الشارع والحراكات التي لا يمكن القول إنها مضمونة. ولكي تقايض الحكومة بدورها مجلس النواب بعبور موازنتها المالية الجديدة التي وصفت بأنها بنيت هذه المرة على أسس متطورة ومختلفة وضمن برنامج أولويات وطنية بعد الفوضى التي يشيعها في المناخ الاقتصادي قانون الضريبة الجديد.
لاحظ مطبخ التقييم الحكومي لمستويات الضغط التي يتعرض لها النواب في الشارع، ومنه بأن النقاشات الأولية لمشروع الموازنة نيابياً قد تكون مرهقة جداً، لأن النواب في طريقهم لاستعمال ورقة الموازنة أصلاً وفقاً لمقياس استعادتهم أي جزء من هيبتهم لدى الرأي العام.
«مقايضة» بين السلطتين تطيح قانون «الجرائم الإلكترونية»
وحتى تعبر الموازنة المالية، والتي تعدّ بمثابة نقاش جديد، في الثقة في حكومة الرزاز وسياستها المالية والاقتصادية كان لا بد من تقديم تضحية ولا بد من مقايضة البرلمان ومنحه – ولو سياسياً وإعلامياً – فرصة الظهور بموقع التأثير والضغط على السلطة التنفيذية.
ثمن هذه المقايضات السياسية والبرلمانية كان عملياً قانون الجرائم الإلكترونية الذي أعلنت غنيمات أن مجلس الوزراء سيعيد قراءته وتقييمه بالتشاور مع جميع الأطراف في البرلمان ومؤسسات المجتمع المدني. هذا التبادل في الأدوار قد لا يعجب بعض الجهات العميقة في الدولة، وقد يؤذي مؤشرات الشكوى والتذمر من جوهر وشكل وطبيعة تفاعلات الأردنيين الحادة جداً على وسائط التواصل الاجتماعي.
ومن المرجح أن تبادل الوزراء والنواب للخدمات على جثة النسخة الأخيرة من قانون الجرائم الإلكترونية لن يرضي بعض الجهات الأخرى في الدولة، وسينضم إلى تلك الملاحظات المسجلة على السلطتين التنفيذية والتشريعية في بعض المواقع العميقة بعنوان الاسترسال في مجاملة الشارع وفي تأخير استحقاقات قانونية ضرورية ومهمة.
في العمق، تقدر أوساط القرار بأن ضبط التفاعل الإلكتروني أصبح حاجة استراتيجية للدولة بعد انتشار الشائعات وبروز دور وسائط ومنصات التواصل الاجتماعي في تشويه الوقائع وتحشيد الناس في الشوارع وفي ظرف حساس.
لكن مثل هذه الملاحظات قد لا تعود ملزمة الآن لمجلسي النواب والوزراء الساعيين بدورهما للبقاء والصمود وتخفيف ضغط الشارع، خصوصاً أن الدعوات انطلقت مجدداً لوقفة أكبر من الأسبوعين الماضيين، الخميس المقبل، تحت عنوان حملة «معناش» مجدداً، مع أفكار مثيرة بدأت تظهر على الوسائط والمنصات تدعو الأردنيين للاحتجاج مجدداً وارتداء الشماغ الأحمر وبصورة جماعية، في محاولة لاستنساخ تجربة السترات الصفراء في مشاهد الحالة الفرنسية اليوم.
إلى أن تخضع محطة «معناش»، الخميس المقبل، للتقييم، لا بد من القول بأن الشارع نجح على نحو أو آخر بتقديم قانون الجرائم الإلكترونية كقربان تمت التضحية به.
لكن لا أحد يعرف النتائج والتداعيات، خصوصاً أن مراكز القرار لا تزال مؤمنة بأن ضبط الايقاعات الإلكترونية تحديداً مسألة في غاية الأهمية وليس من السهل التنازل عنها، الأمر الذي يحافظ على الإرباك في المشهد الداخلي خصوصاً في الجزء التشريعي منه.