د.
عبدالوهاب الأفندي
نعود اليوم لوصل ما انقطع من حديثنا عن مداولات ملتقى أشيبي حول الثورات العربية، بعد أن أجبرتنا الأحداث على معالجة قضايا أخرى أكثر إلحاحاً. وقد أعاد فرض الموضوع علينا نبأ اختيار ثلاث مؤسسات إعلامية نيجيرية شينوا أشيبي كرجل العام للسنة المنصرمة، وذلك كما قيل عرفاناً لمواقفه كقامة أخلاقية سامقة في وقت تحتاج فيه نيجيريا إلى قيادة أمثاله في وقت تراجعت فيه المثل. وكان أشيبي الذي بلغ الواحدة والثمانين خلال 2011 رفض عرض تكريم الحكومة النيجرية له بأحد أورفع أوسمتها، قائلاً إنه يرفض التكريم للمرة الثانية (كان الرئيس الأسبق أوباسانجو قد عرض تكريمه عام 2004 أيضاً) لأنه كما قال لا يرى أن القضايا الملحة التي طرحها حين رفض تكريم أوباسانجو قد تمت معالجتها. وكانت رسالة الرفض التي بعث بها وقتها شكت من استمرار حالة من الفوضى والعنف في أنحاء نيجيريا، خاصة في ولاية أنامبرا التي ينحدر منها، وارتباط العصابات المسؤولة بجهات عليا. ولا يسع المرء حين يلتقي أشيبي إلا أن يشعر بكثير من الاحترام، وغير قليل من الخجل أمام مشهد رجل في عقده التاسع، وقد أقعده حادث سيارة أليم في نيجيريا منذ عام 1990، ولكنه لا يغيب عن أي جلسة من جلسات الملتقى، ويشارك بهمة في النقاش خارج الجلسات. وقد أتيحت لي الفرصة حين جلس بجواري على مائدة الغداء أن أتجاذب معه أطراف الحديث حول قضايا عدة، من أبرزها سيرة وأعمال أديبنا الراحل الطيب صالح الذي كان من المعجبين به. لا جدال إذن في أنه رجل ملهم. وكان في رفقتنا عندها رجل آخر من مواطني أشيبي وأصدقاء شبابه، هو أمين عام منظمة الكومونويلث السابق، الزعيم إيميكا أنيوكا، وهو أيضاً من قامات افريقيا السامقة، ولكن لنا لأمره عودة.
لم نكن في حاجة لمن يذكرنا لماذا اختار ملتقى أشيبي الربيع العربي موضوعاً له، ولكن التذكير كان حاضراً على الأرض بينما كنا نأخذ طريقنا في صباح أول أيام إقامتنا في ‘بروفيدنس’ باتجاه الجامعة، حيث مررنا على ساحة تحتل كل جنباتها خيام المعتصمين من حركة ‘احتلوا وول ستريت’. فالربيع العربي وصل حتى هنا. وكنت قد فاخرت سابقاً في ندوة أقيمت في جامعة كامبريدج بأننا معشر العرب قد أصبح لنا مصادر فخر كثيرة بعد ربيعنا المشهود، فقد أصبحنا بالفعل نصدر الثورات إلى كل أنحاء العالم.
شارك في الجلسة التي كنت جزءاً منها كل من علي مزروعي، أحد عمالقة افريقيا بدوره، وشبلي ملاط من جامعة هارفارد، وريتشارد جوزيف من جامعة نورثويسترن، ودانيال سرور من جامعة جون هوبكنز (ودبلوماسي أمريكي سابق)، بينما عقدت جلسة أخرى شارك فيها كل من عماد شاهين (جامعة نوتردام) لينا الخطيب (ستانفورد) وطارق مسعود (هارفارد) وستوارت كروسيل (إم. آي. تي). ولا أريد هنا أن أورد بإسهاب ما دار في هذه الجلسات والحوار الذي أثارته المداخلات الثرية من أكاديميين لهم باعهم في هذا المجال، لأن المجال لا يتسع. وأكتفي بالإشارة إلى اعتراف كثير من المشاركين بأن النظرة الأكاديمية ظلمت العرب في الماضي، وأن تحرك الشعوب العربية خلق واقعاً جديداً في العالم. وقد دار نقاش عن دور الإسلاميين أثناء وبعد الثورات، وعن موقف الولايات المتحدة والغرب تجاه التطورات الجارية. وكان التوجه العام انتقاد الدعم الأمريكي السابق للدكتاتوريات، وتقليل المخاوف من صعود الإسلاميين.
ولكن النقطة التي ثار حولها جدل حاد، وظهر خلالها ما يشبه التباين بين مواقف المشاركين العرب والأفارقة غير العرب، كانت الحالة الليبية. هذا مع التنبيه بالطبع بأن الربيع العربي كان أيضا افريقياً بامتياز، لأن الدول التي فجرته (تونس، مصر، ليبيا) كانت افريقية بقدر ما هي عربية. ولكنا لوحظ، في الحالة الليبية على الأقل، أن موقفي الجامعة العربية والاتحاد الافريقي تباينا. فبينما سارعت الجامعة العربية إلى دعم الثورة، وقامت لأول مرة في تاريخها، وبالإجماع، بطلب التدخل الدولي في دولة عضو بالجامعة (لم يكن هناك إجماع حول التدخل حول الكويت)، فإن الاتحاد الافريقي عارض التدخل وقاد حملة وساطة، لم يكتب لها النجاح، من أجل حل سلمي.
وهنا لا بد من التنويه بأن الاتحاد الافريقي كان سباقاً بالمقارنة مع الجامعة العربية في قيادة حملات نشر الديمقراطية في افريقيا، وذلك نتيجة لجهود قادها في مطلع التسعينات رئيس نيجريا السابق أولوشون أوباسانجو، ثم تبناها الاتحاد الافريقي فيما بعد (وكانت أحد جوانب التحول من منظمة الوحدة الافريقية). وكنتيجة لهذا التحول، أصبح الاتحاد يفرض عقوبات على أي دولة افريقية يقوم فيها انقلاب عسكري، كما أصبحت قضية احترام حقوق الإنسان وفض النزاعات ومحاربة الفساد من اختصاصات الاتحاد الافريقي وهيئاته المختصة. وعلى هذا الأساس فإنه حين وقع انقلاب موريتانيا في آب/أغسطس عام 2008، كان الاتحاد الافريقي هو الذي تصدى له وأجبر العسكريين على إجراء انتخابات، في حين وقفت الجامعة العربية متفرجة. كانت المنظمات الافريقية أيضاً سباقة لقيادة عملية السلام في جنوب السودان، ثم بعد ذلك في دارفور. وقد كان للاتحاد الافريقي ومنظماته الإقليمية دور حاسم في إنهاء الحروب الأهلية في ليبيريا وسيراليون كذلك.
ولكن في الحالة الليبية، بدا الموقف معكوساً، حيث ظهر كما لو أن الجامعة العربية تدعم التحول الديمقراطي في ليبيا بينما الاتحاد الافريقي يعارضه. وقد انعكس هذا السجال في قاعة الملتقى، حيث عبر الزعيم أنيوكا عن الموقف الافريقي بالقول بأن مبادرة الاتحاد الافريقي للحل السلمي في ليبيا لم تعط الفرصة، وكأنه يلمح إلى جهات كان لها مصلحة في ذلك. إلا أن السفير الليبي في واشنطون، الذي ألقى كلمة في الملتقى، قال بأن المبادرة الافريقية لم تستجب لطموحات الشعب الليبي، ومطلبه الأساسي في تغيير النظام.
وفي لقاء جمعني والسفير والزعيم أنيوكا على مائدة الغداء، تواصل النقاش حول المسألة، حيث أصر أنيوكا على موقفه، فرددت بأن التحدي أمام المبادرة كانت تكون في إقناع القذافي بوقف عملياته ضد الثوار، وهو ما لم يتحقق. ولكن أنيوكا أعاد تأكيد موقفه بأنه لو أتيحت للمبادرة الفرصة لنجحت. وفي نفس المقام وجهت سؤالاً للسفير الليبي (وهو بالمناسبة نفس سفير القذافي في العاصمة الأمريكية) عما إذا كانت المعارضة سترفض المبادرة الافريقية لو أن حلف الأطلسي لم يتدخل، فكانت إجابته بأن الشعب الليبي كان قد صمم على نيل حريته، وما كانت هناك من عقبة ستوقفه.
في اليوم التالي، وفي موضوع آخر، هو موضوع زيمبابوي، تدخل الزعيم أنيوكا ليقدم وجهة نظر ناقدة إلى مسار السجال الذي كان يتجه الاتجاه التقليدي نحو إدانة حكومة موغابي وتوجهاته الدكتاتورية. وقد جاء في مداخلته سرد لخفايا المفاوضات التي جرت في قصر ‘لانكاستر هاوس’ بلندن في عام 1979، والتي كان الزعيم من أبرز المشاركين فيها من موقعه كأمين عام للكومنويلث، وكانت نتيجتها إعلان استقلال زمبابوي في العام التالي. فقد كشف أنيوكا أن قادة المقاومة كانوا مصرين على ضرورة نزع أراضي البيض، خاصة وأن بعض هذه الأراضي نزعت في الستينات، وما يزال أصحابها أو ورثتهم أحياء، وبعضهم كانوا من جنود المقاومة. ولكن أنيوكا توسط، كما قال، لإقناع موغابي وقادة المقاومة بتأجيل مطالبهم، على أن تقوم بريطانيا ودول غربية أخرى بتوفير المال فيما بعد لشراء أراضي البيض وتوزيعها على المستحقين من أهل البلاد الأصليين. ولكن هذه الوعود لم يتم الوفاء بها. وهنا أدلى أشيبي بمداخلته الوحيدة أثناء الملتقى ـ بخلاف كلمة الافتتاح- حيث أمن على ما قاله مواطنه أنيوكا ونوه بأهمية هذه المعلومات. وقد كان النص الباطن للمداخلتين هو الوقوف مع موغابي وحركات النضال الافريقي ضد ما يعتقد أنه مؤامرات غربية تحت ستار نشر الديمقراطية ومحاربة الدكتاتورية. وهذا يعكس بالطبع موقع أشيبي وأنيوكا باعتبارهما من الجيل الذي لعب الدور الأبرز في محاربة الاستعمار، حيث تربطهما علاقات صداقة مع مخضرمي نضال التحرير مثل موغابي ونيلسون مانديلا.
وبرغم التحولات التي شهدتها افريقيا وما حققته من تقدم وسبق في اعتناق التوجه الديمقراطي، إلا أن الوجدان الافريقي ما يزال يزخر بشعور عميق بالمرارة والشك تجاه الغرب بسبب حداثة التجربة الاستعمارية وذيولها، خاصة في الجنوب الافريقي. وتجسد حالتي ليبيا وزيمبابوي هذا التنازع، حيث يرى كثيرون في دعاوى الغرب حول دعم الديمقراطية في البلدين غلالة رقيقة لا تستر الدوافع الخبيثة والمصالح الذاتية.
هذه المواقف تعكس، بلا شك، دوافع نبيلة وتجارب مريرة، ولكنها كما قلت للزعيم أنيوكا، فإن مناط الاختبار هو فاعلية هذه المواقف. فإذا لم توقف المبادرة الافريقية مذابح القذافي وتضمن لليبيين كرامتهم، فما قيمة البعد الافريقي في المسألة؟ وكيف يكون الحال إذا نتج عن هذه الدوافع النبيلة مواقف ملتبسة تضر بالأفارقة ـ والعرب ـ قبل غيرهم؟ ألا نجد صدىً من هذا في سجال ‘الممانعة’ الذي يستخدم هذه الأيام دفاعاً عن النظام السوري، واستخدم قبل ذلك دفاعاً عن نظم عربية ارتكبت جرائم كثيرة مقابل ممانعة يسيرة؟ هناك إذن بلا شك حاجة لمراجعة عربية-افريقية لأصول الممانعة بحيث لا تصبح وبالاً على من يفترض أن تكون دفاعاً عن كرامتهم.’ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن