التحولات المجمتعية وجدلية الثقافة والقيم (1 من 2)

حجم الخط
0

التحولات المجمتعية وجدلية الثقافة والقيم (1 من 2)

إننا في زمان تبدو فيه الثقافة نائية عن مشهد الحياة التي نستحق أن تكون لنا كريمة وسمحة وعادلةتعيش لحظة المد الامريكي الذي ينبعث علي شكل روما جديدة تريد العالم ولايات تابعة لهاالتحولات المجمتعية وجدلية الثقافة والقيم (1 من 2)خالد الكركيہإضاءة (1) ـ مدخلهذا موضوع في الأمة والهويّة، والأمة والتراث، والأمة والحريّة، بل في الوجود القومي، وفي صلة هذا الوجود بالعقيدة.. وفيه إشارات وعلامات علي أسئلة تفصيلية ذات صلة بالثقافة التي تشكّلت من حضور الأمة، وحضارتها، وحربها، وسلامها، وغنائها، وحزنها، ومنذ أن شكل البيت العتيق مواسمها الدينية الأولي، إلي أن بكي الطلل أوجاع فتيتها، وتحوّل تراب وادي عذرة إلي لون دماء عشّاقها، وصار المربد أفقها الخطابي، والحرية عدو حاكمها المستبد، والفقيه حليف سلطانها العتيد.المصطلحان الرئيسيان في هذا الباب هما الأمة و الثقافة ، ولستُ بصدد الخوض في أدبيات الحوار حولهما أو في تعريفاتهما، فالأمة هي الجماعة، والعرب أمة، وهم في إطار الإسلام جزء من أمة الإسلام، ولعلّ الإحالة علي ما كتبه عصمت سيف الدولة، وعبد العزيز الدوري، علي سبيل المثال، يسعف في إضاءة المصطلح ودلالته بصورة أكاديمية رفيعة.أما الثقافة التي تتشكل في الفرد والجماعة ضمن إطار الأمة الواحدة، وتحدّد هويته الوطنية والقومية والدينية، فهي أيضاً موضع حوار وجدلٍ، وتعريفات تضيق وتتسع، وتتحول في حالات بعينها إلي نتاج السلطة المستبدة ظناً منها أن الثقافة حالة شمولية في الفكر والسياسة والحياة… وأن السياسي هو مرجع الثقافي.. وهذا خلط يُردّ عليه بأن الثقافة وعي علي الحياة، وسلوك بحجم هذا الوعي الذي لا بد أن يكون إنسانياً، وملتزماً بالحرية والعدل والتقدم وكرامة الإنسان..وفي هذا السياق تحضر أسئلة الثقافة في زمن الخطابات التي يقتطع كل منها مساحة من الفكر والإبداع والثقافة ليؤسس حالة خاصة به، فهناك خطاب التراث ، وخطاب الحداثة ، وخطاب الهوية وخطاب الاستبداد ، وخطاب الإعلام.. مع أن سؤال التقدم واحد، وتحضر هذه كلّها في سياقه، كما أن سؤال الثقافة واحد مهما بدا في تفاصيله من حالات الاختلاف والتنوع، لأن الأصل فيه أن يقبل هذا الاختلاف وذاك التنوع ما دام الحديث عن مشروع قومي (عربي ـ إسلامي) هو الذي يشغل أهل الفكر والثقافة الذين يلتزمون بنهضة الأمة، ويؤسّسون مستقبلها علي مركزية الحرية أولاً، مع إدراكهم العميق للدور الذي يتشكل من خلال مركزية العقيدة والتراث في المشروع كلّه.إننا لا نريد استعادة محتويات ذاكرة نسقية تراثية تشبعت بآراء مجتمع سلطوي له في الظلم والاستبداد، والتشظي العرقي والطائفي مشاهد ووجود، بل نتوقع أن نفهم ـ في حالة الأمة ـ أن النسق يستحضر روح الرسالة الإنسانية، وعمق التأويلات الفكرية والفلسفية للحرية والعدل والحياة، وحضور العقل في رونقه واشتعال قلقه، دون أن يغيب عن البال أن هناك ثقافة مشوهة في ذهن المستبد يريد تسويقها بين الناس، بينما الزمن لا يقبل إلا ثقافة الديموقراطي الذي يعرف أن الفعل الثقافي ليس استعادة للأساطير والخرافات، ولا قبولاً لما هو قائم باعتباره نهائياً، بل هو في العمق الإنساني رفضٌ لكل ما ينافي حرية الإنسان، وعقله، وإنسانيته، وحقوقه، ذلك أن مصائر الناس رهن بإراداتهم وليست رجماً بالغيب في ذهن سياسي عاجز من فهم الحرية، أو متعلم ظن أن نهاية الأمر في بناء الحضارة هو بما في ذهنه من معلومات.يدرك الذين يشغلهم حال الأمة ومشروعها في الحرية والتقدم أن المشهد مزدحم بإرث سياسي ثقافي متنوع وهائل، وفيه من الخير بمقدار ما فيه من الشر، ومن الجميل مثل ما فيه من القبيح، ومن السجون فوق ما به من المدارس، ومن الظلم مثل ما فيه من العدل ويزيد. ويدركون أيضاً أن ثنائيات حادّة ما تزال حاضرة تنبئ بالصراع الفكري وغير الفكري، ولها مروجون ودعاة يتعصبون لهذا الجانب أو ذاك، وإذا دققنا في المشهد لاحظنا كم من الكلام والورق أهدرنا في جدلنا العقيم حول القديم والجديد، والأصالة والمعاصرة، والإيمان والعلم، والقبيلة والدولة، والمثقف والسلطة، والإسلام والعروبة، والثابت والمتحول، والسلفيين والحداثيين، والتقليد والتنوير، والغرب والشرق، والمركزية التراثية والمركزية العربية؛ وغيرها ممّا نظمه إبراهيم غلوم في مصفوفتين واحدة تراثية والثانية حداثية. (انظر كتابه: الثقافة وإنتاج الديموقراطية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2002، ص 36 ـ 37).عن مؤرخ المجاعاتويدرك الملاحظ أيضا أن بحث أمر الثقافة والتقدم يقودنا حكماً إلي الاتجاهات الليبرالية العلمانية ذات الصلة بالمفاهيم البورجوازية العربية، وقد يتجه دعاة هذا الاتجاه قطرياً أو قومياً، ثم يأخذنا إلي الاتجاهات اليسارية ذات الوجه الماركسي في نشوئها وتحولاتها، وما وقع لأحلامها المثالية علي امتداد العقدين الآخرين، ثم تلك الاتجاهات والتيارات التي تشكّل المد الإسلامي أو الصحوة كما تردد في أدبيات المرحلة، وما تفرّع عن ذلك من تنظيمات وأحزاب جهادية وتكفيرية؛ وانكشاف المشهد عن صراع جديد يشعل الاستعمار فتنه، ويمهد للاستفادة منه، ثم يتهم الإسلام بالإرهاب، مع أنه يبحث عن صورة لعدو ينفذ من خلال الصراع معه إلي المنطقة كلها، نفطها، وجغرافيتها وثقافتها، ودورها… وهذا سؤال جوهري في موقف الأمة الثقافي مما تتعرض له من تهميش وقهر واحتلال.كأن علينا واجب إغاثة الأمة في كشف الغمّة وأصل النداء عنوان كتاب للمقريزي حول تاريخ المجاعات، وحال الأمة في زمانه، وفيه جرأة خاصة في تحديد أسباب البلاء والغلاء الذي أصاب الأمة في زمانه (كتب النص سنة 808هـ)، إذ رأي مِحن الغلاء تعود لآفات سماوية كقصور جري النيل، وعدم نزول المطر بالشام والعراق والحجاز وغيره، وكذلك الجراد… ويتبع ذلك ولاية المناصب الدينية والخطط السلطانية بالرشوة، ثم غلاء الأطيان ورواج الفلوس…ولست بصدد عرض الكتاب، لكننا رأينا مجاعات في زماننا هذا والنفط فوق ظهورنا محمول ، ورأينا جميعاً كيف تجلس الأمة في مقاعد المتفرجين علي حركة التاريخ وصناعته، وكيف نغرق في جدل عقيم حول قضايا صغيرة بينما الدنيا من حولنا بين طامع وحاقد وانتهازي وكاذب.وأقول: إننا في زمان تبدو فيه الثقافة نائية عن مشهد الحياة التي نستحق أن تكون لنا كريمة وسمحة وعادلة، وتتقاسمنا تيارات في الفكر والسياسية: إسلامية معتدلة وأخري متشددة، وقومية شمولية وأخري تدّعي أنها ليبرالية، وتغريبية جاحدة تقلّب ذات اليسار وذات اليمين بين حولٍ وآخر، ووطنية تغطّي إقليميتها بأردية إسلامية وعروبية حسب مقتضي الحال في الوطن العربي الإسلامي الكبير… وإلي جانب هذه التيارات الواضحة هناك تيار اللاأدرية النفعي الذي يظنّّ صمته حكمة، وعزلته فلسفة، وهو من الأمرين بريء لأن البراغماتية التي تتقدم المشهد كلّه عولمة وتفكيكاً، سوف تجرفهم في تيارها الصاخب للمشاركة في مشهد مفتعل باسم حقوق الإنسان والديموقراطية وغيرها من دعوات. الجوعي والمحرومون هم اصحاب المصلحةأعرف أنه ليس قدراً أن تبقي ثقافة الأمة في إطارها العام معلقة بين هوي شرقي وآخر غربي، وأن المضطهدين والمستضعفين النائمين جوعاً وقهراً في الفضاء العربي الإسلامي هم وحدهم أصحاب المصلحة في ثقافة مبصرة تقدم لهم رؤي حاسمة في الحرية والحق والعدل والتسامح، وهم الذين ينتظرون فضل الله العلي القدير في أن يمن عليهم بالحرية، لكن شرط الرضا غائب عنهم إن ظنوا أن صمتهم وسكونهم وموالاتهم للحاضر والثابت هو الذي يجعلهم مستحقين للحرية وللتحول نحو زمان جديد.وأقول: يأتي سؤال هذه الندوة في زمن المدّ الإمبراطوري الأمريكي الذي يحمل معه ثقافة العنف والأرض اليباب، وكأن روما القديمة قد عادت كي تجعل البلدان ولايات تابعة لها، وحكامها قناصل في بلاطها ومجالسها؛ وكأن الذين يعلنون نهاية التاريخ كي يفسحوا الأمر للوحشية الرأسمالية، والذين يرون صراع الحضارات عند الحدود الدموية للإسلام (فوكاياما وهنتنغتون) لا يرون من الأمر إلاّ ما يراه المحافظون الجدد الذين شكّلوا إمبراطورية خاوية الروح، وعقيمة الثقافة في بعدها الإنساني، وعدمية التوجه نحو أهل الأرض كلّهم.نقرأ هذا المشهد كلّه، ويجب أن لا تبقي فينا سذاجة فطرية، أو صمتٌ خائف ونحن نرقب الحالة العامة للأمة، فالأزمة قائمة، والجراح عميقة، والبلاء المنتشر ظاهر ومستتر، ومراكز الدراسات التي تتشكل مثل الفطر في أرضنا، ومعها بعض مؤسسات المجتمع التي تتلقي الدّعم من الخارج لها دور التفكيك الطائفي والعرقي والثقافي، كأننا ساحة للتنقيب عن الآثار، وعند كل نقش نقيم كياناً أو حزباً أو جماعة تعلن الاختلاف مع الأمة… وقد نسينا أن التاريخ استراتيجية، والثقافة رؤية،… وأنهما قاعدة المفهوم الموحّد للأمة، حتي لا تتشظي إلي وحدات عرقية وطائفية وإقليمية متناحرة.اجعل حديثي هذا محصوراً في الملامح العامة لثقافة الأمة العربية في بعديها القومي والديني، وهو حديث قد يمتد بالضرورة إلي الأمة في إطارها الإسلامي، ولا أحاول تبسيط الأمر في خطبة أو مقالة، فنحن في زمن الفرقة والتشظي الذي جعلنا علي مثل حالنا يوم انهار السدّ، أو يوم اجتاحنا المغول والصليبيون، ويوم وقعت تلك القواصم نهضنا بعدها، فهل نحن اليوم مثل أجدادنا فاعلون!!ومثل الحديث لا يقبل جمود المنظر الأيديولوجي، ولا دور الداعية الملتزم بطائفة، ولا صوت المثقف الذي يملي علينا من داخل الكهف بعض ما ظلّ في أوراقه من كلام، وهو لا يري النور الذي يغمر الدنيا يوم تطلّ الحرية كما تطلّ الشمس من خدر أمّها كل صباح جديد، فالأصل في الثقافة أن تكون تعليم الحرية للمضطهدين، والوقوف إلي جانب المستضعفين، وأن تعطي للأمة ملامحها التي تميّزها في عالم يضع الأقوياء الضعفاء من أهله في سياق القطيع الذي يملكون، أو القرية الكونية التي يدّعون، دون أن يظل لهم ـ أي الضعفاء ـ إرادة، أو وجه ثقافي متميز، أو حق في الرّفض والاحتجاج والثورة.لقد تميّزت ثقافة الأمة يوم صعدت اللغة إلي ذروة إبداعها الشعري في الجاهلية، ويوم أطل الإسلام علي الدنيا بالآية الأولي: اقرأ باسم ربك الذي خلق ، ويوم قرأ أهلنا الأوائل في كتاب الله معني أن تكون القراءة باسم الله، ومعني أن تكون مسؤولية: ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السّمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا .إن الثقافة التي يدور الجدل اليوم حولها واقفة ـ كما هم أهلها من النخبة ـ عند أبواب أربعة، تلفّهم الحيرة ويذبحهم التردد؛ باب الله الذين قرأوا كتابهم باسمه سبحانه، وباب السلطان الذي يظن أنه أبو جعفر المنصور يوم نادي في الناس: أيّها الناس إنّما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده… ، وباب الشعب الذي هو وارث الأرض والحياة عليها، وصاحب الحق في ثرواتها وثوراتها، وباب الحلم الذي يقود إلي الانكفاء أو الإبداع، وعند هذه الحالة تبدو القراءة حرثاً في بحر واسع متلاطم، وتبدو مصطلحات الإقليمي، والعرقي، والطائفي أمراً مرعباً في ليل البحث الطويل عن أفق مختلفٍ وبهي وجميل.لقد تطرق مثقفون متميزون لأبعاد القضية الثقافية عند العرب والمسلمين، ولا يسمح المجال هنا بعرض تفصيلي لآرائهم، لكنني أكتفي بالإشارة إلي بعضهم، وباقتباس مهم من واحد منهم حول مواجهة الأمة للتحدي الحضاري الذي يجتاح العالم كلّه. يقول أحمد بهاء الدين: … إن لنا في أرضنا جذوراً ضاربة إلي أعماق بعيدة جداً، من الدين، والتراث، والتاريخ، والعادات، والتقاليد.هذه الجذور الضاربة إلي أعماق بعيدة في أرضنا قد طال بها الجفاف، لم تشرق عليها الشمس ولم يُرو عطشها منذ أزمان وأزمان. لا شيء يجعل هذا كلّه يورق من جديد إلاّ تعريضه لضوء البحث والمناقشة والاجتهاد، فيتجدد شباب الشجرة الوارفة كلّها. تسقط منه الأوراق الميتة التي علقت بجوهر تراثنا في عصور الاضمحلال والظلام. وتزهر الغصون والأوراق الأصيلة المليئة بالحياة… .إضاءة (2) ـ مصادر الثقافة العربية الإسلاميةتحمل الأمة في سياق بحثها عن الذات علامات واضحة في تشكلها الثقافي والحضاري، منذ أن بدت بوادر الوعي في أشكالها القبلية والإبداعية حول مراكزها ودولها في الزمن الجاهلي، ولست هنا بصدد البحث في تلك العناصر الأولي في الإحساس بالذات والتميّز في صورة شعب أو أمة، لكنّ ما هو جدير بالقراءة هو تلك القيم التي تشكلت لدي عرب الجزيرة الأوائل، ثم وجدت طريقها إلي الناس، وفيها شجاعتهم ومروءتهم وكرمهم، وحميّتهم، واحترامهم للذات، وحرصهم علي كراماتهم، حتي إذا جاء البعث الإسلامي وجدوا أنفسهم أمام أفق يمتد إلي آخر حدود الدنيا والحلم معاً، فدخلوا في دين الله أفواجاً، وحين استكملوا التغيّر الإيجابي في أرواحهم انطلقوا علي خيلهم نفسها التي أصغت للنداء الجديد إذا قيل خيل الله يوماً ألا اركبي ، فحملوا للعالم رسالتهم في مستوياتها الإلهية، والمعرفية، والاجتماعية؛ رسالتهم التي تبجّل العقل، وتضيء الوجدان، وتنشر العدل والمساواة بين الناس، وتحمل تميزاً خاصاً بهم، وهي أنهم يتحدثون بها للناس كافة، وأنهم مستعدون للشهادة باسم الله وفي سبيله… وحين وجدوا الأمر قد استقر لهم، لم يغلقوا ثقافتهم ومعارفهم في وجه العالم الجديد الذي اختلطوا بأهله، بل قبلوا التنوع والاختلاف، وقرأوا كتب الأمم السابقة والمعاصرة، حتي صارت بغداد وقرطبة مدينتين عالميتين في الفكر والسياسة والإبداع؛ وبدت اليوم إنجازات ذلك الزمان مرجعية إنسانية (بسائر تجلياتها) لفهم موقف الأمة من الحرية والسياسة والاستبداد، وهذا هو الذي يحتاج قراءة جديدة بفكر تحليلي لا علي طريقة الوعاّظ الذين التزموا بالسلطة ونأوا بأنفسهم عن التحريض والتجديد والتنوير.ومصادر الثقافة هي في هذا كلّه، أعني الدّم الذي أرقناه عبر قرون طويلة، والحبر الذي شكلنا منه أمة المعرفة الحيّة، والمخطوطات التي نشرت أو ما تزال بانتظار الشمس أن تزور خزائنها وكهوفها، ففي هذا كلّه (الفلسفة والعلم والسياسة والأدب) إشراقة العروبة الحقيقية في إطار الإسلام العظيم. وهذا كلّه هو الذي شكّل الهوية العامة للأمة، وجعلها في موقع فكري متقدم، هذا الموقع الذي دمّر المغول مرّة والقشتاليين ثانية، والأمريكان ثالثة، وهو نفسه الذي نتحصّن فيه حين ننكفئ علي أنفسنا بانتظار نهوضنا لرد عدو، أو ردع طامع، أو بناء ما تهدم فينا من جديد. وكم تبدو صورة الهوية الواسعة حاضرة يوم تصدّت الأمة لحملات الصليبيين، فقاتلت بسائر أعراقها وأديانها ضد ذاك الغزو حتي ردّته، وما ضرّها أن قائد حطين العظيم كردي، وقائد عين جالوت (ضد المغول) مملوكي، ودار ابن لقمان التي أسر فيها لويس التاسع عربي مصري…لقد احتضنت شعوب كثيرة الإسلام، فصار دينها وحضارتها وثقافتها، وصارت حروف العربية حروف لغة بعضهم، وفي هذا الوعاء الإنساني تم صهر العناصر كلّها، وظلّ لكلّ خصوصية لا تتناقض مع الحدود العليا لدينه وثقافته الجديدة، ولم يكن مطلوباً، علي الرغم من الحالة الشعوبية، أن تستأصل فئة من المتحكمين غيرها، فقد اتسعت الدولة حتي عجز سيف الظلم أو الاحتلال عن القضاء علي الأمة، ولم يتنكر العربي لشريكه في الرسالة والحضارة، ولم يغضب إلاّ قليلون لتراجع العرب عن مراكز السلطة السياسية، ونفهم تماماً لماذا صاح المتنبي وسوي الروم خلف ظهرك روم ، و ولا تصلح عرب ملوكها عجم ؟ومصادر الثقافة في الأمة أيضاً قومية؛ والقوميات التي تشكل حضوراً باهراً في أمتنا معروفة، وما من حاجة هنا لإعادة الأدوار العظيمة لأبناء هذه القوميات في عصورنا السالفة أو عصرنا الحاضر في رفعة الإسلام؛ وقد تجاور الفارابي وابن سينا والجاحظ والغزالي والمتنبي وأبو نواس والشافعي وآلاف الكتاب والمؤرخين والفقهاء والمحدثين، حتي استقام لأمتهم حضور في المشهد العالمي… وأطلّ ابن رشد علي الدنيا التي كانت غارقة في جهلها (أوروبا كما وصفها المقدسي وابن فضلان) فأضاء عتمها. وأخفق الصليبيون في حملاتهم المتواصلة لأن ميزان الثقافة الإنسانية والفكر والفلسفة كانت لصالح أمتنا وفي كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ مشاهد جميلة لتفوق ثقافتنا التي عززت صمود أرواحنا وعسكرنا حتي طردناهم في زمن الأيوبيين، ثم في زمن المماليك، لأنهم لم يأتوا إلا بفضل الشجاعة (وهي كما يقول ابن منقذ موجودة في البهائم).ومن مصادرها القومية ما حملته لغات الأقوام من فكر وفلسفة وفنون وآداب قبل دخولهم في الإسلام وبعده، فقد سقينا في العباسي شجرة الثقافة الإنسانية إغريقية وهندية وفارسية وتركية وكردية، ثم زرعنا بستاننا بتنوع يشبه شعب بوّان الذي كان ـ كما كنا ـ بمنزلة الربيع من الزمان. ومن مصادر الثقافة في الأمة هذا الموروث الهائل من آثار الدول التي كانت، ومن إنجازاتها الثقافية، امتداداً إلي أساطيرها وحروبها وخرافاتها، وعمرانها، وتبدو البتراء (مدينة الأنباط)، وتدمر، وآثار الأراميين، والحثّيين والفينيقيين، والسومريين، ومصر القديمة، واليمن العتيق، حاسمة في التشكل الأول علي الأرض العربية، ومثل ذلك موجود علي المدي الإسلامي، وهناك حقائق أكثر نصوعاً في الموروث القومي العربي السابق علي الإسلام في صورة المناذرة، والغساسنة والأنباط وتدمر، ودول سبأ ومعين وحمير وغيرها، وما نزال في الأردن نقرأ حساّن بن ثابت وهو يمرّ بالأردن وينشد عند بيت راس، عن أبناء جفنة الذين يسقون ورد البريص ، وبردي يصفّق بالرحيق السلسل .ومن مصادر هذه الثقافة الأولي تاريخ الصراع مع أمم غازية أقامت في بلاد الأمة، ودول جوار قامت بيننا وبينها صدامات، وأخري (أوروبا) ظلّ الأمر سجالاً وهي تطلّ علينا من وراء أسوار القسطنطينية ونحن نحاصرها، ومن صقلية، وجنوبي أوروبا كلّه، ومن جبال البيرنية، ثم تعود لنا في صورتها الصليبية، ويبلغ الصراع ذروته حول أسوار عكا يوم أخرجناهم، وحول أسوار القسطنطينية وجنود الإسلام يحققون انتصارهم التاريخي، وعلي بوابات غرناطة وصخرة أبي عبد الله الخارج مهزوماً من زمن الأندلس الجميل، لقد قام الصراع مع الروم وفارس ثم مع أوروبا، إلي امتداده ما وراء النهر وفي سهوب آسيا حتي تحقق حلم دول قامت باسم الإسلام، وحين هزم ساستها لم تهزم أرواح مساجدها ولا رسالتها، فامتدت بغير فتح لأن لها ثقافة إنسانية تشكل منظومة قابلة للتقدم والحياة.ومن مصادر هذه الثقافة أن أرض الرسالات والفتح كانت قريبة من الأديان السماوية، وحين هزمت الوثنية وأشرقت رسالة الإسلام، ظل أهل الديانات الأخري حاضرين في الدولة، وما من أحدٍ يحتاج إلي شهادة في التسامح القومي والديني أبعد مما فعل المسلمون والعرب.إن هذا التشكل الجميل هو الذي يغري الباحث بإضاءة نموذج واحد معاصر من وطنه الأردن، فعلي أرض هذا الوطن صورة للتسامح الإنساني الرفيع، فالأردن دولة عربية إسلامية في إطارها الدستوري، لكن مصادر الثقافة فيه متعددة، فهو وارث آثار الرومان المعروفة بما تمثله من تذكر لإمبراطورية قلّصها الإسلام ثم حطّم جزءها الشرقي، وهو وارث تاريخ الهجرات العربية الأولي إلي هذا الجزء من بلاد الشام،وفيه الحضور المؤابي والأدومي والعموني والنبطي، وهو موطن سابق للغساسنة الذين تنصّروا، وقد ظل علي أرضه من يمدّ نسبه إليهم، وفيه من زمن الفتح أضرحة شهداء مؤتة، وأضرحة صحابة قاتلوا علي أرضه من معاذ بن جبل إلي أبي عبيدة عامر بن الجراح. وفيه من زمن الإسلام الأول مكان التحكيم في أذرح، وفيه من بني أمية قصورهم وروافد جيشهم بالقادة والفرسان، ومن بني العباّس الحميمة، وطلائع الثورة، ومن بني أيوب تحريرهم لأرضه، من المماليك امتدادهم وإنجازاتهم ومن بني عثمان قلاعهم وبقايا من لغتهم، وهو عن الأرض التي حول الأقصي، وعلي أرضه وأرض بلاد الشام كلها دارت معارك فاصلة في التاريخ: اليرموك، وأجنادين، وحطين، وعين جالوت، وفي الزمن المعاصر شهد يقظة العرب وثورتهم علي التتريك، وحضر حروب الأمة في سبيل فلسطين. وفيه تعددية تلفت النظر: ـ قبائل عربية ممتدة من زمن الجاهلية، حضرٌ وبدو؛ وبينها غالبية مسلمة وأقلية مسيحية. ـ مهاجرون مسلمون من بلاد القفقاس في أواخر القرن التاسع عشر بعد القهر والقمع القيصري، وهم الشركس والشيشان. ـ مهاجرون أرمن (مسيحيون) في أوائل القرن العشرين بعد الصراع العنيف مع الأتراك في الحرب العالمية الأولي. ـ عناصر من الدروز الذين وصلوا بعد تراجع ثورة سورية الكبري (1925 ـ 1927) وقائدها سلطان الأطرش إلي الأردن. ـ فلسطينيون ألقي بهم المصير الصعب لاجئين بعد حروب 1948و1967. ـ عراقيون بعد الحصار وسقوط بغداد والخراب الذي صنعة الأمريكان. ـ الشوام، التجار الذين قدموا من الشام منذ زمن بعيد واستقروا في الأردن. ـ أكراد، وأتراك، ومغاربة، وحجازيون، ويمنيون.كلّ هذه العناصر تشكل مجتمعاً فيه مؤاخاة وتسامح، وثقافات قومية ودينية ووطنية، وكلّ هذا يدفعني من موقع من عايش الحالة خمسين سنة إلي حلم بثقافة للأمة فيها تسامح ورفعة وقدرة علي استيعاب العناصر كلها، لأن أي انغلاق وعزلة يعني موت الحضارة والثقافة والحياة.إضاءة (3) ـ تجليات الحالة وفي باب الحديث عن ثقافة الأمة عبر تاريخها قبل البعثة وبعدها تبدو الصورة وفي بؤرتها اللغة العربية التي حملت الحرية والمروءة، ثم كُرّمت حين صارت لغة القرآن إعجازاً ورسالة، ولغة أهل البلاد الذين دخلوا في دين الله في المدي البعيد في الجغرافية، من حدود الصين إلي جبال غفت عندها أرواح فرسان معركة بلاط الشهداء في بدايات القرن الثاني الهجري وتقف شاهدة، تؤذن في الغرب بالحرية والتسامح والفكر الحرّ، وتقيم هناك علي مدي قرون ثمانية وضعت نهايتها يوم استشهاد موسي بن أبي الغسان علي باب غرناطة في ساعتها الأخيرة، حداً لما سماّه تشومكي (العام 501 ـ الغزو مستمر، ترجمة: مي النبهان، دار المدي، دمشق، 1996، ص13) ثقافة التسامح الإنساني الإسلامي، وأشرعت الأفق لثقافة الاستعمار الغربي في العنف والوحشية والعنصرية، من أواسط أفريقيا إلي قلب أمريكا اللاتينية أو الوسطي، مروراً بآسيا كلّها عربية ومسلمة ووثنية.العربية أمناإنّها العربية، أمّنا، وشجرة حريتنا، وإعجاز بياننا، إنها كما النخلة عند العرب عمّة العرب، فالعربية أمّهم، وأي تفسير لظاهرة الحضارة العربية الإسلامية يجد نفسه مجافياً للحقيقة إن حضرت له فكرة قبول العامية، أو فصل الإسلام عن الثقافة العربية، فالمنظومة الثقافية التي أنتجتها الحضارة العربية الإسلامية في السياق العقلي (فلسفة وحواراً) وفي السياق الفني (شعراً ونثراً)، وفي السياق النضالي (مقاومة ودفاعاً عن الوطن والأمة) تشكل هوية الأمة خارج تشظي السلطة السياسية الإسلامية إمارات، ودول طوائف، وخارج الخلايا التي ماتت وأصابت الجسد الواحد بالضعف والوهن.. إنّنا نرصد الحالات الإسلامية الأولي فنراها بعثاً وفتحاً، والحالة الأموية، دولةً عربية فتية غالبة، والحالة العباسية عولمة وتنوعاً وحرية وقرامطة وحشاشين، وإبداعاً فنياً رفيعاً، وتفككاً في زمن لاحق، ونقرأ تجليات المشروع الأندلسي باعتباره صورة خاصة لما يمكن أن تكون عليه الأمة حين تنتصر للعقل، وتفتح نوافذها علي العالم سماحة، وعلماً، وإبداعاً رفيعا ويقظة للشهادة إن تعرضت للغزو، وكم دافعت الأندلس، علي ضعفها، عن حضورها ورسالتها، ولا أظن أن أرواح المقاتلين بعيدة عن أرواح الذين صدّوا الصليبيين والمغول، فالنضال دوائر في سياق روح شاملة تشكلت منها الأمة بسائر العناصر التي دخلت في الإسلام، وأغنت مسيرته بالفرسان والثقافات الجديدة، والفكر الذي حمله هؤلاء معهم يوم انخرطوا في مسيرة الأمة دون إحساس بالضيق أو بتفوق العنصر العربي عليهم، ولا أظن أبا الطيّب المتنبي قد ضيّع حسّه القومي يوم نادي علي سيف الدولة الفتي العربي المدافع عن شرف الأمة بعد معركة الحدث:ولسـت مليكاً هازمـاً لنظيـره ولكنك التوحيد للشرك هازمهنيئاً لضرب الهام والمجد و العلي وراجيك و الإسلام أنّك سالملقد كان المتنبي عند حدود الإسلام نفسه وليس عند حدود المذهب الديني الذي أنتجته ظروف اجتماعية، وأسست له حركة سياسية معقدة، وفتن وتحولات صعبة شكلت مصائر الناس ومستقبلهم لقرون طويلة في سياق المنظومة العامة نفسها، وفي أطرها المادية والاجتماعية والفكرية. وليس الحديث في هذا الباب عن الصلة بين الثقافة القومية والثقافة الدينية بمنأي عن أسئلة تفصيلية، فقد يري قارئ متميز أن الواقع الإسلامي يتشكل من قوميات إلي جانب العربية، ولها موروثاتها الثقافــــية، كما يتشكل من طوائف دينية إسلامية وغــير إسلامية، فهل يمكن أن يقع الانصهار كي يعّبر كل عن ثقافته بحرية في مجتمع تتبادل عناصره الاعتراف بخصوصياتها، في مناخ تصبح الثقافة فيه محركاً للديموقراطية، وصورة عن التسامح في قبول التعددية والاختلاف، ومن هذا المجتمع المستقر تشكل رؤية العلاقة بالآخر (الخارجي) علي قواعد المساواة والعدل والاحترام.الجواب: إن هذا ممكن، والنموذجان العباّسي والأندلسي حاضران في الذاكرة، وشرط هذا كلّه مجتمعات يتوافر لها أمران أساسيان عند المستوي المعرفي الأعلي وهما: الحرية والوعي، وبغيرهما لا يمكن أن نتحدث عن مجتمعات تسودها الديموقراطية والتعددية والعدل والتسامح، ولا أظن أن إحساساً قد يساور الذين يتمتعون بالحرية والوعي بأنهم مظلومون ما دامت فرص الحياة الكريمة قائمة في سياق أمةٍ واحدة؛ والأمة هنا حاضرةٌ في الروح العامة، وإن بدت مقسمة شعوبها بين خمسين كياناً سياسياً ويزيد، وإذا تراجع هذا الإحساس خسرناً الرهان علي الحلم بزمانٍ تنطبق فيه حدود الأمة علي حدود دولتها، مهما كان الشكل المقترح لاجتماعها أو وحدتها أو ترابطها في كيانٍ سياسي، إلي جانب ما في العالم من كياناتٍ لأمم كما في الصين والهند وغيرهما.يظل البحث في الموضوع الثقافي منصباً علي العناصر العامة في ثقافة الأمة، والتي أري أن لا فصل فيها بين روح الإسلام وروح العروبة، وقد أخفقت الأشكال العلمانية الهجينة، والشموليات القومية، والتشدد اليساري في إعادة الإسلام إلي الزوايا الصوفية باعتباره شريعة لأهله وليس رسالة للناس كافة تخرج بهم من الظلمات إلي النور، وتعلمهم معني الحرية والتسامح والعدل وكرامة الإنسان، وتفتح لهم الآفاق علي حوارٍ ثقافي يستند إلي فهمٍ عميق لما يجري في العالم من صراعٍ أراه قائما بين طرفين، نمثل نحن الأول فيهما؛ وهو المستضعف والمقهور والمغلوب، ويمثل الآخر المستعمر القهر والعنف والهيمنة، وإن ادّعي غير ذلك.ہ اكاديمي وباحث اردني7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية