1- يُعتبر الدين الاسلامي منفتحاً ويفسح مجالا للعلمانية ولكن بطريقة مختلفة عن الطريقة المطروحة حالياً في الشرق الأوسط. لقد أثبت المسلمون قدرتهم على التعايش مع العلمانية، فهم يعيشون منذ سنين طويلة كاقليات في دول علمانية في اوروبا، امريكا، استراليا، روسيا والهند ودول أخرى. إذن فالسؤال الذي يطرح بين الفينة والأخرى عن مدى قدرة الاسلام على تقبل فكرة الديمقراطية ليس هو السؤال الصحيح، فهذا السؤال تمت الاجابة عنه منذ عقود. السؤال الملح هو هل يقبل المسلمون في العالم العربي العلمانية كوسيلة لتنظيم امور مجتمعاتهم؟
2- هناك فرق كبير في تطبيق مبادئ الدين الاسلامي في كل من الحياة العامة والخاصة، حيث يجب إظهار الدين بقواعده المختلفة في الحياة العامة، اما في الحياة الخاصة فيعمل كل بما يحلو له. لكن الحدود بين الحياتين العامة والخاصة أصبحت بفضل أنظمة التواصل الاجتماعي في حركة مستمرة، حيث فتحت هذه الأنظمة أبوابا كانت مغلقة قي السابق، وبموازاة ذلك تطور السوق الاسلامي الذي يشمل الاعلام مروراً بالمواد الاستهلاكية ووصولاً إلى الأدوات الترفيهية. وبذلك يصل النشاط الاسلامي إلى مدى ابعد بكثير مما وصلت إليه السلطات الرسمية.
3- لا تعتبر الشريعة قانوناً الهياً وانما قانوناً حقوقياً تم استنباطه من القرآن والسنة مع أخذ العادات والتقاليد الاجتماعية بعين الاعتبار. ولم تطبق الشريعة الاسلامية بحذافيرها في اي من الدول العربية ولا حتى في المملكة العربية السعودية، وينطبق الأمر كذلك على ايران.
4- ان رفض العلمانية من غالبية المواطنين العرب ليس مرده دينياً فقط وانما سياسياً ايضاً، حيث يعتبره البعض ايديولوجية الحكومات المستبدة كنظام صدام حسين في العراق والحبيب بورقيبة في تونس، كما ينطبق ذلك على حقبة كمال اتاتورك في تركيا. كما يعتبر البعض الآخر ان رموز العلمانيين هم عملاء للدول الاستعمارية، ومن هذا المنظار فان الفصل بين الدين والدولة يعتبر في نظرهم وسيلة استعمارية وإقصاء ثقافيا، كما يعتبرون العلمانية جزءا من الاستعمار الحديث.
5- يقارن العديد من الباحثين الغربيين ما يحدث في العالم العربي بما حدث في ايران قبل وبعد الثورة الاسلامية عام 1979، حيث يشيرون الى انه رغم الدعم الأمريكي لشاه ايران فان نظام الشاه سقط وانتهى ولم يتمكن الدعم الغربي من المحافظة عليه. ينطبق ذلك ايضاً على عدم قدرة الدعم البريطاني من المحافظة على العائلة الهاشمية في العراق أثناء أحداث عام 1958. يتضح من ذلك ان الدعم الغربي لن يتمكن من المحافظة على الأنظمة التي ترفضها شعوبها.
6- لقد نجت الانظمة الملكية العربية من آثار تحولات الربيع العربي، وكذلك الدول النفطية الغنية ما عدا ليبيا. وقد كان نظام القذافي مريضاً وهدم المؤسسات التقليدية في ليبيا بدون ايجاد بديل صالح لها، تماماً كما حدث في ايران ابان حكم الشاه. إن بقاء الأنظمة الملكية العربية على قيد الحياة ليس بفضل البترودولار فقط وانما لتغلغل افراد العائلة المالكة في مختلف مؤسسات الدولة، كما هو الحال في الدول الخليجية.
7- قامت الثورات العربية لأسباب داخلية بحتة، ولم تكن وراءها خلفية ايديولوجية، سواء أكانت دينية أم سياسية. فقد طالبت المظاهرات الشعبية بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وايجاد حلول لمشاكل الفقر والبطالة. لم يتم إحراق أعلام امريكية أو اسرائيلية، وكذلك لم يكن تغيير السياسة الخارجية من بين مطالب الجماهير.
8- أصبحت المجتمعات العربية مجتمعات استهلاكية غير منتجة وغير مبتكرة، حيث تعتمد في سد احتياجاتها على الاستيراد من الدول الأجنبية شرقية كانت أم غربية. في عهد جمال عبد الناصر تم تشجيع زيادة استهلاك المنتجات المحلية والتقليل من استهلاك المنتجات المستوردة، وذلك من اجل دعم الصناعة الوطنية. اما سياسة الانفتاح في عهد انور السادات فقد سببت هجرة ملايين المصريين الى الخارج.
9- ينقسم العالم العربي حالياً الى دول استبدادية ودول في مرحلة التحول الديمقراطي. وقد نجحت الثورات العربية حتى الآن جزئياً في السير نحو الديمقراطية، ولا يزال الطريق طويلاً ومحفوفاً بالمخاطر والعقبات في طريق الديمقراطية الحقيقية.
10- يواجه العالم العربي تحديات كبيرة. ليس في مواجهة الفقر والبطالة والأمية فقط، بل في البحث عن الهوية. هل هي عربية أم إسلامية؟ قطرية أم قومية أو أممية؟ فهل الصراع الدائر هو صراع على الهوية؟
11- من الدروس المستخلصة للاتحاد الاوروبي من احداث العالم العربي هو فقدانه السيطرة على التطورات السياسة في دول الجوار الجنوبية. كما انه ينبغي على الاتحاد الاوروبي ان يسلم بحقيقة نجاح الاسلام السياسي في كسب الشرعية كقوة سياسية اساسية من خلال الانتخابات وعليه التعامل معه على هذا الأساس.
12- لايزال الاتحاد الاوروبي يعيش مرحلة التخبط السياسي في التعامل مع العالم العربي بعد الثورات العربية. فمن ناحية هو لا يرغب في تخريب علاقاته الجيدة مع الدول النفطية للارتباط الوثيق لمصالحه بها. لذا يكتفي بالنقد الخجول لتلك الدول. ومن الناحية الأخرى يرغب في تقديم الدعم والمساندة للدول العربية السائرة في طريق الديمقراطية من اجل تحقيق هدفين. الأول الرغبة الفعلية في إقامة أنظمة ديمقراطية في العالم العربي، والثاني لسد الثغرة في المصداقية الاوروبية الناجمة عن دعم دول الاتحاد الاوروبي للأنظمة الديكتاتورية العربية لعقود طويلة.
13- على الرغم من كل المعوقات والعقبات في طريق الديمقراطية لا يزال يُنظر الى تونس على انها النموذج الأكثر قابلية لتحقيق الديمقراطية على المدى المنظور من دول الربيع العربي الأخرى. ما حدث في مصر في 3 تموز/يوليو 2013 لا يمكن وصفه الا بانه إنقلاب عسكري أعاد مصر إلى الوراء وأبعدها عن الطريق الديمقراطي السليم وأظهر عدم القدرة على استيعاب المعنى الحقيقي للديمقراطية من قبل القوى الانقلابية.
14- مأساة الشعب السوري تكمن في نظامه الديكتاتوري ومعارضته المتشرذمة والمتصارعة على الكراسي الوهمية وعدم تمكنها من فرض أجندة سياسية توحدها. لا يوجد بديل للحل السياسي لوضع نهاية لهذه المأساة المفجعة.
15- في بدايات الربيع العربي، الذي فاجأ الجميع ظهرت قوى إسلامية معتدلة وكان تنظيم ‘القاعدة’ أكبر الخاسرين. بروز جبهة النصرة في سورية والمنظمات الأخرى المرتبطة بـ’القاعدة’ أضر بالثورة السورية وحرف مسارها وابعدها عن تحقيق أهدافها الأصلية.
* اكاديمي فلسطيني مقيم في المانيا