‘التخريجة اليمنية’ أو أقصى المستطاع الروسي

حجم الخط
0

مالك التريكي

الخطة التي أعلنت هيلاري كلنتون، في أعقاب وقوع مجزرة بلدة القبير في سورية، أن الولايات المتحدة مستعدة لبحثها مع روسيا هي تقريبا الخطة ذاتها التي كانت الصحافة الإيطالية قد كشفتها في آذار (مارس) الماضي وقالت إن الولايات المتحدة تبحثها في كنف السرية مع إيران في إطار صفقة بشأن الملف النووي: تنحي بشار الأسد شخصيا عن الحكم ونقل السلطة إلى هيئة عسكرية من صلب النظام. وما كان نائب وزير الخارجية الروسي ميخائل بوغدانوف ليعدو الصواب لو أنه أطلق على هذه الخطة الاسم المناسب: ‘التخريجة اليمنية’. إلا أنه كان واضحا بما فيه الكفاية عندما قال إن روسيا ستقبل انتقال السلطة في سورية على النحو ذاته الذي وقع في اليمن إذا كان هذا هو قرار الشعب السوري. ثم أضاف، لمزيد من التوضيح، أن مصير الأسد ليس أمرا يتعلق بروسيا، بل إنه يتعلق بالسوريين أنفسهم.

على أن هذه التصريحات التصالحية – التي تشير إلى رضا أمريكي بأقل من الحد الأدنى وإلى بداية تحول جذري، ربما يمثل أقصى المستطاع، في الموقف الروسي ـ لا تعني أن الجانبين قد أنهيا الخلاف حول مسألة التدخل العسكري في سورية أو حول الموقف من إيران. لهذا أعلنت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس أخيرا أن القوى الغربية قد تضطر (إذا استمر الفيتو الروسي والصيني) إلى اتخاذ إجراء عسكري ضد النظام السوري ‘خارج سلطة’ الأمم المتحدة. أي على غرار ما حدث في كوسوفو عام 1999. وإن كان هناك أي شك في ما تقصده رايس، فقد شرحه وزير الخارجية المساعد في عهد الرئيس كلنتون جيمس روبن عندما قال إن التدخل العسكري الأمريكي في سورية أمر يستحق المجازفة لأنه سيحرم إيران من ‘موطىء قدم في البحر المتوسط يمكّنها من تهديد إسرائيل وزعزعة الاستقرار في المنطقة’. لكن رغم أن موجبات التدخل العسكري الخارجي في سورية ما تنفك تزداد ‘كل يوم’، على حد قول هيلاري كلنتون، ورغم أنه لا يمكن استبعاد التدخل الأمريكي استبعادا مطلقا، فإنه يبقى احتمالا ضعيفا جدا. وليس من المنطقي أن تتدخل فرنسا بمفردها، حتى بعد أن صرح الرئيس فرانسوا هولاند بأنه ‘لا يستبعد’ الخيار العسكري. كما أن من غير المتوقع أن تغير روسيا موقفها إذا لم تكن الدول الغربية مستعدة لمنحها مقابلا استراتيجيا مجزيا. لهذا يرجح في المدى المنظور أن يستمر النظام السوري في معالجة الوضع بالطريقة ذاتها. يطارد ‘الإرهابيين’ والمخربين ويكتشف مشدوها، مثله في ذلك مثل بقية العالم، ما يرتكبه هؤلاء من مجازر لا علم له بها! والواقع أنه ليس له من خيار آخر حتى لو أراد. فقد تبددت فرص التعاطي الحواري والتفاوضي منذ أمد بعيد وانقضى أوان الحلول السياسية المعقولة بالنسبة لنظام يشعر أنه محاصر ومستهدف من الجميع في الداخل والخارج. إذ كان من الواضح أن النظام تعاطى مع الثورة الشعبية في سورية منذ بدايتها في آذار (مارس) 2011 بمنطق لا مجال فيه لتعدد الاحتمالات، منطق المحصلة الصفرية: إما أن يكون حاكما أو مهزوما. إما أن يكون قاتلا أو مقتولا. وقد أتت الأحداث، خاصة في مصر وليبيا، لتقدم الدليل على أن النهاية التي كانت تنتظر الرئيس السوري، لو أن الثورة مضت إلى غايتها، لا تخرج عن احتمالين: إما نهاية مبارك (هذا في أفضل الأحوال) أو نهاية القذافي. ولعل هذا واحد من أسباب كثيرة لذلك التعاطف الإعلامي الرسمي في سورية مع قضية القذافي، خاصة في أواخر أيام عزلته وأحلكها. انطلاقا من منطق المحصلة الصفرية هذا، لم يكن أمام النظام في البدء، وليس أمامه الآن، من حل سوى الإمعان في الهروب إلى الأمام. أما أقصى ما يمكن أن تسفر عنه المحاولات الغربية لاسترضاء روسيا والصين فهو حل ‘التخريجة اليمنية’، بحيث تكون نهاية بشار الأسد السياسية شبيهة بنهاية علي عبد الله صالح. إلا أن تركيبة الأسد النفسية والذهنية قد تجعل هذا خيارا قاتلا بالنسبة له. فمسألة ‘الخروج’ هي مما لا يدخل في نطاق التصور عنده. لكن يظل من القابل للتصور رغم كل ذلك أن روسيا قد تحمله على القبول باللجوء إلى موسكو أو طهران لو اقتنعت أن هذا كفيل بأن يحفظ ما تبقى لها من أوراق في شرق المتوسط، لا سيما أن الولايات المتحدة قادرة، في المقابل، على تقديم تنازلات في مسألة النظام المضاد للصواريخ الذي ترى روسيا في تركيزه داخل أوروبا تهديدا لأمنها القومي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية