استأثر الوضع الوبائي إبان جائحة كورونا بالمناحي السلوكية والتأملية كافة، وباعتبار قدرة الوباء على خلق مشهدية متداخلة تأسست انطلاقا من انزياح الحقائق العلمية والطبية من مستوى التجربة إلى مستوى المخيال، حيث تشكلت حالة من قلق إنتاج معنى حول الوباء باعتباره حكاية، أو سردية صغرى بتعبير فرانسوا ليوتار، انشغل الناس بها وتمثلتها المجموعات البشرية باعتبارها وضعا خاصا، هذه الوضعية نشأت في دائرة الما – بعد وفق مفهوم ليوتار في قراءته للوضع ما بعد الحداثي، حيث تنهدم السرديات الكبرى لصالح السرديات الصغرى.
رواية الوضع باعتبارها سردية صغرى:
يشتغل الموت باعتباره فاعلا محركا لدينامية الوباء. تتواطأ كورونا مع الخوف لتشكل سردية التخييل المضخمة، فينكشف مستوى التداعيات اللاواعية والواعية، بأهمية الحكاية باعتبارها مشهدا يؤكد العلاقة الحيوية مع الوباء، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يؤكد الرغبة والحضور الإيجابي في التفاعل مع علاقات «المواجهة المخيالية»، على أساس أن ما يقوم به العلماء «مواجهة واقعية». تحدد هذه المفاهيم خطاب السردية المَا – بعدي، باعتبار خطاب فرنسوا ليوتار المابعد حداثي، الذي يؤسسه على قاعدة الوضع، فالرواية التي يمكن أن تُنْجَز بعديا، تنشأ ضمن إطار الوضع ما بعد كورونا، الذي يؤثث مشهديته التخييل والواقع، باعتبارهما أفقاً للانفكاك من حالتي الرعب والتباعد، الرعب بوصف الفيروس قاتلا، والتباعد باعتباره (الفيروس) أجبر الناس على الحجر داخل المنازل والمستشفيات وعلى المسافة الواقية. فالرواية تُنسج مشهدياتها من حركة الناس المضطربة في وعي الوقاية الفردية والجماعية ودفع الوباء طبيا، والتنكر داخل المتاهة المجتمعية، وتحاول السردية الصغرى كهوية لـ»رواية الوضع» أن تناور داخل الرؤية التأويلية لتعكس الهشاشة البشرية، علاقات السيطرة الفوقية (السلطة باعتبارها مصدر القرار) وخرافة الهيمنة باعتبارها أساس فكرة المؤامرة، حيث تضارب المعلومات حول المرض والمتسبب فيه، وجشع الجهات المنتجة للأمصال وقصدياتها الربحية، كل ذاك سوف يشبك في وعي الحكاية بين السياسي والطبي وصور السلطة باعتبارها هيمنة حسب ميشال فوكو.
التضارب المخيالي: كوميدية رواية الوضع
لا تنطلق رواية الوضع ما بعد كورونا من فراغ، إذ تنشأ مرتوية بذاكرة الفجيعة، أو السردية الحاضنة للبكاء، ما تحتاجه الرواية هو قراءة الملهاة بواقع حال المأساة، والعكس، أي بالبكاء أو الضحك على ذقن الضعف الإنساني وتقلباته بين مقابض الإشاعة والحقائق الكامنة في الفقد المؤسس، ذاك الذي يعصف بالحياة في أزمنة الأوبئة الشريرة. استلهام الرواية لذاكرة الفجيعة، لا يجعلها بالضرورة تسقط في فخ البكائيات المريرة، لأن جوهر البكاء ينطوي على كوميدية ساخرة من الوضع التحايلي على الوباء بوصفه مقلقا ومحتجِزا، أي مضايقا للحالة العقلية المجبرة على تقمص نمط تفكير الجماعة، كونها ضرورة تسعى إلى إيجاد المخرج من الوضع الجماعي القاهر للفردية، أي العودة إلى الوضع الطبيعي للحياة.
الرواية وضع فردي يفكر داخل نمط الجماعة، فالحراك الوجودي أو الوجود – في – العالم بتعبير هيدغر، ينتج بنية الرواية كحكاية، أي تواصل الروائي مع العالم، ما يعني التفكير مفردا لإنتاج الوعي بالعالم، وهو ما يناقض الوضع الوبائي الذي يحتم التفكير جماعةً لإنقاذ الفرد، أو الوعي به. تستسلم الرواية لبديهيات الوضع الوبائي، كحالة لتشكيل مخيال الفردية والوهم والقطيعة، فالعزلة باعتبارها مرحلة الفردية تجعل مرايا الإنسان مركزة نحو عالم الداخل، والانكفاء على الذات، وبالتالي يصبح التركيز في أعلى دوراته التكثيفية حول التقاط كل تفاصيل الوضع الوبائي، فيتكرس الوهم بوصفه انفصالا عن العالم، وبالتالي كاشفا لحدود الوعي التخييلي كنقيض فلسفي وأدبي للوعي الواقعي، ومنه تنبثق القطيعة كحالة من حالات الوضع الذاتي الأشد إفادة من التواصل مع العالم عبر مخيالين متضاربين، فتُنتِج القطيعة هامش التجاوب أو الواقع (النص) المتاخم للمخيال.
الحكايا والورد: سرديات الوداع
يسوقنا «الوضع» كحالة من توافق الدواعي لانبعاث الفصل الوجودي المرتجِع إلى الذات الفردية، أو الجماعية كما هو الحال بالنسبة للوضع الوبائي، إلى إبداع أنماط تأملية، فكرية وأدبية، لتكريس التواصل العقلي والفني، مع الانبثاقات غير المنتظرة بالنسبة للوعي في حالاته اللاقطة، فيستوعب هذا الوعي مفهوم الكتابة باعتبارها حدثا رومانسيا/نقديا للوضع القائم، كما هو وضع كورونا، لتتدفق مشهديات السرد مشكّلة «رواية الوضع» بكل ما يعنيه الوضع الإنساني من هشاشة في بنيته ورؤيته المأساويتين والملهاويتين، فتنكشف مشهدية مطرزة بالورد والحكايا المهربة من زمن الوباء المُنتج للجثث، وسرديات الوداع.
ينبني حلم «رواية الوضع» في غمرة التفعيل التشييعي لجرس الجنائز، الذي يشكل ضمن السردية الصغرى للحكاية المؤسسة للما – بعد الكوروناوي، الخيط الناظم للحدث في بعض مستوياته، فرحيل لويس سيبولفيدا متأثرا بالوباء، يشكل استعادة حنينية لمشهدية الكتابة في روايته «العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغرامية»، كحنين للبداية في رحلة سيبولفيدا السردية التصاعدية والانتصار للطبيعة، أي النقطة الحاسمة في وضع الكتابة لرواية تخترق العادي لتنتج المفارقة، ولا يقل عن ذلك رحيل الكاتب المسرحي الأمريكي تيرينس ماكنالي، الذي قال في 2019 خلال حفل توزيع جوائز توني أووردز Tony Awards: «يحتاج العالم الآن أكثر من أي وقت مضى إلى فنانين يذكروننا بالحقيقة والجمال واللطافة»، وهو ما يفتح رواية الوضع على جوهرية الشعور بالعالم في فرديته وجماعيته، فتولد السردية مشبعة بأحلام الوداع، منتشية رمزيا على وقع النفخ في ساكسفون العازف الكاميروني مانو ديبانغو. لا تكسر الحكايا فروع الورد على هوامش السرد، ولا تحول دون ارتماء الرواية في فواصل الجماعي والفردي، ولا تجيّر الوداع لصالح البكائيات العقيمة المتوائمة مع النسيان. رواية الوضع تنهل من رعب الحكاية في واقع الهشاشة الإنسانية.
سلافوي جيجيك أو محاولة لتصور رواية الوضع:
الرعب كابوس منتج للحدث سرديا، يخلق من الخوف الوجودي الكامن في تضاعيف الحياة ذاتها، كل من يعيش لحظة الحياة ولا يخاف، فهو يفتعل سلطة البطل، بكل ازدراءٍ لقيمة الهشاشة، التي هي جذر أصيل في الإنسان. «إني أخشى النوم لأن كوابيس عن الواقع الذي ينتظرنا تجتاحني»، يعترف جيجيك بما نرسمه هشاشة في واقع المعايشة لرعب الوباء، أي ما يمثل الوضع الحدثي، ضمن يوميات حكاية كورونا، وما أفرزه من تناقضات على مستوى السلوك، إذ يَعْتبِر تباعد الناس عن بعضهم بعضا نوعا من التضامن، فيصبح المعنى في الوقاية، والبناء النفسي المستقر في فكرة التباعد التي تستذهن التفكك، وسردية الما بعد تستثمر في تناقضات الوضع الوبائي لخلق رواية الوضع من هذه التصورات التي تستدعي الاستثمار وهندسة مضبوطة لنسج منوالها الاجتماعي، باعتبارها أساس الوضع الثقافي، فسلافوي جيجيك كفيلسوف وإنسان هش يعيش الوباء بكل رعب الانتظار، لا يخفي الهامش الآمل في التواصل مع العقل، إذ يجيب عن سؤال ما هو أكثر شيء يفتقده، قال: الذهاب إلى محل بيع الكتب، «وهو آخر الأماكن التي ما زال لديك فيها خيار ثقافي»، وهو الخيار المعول عليه في إنتاج رواية الوضع، التي تؤسس لثقافة واقعية من مكان الحدث المحاصر بالوباء والعزلة والرعب، لكن أيضا المؤهل بكثير من الأمل، فالأبطال الجدد هم أناس عاديون بتعبير جيجيك.
كاتب جزائري