التدخل الأمريكي وفشل النظام البعثي والدعم الخليجي وراء بروز «داعش» وأخواتها

حجم الخط
1

لندن- «القدس العربي»: تشي تصريحات الأخضر الإبراهيمي المبعوث الدولي السابق لسوريا بالرحلة التي قطعها هذا البلد منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وهو عمر الإنتفاضة التي تحولت لحرب أهلية.
ففي تصريحات نقلتها عنه مجلة «دير شبيغل» الألمانية قال فيها إن سوريا أصبحت دولة فاشلة على الطريقة الصومالية حيث لا يمكن هزيمة الجماعات الإرهابية بدون تخلي الحكومات الغربية عن سياساتها الفاشلة ونشر قوات حفظ سلام.
وحذر الإبراهيمي من انتشار النزاع خارج حدود سوريا نتيجة للفشل الدبلوماسي «ستصبح صومال جديدة، ولن تكون مقسمة كما توقع البعض، وستكون دولة فاشلة، يحكمها أمراء حرب في كل مكان». وقال الذي اعترف بفشله في تحقيق تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة «بدون جهود حقيقية ومتواصلة لتحقيق حل سياسي فهناك مخاطر من انفجار المنطقة».
وأكد الإبراهيمي على خطأ التوقعات الغربية بشأن ما يعرف بالربيع العربي، مشيرا إلى أن المجتمع الدولي لم يقم بمراجعة افتراضاته، «ولا يزال الناس في كل طرف يدعمون جهود الحرب بدلا من دعم جهود السلام». وأكد خطأ توقعات من اعتقد سقوط الأسد بنفس الطريقة التي سقط فيها نظام القذافي في ليبيا «سوريا هي دولة ولديها جيش ..». ويرى أهمية نشر قوات دولية من خلال اتفاق بين الحكومة السورية وجزء من المعارضة السورية لمنع تقدم القاعدة داخل الأراضي السورية. وحذر من المتطوعين الأجانب في سوريا الذي قد يثيرون متاعب لبلادهم حالة عودتهم. ويتوافق خطاب الإبراهيمي مع التحليل الذي يؤكد على أهمية تمترس القاعدة في العراق والشام.

حملة داعش

ومن هنا يرى باتريك كوكبيرن في تحليل له بصحيفة «اندبندنت» أن الأصوليين الإسلاميين فتحوا جبهة جديدة لهم في معركتهم لإنشاء الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. وتحدث الكاتب هنا عن الهجمات المنسقة التي تعرضت لها مدن عراقية كانت حتى وقت قريب تحت سيطرة حكومة بغداد.
وتؤكد هذه الهجمات على قدرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» على شن هجمات وتحييده لتنظيم القاعدة الذي كان حتى وقت قريب جزءا منه، مما يجعله من أقوى الجماعات الجهادية في العالم.
ويقود التنظيم منذ عام 2010 ابو بكر البغدادي، ويعرف أيضا بأبو دعاء وأثبت تحت إمرته أنه أكثر عنفا وطائفية مما يطلق عليه المسؤولون الأمريكيون «المركز» الرئيسي للقاعدة. وتتميز «داعش» بالقدرة على التنظيم والقسوة واستهداف الجماعات الطائفية من شيعة ومسيحيين.
وخلال الأيام الأربعة الاخيرة تقدمت نحو عاصمة الشمال- الموصل، وأرسلت رتلا من السيارات إلى مدينة سامراء واحتلت حرم جامعة في الرمادي، وتساوقا مع هذه التحركات قامت بحملة من التقجيرات في مدينة بغداد أدت لمقتل 52 شخصا.
ويرى الكاتب أن إنشاء دولة «خلافة» في مناطق شمال العراق وسوريا يثير مخاوف الدول الجارة مثل الأردن والسعودية وتركيا. ويعتقد أن الهجمات المنسقة تهدف إلى احداث حالة من عدم التوازن داخل القوى الأمنية العراقية بطريقة لا تستطيع التكهن من أين ستأتي الضربة الثانية. وتهدف الهجمات التي بدأت يوم الخميس في مدينة سامراء لاحداث حالة من الفوضى ونشر الخوف وتكبيد القوات العراقية خسائر كبيرة قبل الإنسحاب.

في الموصل

وفي يوم الجمعة هاجم مقاتلوها الموصل التي تتمتع فيها بتأثير لدرجة أنها تستطيع فرض الضرائب على أصحاب المتاجر من البقالات إلى محلات الهواتف النقالة. وتقول تقارير محلية إن الهجمات أدت لمقتل 200 شخصا مع أن الحكومة تعطي أرقاما أقل، 59 شخصا من بينهم 21 رجل أمن.
وفي يوم السبت هاجموا جامعة الأنبار في الرمادي التي يدرس فيها 10.000 طالب، ونقل عن طالب قوله إنه استيقظ على أصوات إطلاق رصاص ومن ثم شاهد رجالا بالزي الاسود حيث دخلوا مهاجع الطلاب وأخبروهم أنهم من داعش وطلبوا منهم البقاء في غرفهم ولكنهم القوا القبض على البعض. وقال أحد القادة لطالبة «سنلقنك درسا لن تنسيه».
ويعتقد الكاتب أن صعود داعش السريع مرتبط بالحرب في سوريا، فقد شجعت الإنتفاضة هناك سنة العراق على تنظيم احتجاجات سلمية في عام 2012 ولكن حكومة نوري المالكي لم تقدم أية تنازلات لهم. مما أدى لتهميش أكبر للسنة وجعل بعضهم يتعاطف مع ثوار العشائر و»داعش».
وقامت الأخيرة في العام الماضي بشن حملة ناجحة لتحرير الأسرى في سجن ابو غريب، وفي كانون الثاني/ يناير دخلت مدينة الفلوجة وظلت فيها رغم القصف الجوي والمدفعي. وعلى خلاف تنظيم القاعدة في العراق ودولته الإسلامية فداعش تتميز عنه بقدرتها على العمل داخل سوريا أيضا، فهي منخرطة في النزاعات الداخلية بين الفصائل المعارضة لنظام بشارالأسد مثل جبهة النصرة لأهل الشام وأحرار الشام، وتسيطر على مدينة الرقة وهي المدينة الوحيدة التي خرجت عن سيطرة النظام ولديها حضور في شرق سوريا.
ورغم عنفها إلا أنها ناشطة في مجال الدعاية والإعلام «البروباغندا» حيث تصدر أشرطة فيديو تظهر الجنود العراقيين وهم يحفرون قبورهم قبل إطلاق النار عليهم.

دولة جديدة

وتعلق صحيفة «إندبندنت» في افتتاحيتها الرئيسية على ما ترى أنه دولة جديدة طور الولادة.
وقالت إن هناك دولة تظهر تدريحيا على خارطة العالم، حدودها في طور التشكل، ومن غير المتوقع أن تحظى باعتراف دبلوماسي دولي في المستقبل القريب.
أما عاصمتها فلم يتم تحديدها بعد ولا حتى اسمها. لكن ما يميز هذه الدولة هو صورة السياسة التي ستتبعها وتطبقها «فهي وبطريقة انتحارية غير متسامحة مع أي شخص لا يتتبع التعاليم الوهابية، وفي حالة القبض على أعدائها من الأديان والطوائف الأخرى فإنه يتم تعليقهم على المشانق أو صلبهم، كما حدث قبل مدة قصيرة في مدينة الرقة في شرق سوريا».
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد «فعندما يتم إنشاؤها كدولة فستصبح العقوبات هي قطع الأطراف والرجم وقطع الرؤوس، وسيصبح استرقاق البنات وبيعهن أمرا شائعا».
وتضيف الصحيفة أن هذا الوصف والإجراءات العقابية القاسية تخص داعش والتي «تحتل منطقة واسعة تمتد ما بين حدود البحر المتوسط وحتى بغداد، وفي داخل الحدود الشمالية السورية وشمال- شرق العراق قامت الجماعات الجهادية مثل داعش وجبهة النصرة وغيرهما بتحديد حدود نفوذها».
وعن السبب الذي قاد لصعود تأثير هذه الجماعات الجهادية تقول الصحيفة «قد يحدث نقاش طويل ولا نهائي حو الدينامية والقوة الشرسة والبربرية القروسطية الخارجة من بوتقة الربيع العربي.
وهو متعلق في وجه منه بالقوة الإقتصاية والدعوة التي تقوم بها السعودية ودول الخليج الأخرى التي لعبت دورا، بالإضافة لفشل الديكتاتورية البعثية التي فشلت بتوفير حياة كريمة وأملا في المستقبل للسكان.

مسؤولية الغرب

وترى ان الجزء الأكبر من المسؤولية تتحمله الولايات المتحدة وبريطانيا بإعلانهما الحرب ضد صدام حسين بناء على تبريرات زائفة وقيادتها «تحالف الدول الراغبة والتي انهت نظاما ديكتاتوريا بثمن تدمير مؤسسات الدولة العراقية، وقضت على تماسك الدولة العراقية وفتحت الباب أمام القوى المتطرفة للبروز وخرجت عن السيطرة.
وفي الحالة السورية أسهم الغرب بوصول الإسلحة المتقدمة للجماعات الجهادية وذلك من خلال تمريره الدعم للجماعات المقاتلة «المعتدلة» فقد ظن الغرب بسذاجة أن هذه الجماعات ستطيع أوامر من يدفع لها، لكن هذا الدعم أسهم في تعزيز أهدافها.
وترى أن التدخل الغربي أسهم في تزايد قوة الجماعات الجهادية، فتدخله في ليبيا وغيرها كان بشكل محدود من أجل التخلص من نظام ولكن بدون تمكين نظام جديد على السيطرة. وتشير هنا إلى حديث الرئيس باراك أوباما في الأكاديمية العسكرية «ويست بوينت» الذي قال فيه «في الوقت الذي تمتد الحرب الأهلية خارج حدود سوريا تزداد معها قدرة الجماعات المتطرفة لضربنا».
وتختم بالقول إن خطر الجماعات الجهادية لا يقتصر على كونهم يهدودونا في مدننا المزدهرة بل ولأنهم يحاولون إرجاع منطقة الشرق الأوسط للعصور المظلمة.
و»لن نهزم هذه القوى من خلال تجاهلنا لها على أمل ان تختفي بنفسها، ولكن كيف يمكننا هزيمتها خاصة أن كل محاولاتنا انتهت بطرق كارثية؟ هذا هو نقاش علينا أن نبدأ به».

لقاء مع الفهد

في سياق متصل ولكن بصورة أخرى عن تطرف النظام، كتب روبرت فيسك في الصحيفة نفسها عن مقابلته لأمير حرب يقول إنه الجندي المفضل للرئيس الأسد. واسم هذا الجندي هو العقيد سهيل حسن- وكنيته الفهد- «الذي يعتبر أكثر شخص إثارة للرعب قابلته، وهو جندي الأسد المفضل، ويجلس على كرسيه في مقر قيادته في شمال مدينة حلب».
ويضيف أن حسن يكتب الشعر ولكنه جندي قاسي القلب «يتوقع الموت، ويريد ان يقضي شهيدا، ويصف بتفاصيل مثيرة للقشعرية حملته من حماة إلى حلب لرفع الحصار عن كبرى المدن السورية».
ويضيف فيسك أن حسن قبل بدء المعركة يحاول إقناع رجال جبهة النصرة وداعش الإستسلام «أقوم بنفسي بالإعلان عبر مكبر الصوت، وأقول لهم أن لديهم خيار، وأن هناك خيار للحرب والدمار» وأقول في حضرة رجال الدين ورجال الحكومة «يمكنكم المغادرة، ويمكنكم الخروج بسلام، ولكن لا تسمحوا لي بتدميركم» وكان بعضهم- مئات منهم يستجيب ولكنهم كانوا يتآمرون ويهاجمون جماعة حسن.
ويعلق قائلا «هذه هي الحرب الأهلية السورية، حيث يعتقد الفهد أنه ورفاقه يقاتلون ضد مؤامرة دولية، ولكن هذه هي كلماته «كلهم ماتوا لانهم خدعوني»، بهذه الطريقة ينظر العقيد حسن لأعدائه «هم ليسوا بشرا، هم مخلوقات لا بشر، ولديهم مخدرات وأحزمة ناسفة وسكاكين وأسلحة متقدمة، وأقاموا مصنعا لقنابل الهاون من 120 ملمتير وما فوق ولديهم تكنولوجيا متقدمة وخبراء، ولكن كل هذه المصانع أصبحت بيدنا».
ويشير فيسك للجانب الآخر من حسن وهو الشاعر الذي يصف قلبه بالصخرة وعقله بالهاديء مثل البحر، وكيف يبتلع البحر كل شيء…».
ويقول حسن إنه التقى الأسد الحقيقي وليس الأسد الذي ورد في بيت شعر المتنبي «إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم»، وحدث هذا اللقاء أثناء واحدة من العمليات، كان هذا قبل تولي الأسد الرئاسة ولكن حسن يؤكد أنه يراه كل يوم عند الفجر. ويقول حسن إنه أطلق على عمليته في شمال حلب «يا قاتل يا مقتول» مشيرا إن العملية أدت لمقتل ألالاف من قوات المعارضة. وعندما سأله إن حاول أعداءه الحديث معه أجاب «حاولوا»، ويشير إلى حوار عبر اللاسلكي مع قائد في المعارضة حيث تحاوروا عبر الراديو، وقال إن الرجل واسمه الشيخ أحمد الهزراوي. وقام الأخير بسب حسن بكل كلمة قذرة، ويزعم الفهد أن أعداءه يحترمونه لأنه لا يكذب.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية