العملية الدولية في ليبيا: حروب الإبادة خط أحمربارتي بنديتا وغاليا ليندنشتراوس انبعاث القيمة الناشئة لـ ‘المسؤولية عن الحماية’ (Responsibility to Protect R2P) وجد تعبيره في النجاح في اقرار قرار 1973 في مجلس الامن في الامم المتحدة، في 17 اذار (مارس) 2011، الداعي الى اتخاذ كل الوسائل اللازمة باستثناء الاحتلال، من أجل حماية السكان المدنيين في ليبيا. هذه القيمة وان كانت بحثت بتوسع في اثناء العقد الاخير، الا ان حالة ليبيا هي الاولى التي تحظى فيها هذه القيمة باسناد من قرار مجلس الامن حسب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة والتي تتناول العمل فيما يتعلق بـ ‘التهديدات على السلام، خرق السلام وأعمال العدوان’. الخلفية لقيمة المسؤولية عن الحمايةفي أعقاب الاحداث المأساوية مثل ابادة الشعب في رواندا وانعدام الرد من جانب الاسرة الدولية دعا كوفي عنان، الامين العام السابق للامم المتحدة، الاسرة الدولية للتوصل الى اجماع حول مسألة متى يكون التدخل العسكري مبررا. حكومة كندا اخذت المهمة على عاتقها، وشكلت اللجنة الدولية لموضوع التدخل والسيادة السياسية (ICISS). ونشرت اللجنة تقريرا في كانون الاول (ديسمبر) 2001، واختارت تغيير الاصطلاح الدارج، ولكن موضع الخلاف المتعلق بـ ‘التدخل الانساني’ باصطلاح ‘المسؤولية عن الحماية’. وبموجب هذا الاصطلاح، فان السيادة ليست فقط حقاً للدول بل وتتضمن ايضا واجب الدفاع عن المواطنين وعن أملاكهم. واذا ما فشلت الدولة في ذلك، يحل على الاسرة الدولية واجب في مساعدتها على ذلك، واذا ما فشلت هذه المساعي ايضا، فهناك مبرر للتدخل في حالات متطرفة مثل أحداث ابادة شعب أو تطهير عرقي. التقرير في موضوع المسؤولية عن الحماية يقرر أربعة مبادىء أساسية بالنسبة للتدخل العسكري الخارجي: الخطوة تتخذ انطلاقا من نية سليمة (أي: تحركها اعتبارات القلق الانساني وترمي الى ‘منع المعاناة الانسانية’)؛ القوة العسكرية تجند للمعركة كوسيلة أخيرة (بمعنى، يتم استخدام بدائل اخرى، أو على الاقل تكون قد فحصت احتمالاتها)؛ الرد يكون متوازنا؛ وتكون هناك احتمالات معقولة لنجاح المهمة. اضافة الى ذلك دعت ICISS الى تلقي الاذن من منظمة دولية لاتخاذ عمل من هذا القبيل، مع أولوية لمجلس الامن. منذ 2001، تبنت الفكرة الوثيقة النهائية لمؤتمر القمة العالمي للامم المتحدة من العام 2005، والتي اضافت جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية كحالات يكون فيها العمل الدولي مبررا. في السنة التي تلت ذلك، تبنى قرار 1679 لمجلس الامن أجزاء من الوثيقة النهائية من العام 2005، تتعلق بالقيمة الناشئة للمسؤولية عن الحماية، وثبت بقوة اكبر مكانة هذه القيمة. في العام 2009 رفع الامين العام بان كي مون تقريره عن ‘تطبيق المسؤولية عن الدفاع’ الى الجمعية العمومية للامم المتحدة.
تطبيق قيمة المسؤولية عن الدفاع في ليبياكيف يرتبط النشاط الحالي في ليبيا، الذي أقره مجلس الامن في الامم المتحدة، والمنتهج من قوات الناتو بمقاييس التدخل الشرعي ضمن القيمة الناشئة للمسؤولية عن الحماية؟ الشرط الاساسي الذي يبرر تحريك مسيرة التدخل تحت المسؤولية عن الحماية، هو انعدام القدرة، او الاستعداد، لدى الدولة لحماية سكانها المدنيين، وهو المطلب القائم حسب كل الآراء في حالة ليبيا، حيث الحكم هو الذي يرتكب الجرائم ضد السكان المدنيين. استخدام القذافي للقوة ضد المواطنين الليبيين خرج، منذ بداية المظاهرات، على نحو أبرز مما فعله نظراؤه في دول المنطقة. فالى جانب التقرير عن الوحشية التي استخدمت ضد السكان المدنيين، شدد الطاغية المفهوم المتعلق بالكارثة الانسانية الموشكة على الوقوع حين وعد بسحق الحشرات التي تجرأت على الثورة ضد نظامه. وفي نفس الوقت ساهمت أيضا الاستقالات العلنية للسفراء الليبيين وكذا طلب السفير الليبي في الامم المتحدة بوقف ‘ابادة الشعب’ الجارية في بلاده في تعزيز الفهم بان الحكم الليبي فقد شرعيته الداخلية، وكذا ايضا الفهم بان مستوى العنف في ليبيا كان كبيرا بما يكفي لتبرير رد من الاسرة الدولية. في 26 شباط (فبراير) 2011 تبنى مجلس الامن في الامم المتحدة ردا على العنف والازمة الانسانية التي أخذت في التصاعد، بقرار 1970 الذي دعا ‘حكومة ليبيا الى الايفاء بواجبها في حماية سكانها’ فيما تطرق لأول مرة بشكل علني، لمفهوم المسؤولية عن الدفاع. وحاول القرار أيضا منع مظاهر العنف بحثـّه الحكومة الليبية على وقف هذا العنف، من خلال فرض حظر سلاح على ليبيا، حظر سفر وتجميد املاك، الى جانب توجيه النظام الليبي الى المحكمة الجنائية الدولية. بالتوازي مع هذه العقوبات، وردا على الوحشية المتعاظمة للنظام الليبي، بدأت فرنسا وبريطانيا تلمح بامكانية اتخاذ عقوبات اكثر شدة، بما في ذلك الاعلان عن منطقة حظر طيران. واستقبل هذا البديل في البداية ببرود ما من الاسرة الدولية بل وواجه انتقادا لاذعا من جانب الصين، روسيا، تركيا ودول اخرى. ومع ذلك، كلما تصاعد مستوى العنف في ليبيا، تصاعد بالتوازي الاستعداد في الساحة الدولية لاتخاذ اجراءات أكثر حزما. خطوة هامة في هذا الاتجاه اتخذت في 12 اذار(مارس)، عندما توجهت الجامعة العربية الى مجلس الامن لاول مرة بطلب الاعلان عن منطقة حظر طيران، في ظل تعزيز أصوات دول مثل بريطانيا وفرنسا، كانت بدأت في حينه بصياغة مشتركة لقرار ذي صلة يصدر عن مجلس الامن.
المسيرة التي أدت الى اتخاذ قرار 1973 لمجلس الامن كانت بالتالي تدريجية والاذن باتخاذ ‘كل الوسائل اللازمة’ لفرض منطقة حظر الطيران وحماية المدنيين، اعتبرت وسيلة أخيرة، تنسجم مع مبدأ التدخل ضمن قيمة المسؤولية عن الدفاع. فضلا عن ذلك، فان قرار مجلس الامن على اساس الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة يعتبر الان اساسا قانونيا لنشاط عسكري في نطاق ليبيا، في ظل التعهد بان الخطوة التي يتخذها حلف الناتو – خلافا لما حصل في كوسوفو – تحظى بشرعية دولية واسعة، بل ان الخطوة تأتي وفقا لتوصية تقرير ICISS عن المسؤولية عن الحماية، وبموجبه ينبغي تفضيل العمل باذن صريح من مجلس الامن للامم المتحدة. المطالب الاساسية الثلاثة الاضافية الواجبة قبل اتخاذ تدخل حسب قيمة المسؤولية عن الحماية (التوازن، النية واحتمال النجاح) اكثر تعقيبا للتقدير، ولكن ثمة اساس للاعتقاد بان العملية الحالية في ليبيا تفي بها ايضا. رغم أن عملية تقدير مفاهيم النية والتوازن في القانون الدولي مفتوحة للجدل، فان التفويض الذي اعطي للعملية في ليبيا محدد في كل ما يتعلق بأهداف المهمة (حماية المدنيين وفرض العقوبات)، بينما يستبعد بشكل صريح امكانية ‘قوة احتلال اجنبي من أي نوع توجد في أي منطقة ضمن الاراضي الاقليمية الليبية’ وبالتالي يبدو أنه يفي بالمعايير آنفة الذكر. اضافة الى ذلك، فان التأييد الاقليمي للعملية (كما وجد تعبيره في الجامعة العربية، منظمة المؤتمر الاسلامي، ومجلس التعاون الخليجي) والاصوات التي صدرت عن الثوار الليبيين ممن دعوا الى التدخل النشط في الازمة، تعمق هي أيضا شرعية الخطوة العسكرية. ومع ذلك، فالجواب على السؤال اذا كانت المهمة نفسها، وقواعد التدخل، ستبقى محدودة بالمقاييس آنفة الذكر في المدى البعيد ايضا، منوطة في نهاية المطاف بالواقع الذي ينشأ على الارض، وعليه فلا توجد امكانية لان نتوقع الان هل سيبقى التدخل محدودا بمطلب ‘التوازن’. المقياس الاكثر اشكالية للتقدير، عند النظر الى مقاييس المسؤولية عن الحماية، هو أغلب الظن الاحتمال المعقول لنجاح العملية. بينما تشير تقارير الانباء الى أن تقدير الناتو هو ان هذه عملية لتسعين يوما، إثرها ستقام قوة لحماية السلام متعددة الجنسيات (مثلما في حالة البوسنة) فان نتائج خطة من هذا القبيل ليست مضمونة. وبشكل محدد، ليس واضحا حاليا كيف ستنجح الدول المشاركة في تحقيق اهدافها (حماية السكان المدنيين)، دون طرح الحاجة الى توسيع تفويضها (تغيير النظام)، ودون التدخل الزائد عن الحد في الحرب الاهلية.
رغم انعدام اليقين بالنسبة لنجاح الخطوات العسكرية الحالية، فان التدخل الذي أقره مجلس الامن يعكس بشكل واضح قيمة المسؤولية عن الحماية ويساعد على احياء هذه القيمة الناشئة.
نظرة عليا’ 13/4/2011′ نشرة الكترونية تصدر عن معهد بحوث الامن القومي