التدخل الغربي خطر على ليبيا.. خطر على سورية.. خطر دائما

حجم الخط
0

د. بشير موسى نافع

بالرغم من الاعتقاد السائد بأن التدخل العسكري الغربي يقدم عوناً إضافياً لثورة الشعب الليبي ونضاله ضد نظام الاستبداد والتسلط في طرابلس، فالأرجح أن هذا التدخل، سيما إن اتسع نطاقه، سيتحول في النهاية إلى عامل تعطيل يؤدي إلى تأخير الانتصار النهائي للشعب وقواه الحقيقية. ولن يختلف الأمر كثيراً في حال وجدت القوى الغربية وسيلة للتسلل إلى مسار الثورة الشعبية السورية. في سورية، سيكون التدخل الغربي كارثة على ثورة الشعب وعلى الجوار العربي بأكمله، كارثة لا تقل عن تلك التي نجمت عن الغزو الأنكلو ـ الامريكي للعراق. رفض التدخل الغربي العسكري في حركة الثورة العربية لا بد أن يصبح توجهاً أساسياً ومطلباً عربياً شاملاً، حتى إن كان مصير الثورة في هذا القطر العربي أو ذاك مهدداً بالإخفاق المؤقت.

قبل أسابيع قليلة، تحولت ‘القدس العربي’، من حيث لم ترد أو تخطط، إلى طرف مباشر في الصراع المحتدم على ليبيا ومستقبلها. بدأت القصة، كما يعرف كثيرون من قراء هذه الصفحة، عندما نشر على نطاق واسع خبر قيام الفيلسوف الفرنسي برنار هنري – ليفي، بإيصال رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ادعى ليفي أنه كلف بحملها من شخصية، أو شخصيات، قيادية في المجلس الوطني الانتقالي بمدينة بنغازي. ليفي، الذي تحول مؤخراً، وبدون دعوة، إلى مناصر كبير لحركة الثورة والتحرر العربية ومستشاراً للرئيس الفرنسي ساركوزي، المناصر الغريب الآخر للثورة العربية، قال ان الرسالة الشفوية تعبر عن نوايا الثوار الليبيين الحسنة تجاه الدولة العبرية وعزمهم بناء علاقات طبيعية معها بعد أن يحسم الصراع مع نظام القذافي. أثار خبر الرسالة أسئلة في العديد من الأوساط العربية، وعلى وجه الخصوص تلك المؤيدة للثورة الليبية، بما في ذلك هذه الصحيفة، التي لم يخل تدخلها في النقاش من استنكار الموقف الذي بدا أن بعضاً في بنغازي يعمل على دفع الثورة الليبية إليه.

أدى تفاقم الجدل حول رسالة ليفي الليبية في النهاية إلى أن قام البعض، مرة ثانية، بتزييف وثيقة، تدعي أن ‘القدس العربي’، التي تكاد تكون الصحيفة العربية الوحيدة التي لم تحمل مطلقاً مقالة تأييد واحدة للقذافي ونظامه، كانت تتلقى مساعدات منتظمة من العقيد. الواضح بالطبع أن من قام بتزييف الوثيقة لم يكن بعيداً عن ذلك، أو أولئك، الذي حمل هنري ـ ليفي أمانة الرسالة الشفوية لنتنياهو، وأن المحاولة الرديئة لإثارة الشبهات حول الصحيفة التي وقفت بلا هوادة مع ثورة لشعب الليبي، استهدفت معاقبة الصحيفة على إثارتها لمسألة الرسالة، أو ربما ابتزازها ومنعها من اتخاذ مواقف مشابهة في المستقبل. والمدهش أنه ما كادت مسألة الرسالة والحملة مجهولة المصدر ضد ‘القدس العربي’ أن تهدأ، حتى فوجىء الليبيون وأهالي مدينة بنغازي، قاعدة الثورة الليبية الأولى ومقر المجلس الوطني الانتقالي، بصدور قرار بمنع القيادي الإسلامي البارز والنشط منذ سنوات طويلة ضد نظام القذافي، ونيس المبروك، من خطبة الجمعة في ساحة المحكمة، التي تحولت منذ تحرير بنغازي من سيطرة نظام العقيد، إلى ساحة التعبير الرئيسية للثورة والشعب. كان المبروك قد برز خلال الأشهر القليلة الماضية باعتباره أحد أهم أصوات الثورة الليبية؛ ويبدو أن كلمات أدلى بها في خطبة الجمعة حول الموقف من القوى الغربية والقضية الفلسطينية قد أثارت غضب البعض، للمرة الثالثة، في بنغازي. ليس من الواضح، بالطبع، من هو مصدر رسالة ليفي؛ فالوضع السياسي في مدينة بنغازي، التي كنت من أوائل العرب الذين قاموا بزيارتها والتجوال في المناطق الليبية المحررة من سلطة العقيد في آذار/مارس الماضي، ليس محدد المعالم بصورة قاطعة. فمنذ عودة أعضاء لجنة إدارة الأزمة، أو ما بات يعرف بالمجلس التنفيذي، أو بعضهم، التي تأخرت طويلاً، يصعب أحياناً على الزائرين من الخارج التفريق بين أعضاء المجلس الوطني الانتقالي، وأعضاء المجلس التنفيذي الذي تشكل باعتباره حكومة مؤقتة لإدارة شؤون الممناطق المحررة. ويصعب بالتالي تحديد ما إن كان مصدر الرسالة المجلس الوطني أو المجلس التنفيذي، أو حتى احدى الشخصيات السياسية المتعددة التي انحازت للثورة ولم تحتل بعد موقعاً رسيماً وإن كانت تقوم بمهمات تتعلق بالمجلس الوطني ونضاله، داخل البلاد وخارجها. تماماً كما أن أية محاولة لتحديد الجهة الأصلية التي أصدرت قرار منع ونيس المبروك ستصل إلى طريق مسدود.

ما هو واضح أن ليبيا تشهد مستويين من الصراع وليس مستوى واحداً. ثمة صراع محتدم بين الشعب الليبي بأغلب فئاته وقواه واتجاهاته، من جهة، ونظام العقيد القذافي والقوى الموالية له والمرتبطة بمصيره، من جهة أخرى. يوشك هذا المستوى من الصراع الآن الوصول إلى محطته الأخيرة، بعد تضحيات كبرى قدمها الليبيون البواسل منذ انطلقت ثورتهم في منتصف شباط/فبراير الماضي. وهناك مستوى آخر من الصراع حول مستقبل ليبيا، هوية ليبيا الجديدة، توجهاتها السياسية والثقافية وتحالفاتها، ونمط اجتماعها، يدور في صفوف القوى المناهضة للعقيد وما تبقى من نظامه. وليس ثمة شك أن أغلبية الشعب الليبي، في لحظة تحول الثورة من حركة شعبية سلمية إلى مقاومة مسلحة، وعدم تورع النظام عن نشر آلة البطش والقمع الهائلة التي يمتلكها ضد أبناء شعبه، قد رحبت مضطرة بالتدخل الغربي العسكري. وليس من اليسير في هذه الفترة المبكرة تقدير مدى مساهمة هذا التدخل في توفير حماية حقيقية لليبيين وثورتهم؛ ولكن الملاحظ أن مدينة مثل مصراتة استطاعت في النهاية دحر قوات النظام بدون تدخل غربي ملموس، وأن ثوار الجبل الغربي يوشكون الوصول الآن إلى مشارف طرابلس بدون دعم غربي عسكري.

من ناحية أخرى، يصعب تصور أن ينتهي التدخل الغربي العسكري في مجريات الثورة الليبية بدون ثمن. في هذه البلاد فسيحة الأرجاء، بالغة الثراء، قليلة السكان، ذات الساحل المتوسطي البالغ أكثر من 1800 كيلومتر، لم يتوقف التدافع العربي ـ الإسلامي مع القوى الغربية منذ أجبرت الحاميات البيزنطية على الرحيل قبل ألف وخمسمائة عام من الزمن. خلال الشهور الثلاثة الماضية، تجاوز نطاق التدخل العسكري الغربي حدود القرار الدولي الذي شرع لهذا التدخل، وبالرغم من حرص الليبيين الذين ساهموا في صياغة القرار الدولي على توكيد عدم الحاجة لوجود عسكري غربي على الأرض الليبية، لم تخف تصريحات مسؤولين بريطانيين وفرنسيين مؤخراً عزم بعض الدول الأوروبية إرسال قوات إلى ليبيا، حتى بعد سقوط نظام العقيد. وهناك تقارير عديدة تفيد بأن البعض، مرة أخرى، في بنغازي يشجع مثل هذه الخطوة ويرحب بها، ربما لأن هذا البعض يرى في تعمق واتساع نطاق التدخل الغربي أداة لتغيير التوازنات السياسية على أرض ليبيا الجديدة. إن تحركت الأمور في هذا الاتجاه، واستشعر الليبيون أن ثورتهم وتضحياتهم قد سرقت، فالمتيقن أن حرباً أخرى ستندلع في ليبيا، حرب هذه المرة على مستقبل البلاد وهويتها والاتجاه الذي ستسير إليه.

سورية هي الساحة الأخرى للثورة العربية التي تشهد تغولاً بشعاً للنظام ضد شعبه، وتصاعداً هائلاً في جرائم أجهزة النظام وقواته. ليس هناك بين السوريين من يدعو إلى تدخل غربي مباشر في سورية، وبالرغم من التضحيات الكبيرة التي يقدمها الشعب في مواجهته مع نظام الاستبداد وآلة بطشه، تقتصر مطالب السوريين على تدخل عربي ـ إسلامي، وعلى ضرورة تبلور موقف سياسي وحقوقي دولي ضد النظام. ولكن أحداً لا يعرف المدى الذي يمكن أن تأخذه المواجهة بين النظام والشعب، وكما أن قوى غربية تتصور أن لحظة ما ستأتي، تتيح لها التدخل المباشر في الشأن السوري، فربما لن تعدم هذه القوى وجود عناصر في المعارضة السورية، تقبل هذا التدخل، إيماناً أو اضطراراً. التدخل الغربي المباشر في سورية سيكون بالتأكيد أكثر خطورة وأثقل وطأة من التدخل في ليبيا. فبالرغم من الجرائم التي ارتكبتها قوات الجيش الموالية للنظام، فإن الرأي العام العربي لا يمكن أن يقبل، بأي حال من الأحوال، أن تستبيح طائرات حلف الناتو الجيش العربي السوري. ولأن سورية، مثل معظم دول المشرق العربي ـ الإسلامي، بلد متنوع الأعراق والطوائف، بالرغم من الغلبة العربية ـ السنية، فمن غير المستبعد أن تحاول القوى الغربية خلق حالة من التشظي العرقي والطائفي في سورية، شبيهة بما فعلته بالعراق؛ وتنتقل سورية بالتالي من حكم نظام تحيط به شبهات الطائفية إلى نظام محاصصة طائفية وعرقية. سورية، باختصار، هي عقدة المشرق العربي، وإن أفسح للقوى الغربية مجال التدخل في شؤونها، فستكون العواقب وخيمة، ليس على مستقبل سورية وحسب، بل وعلى الجوار العربي كله.

في نهاية القرن الثامن عشر، فجرت الثورة الفرنسية المجال السياسي الأوروبي كله تقريباً. بعد هزيمة نابليون أمام التحالف الأوروبي في 1815، عاشت القارة لعدة عقود من النصف الأول من القرن التاسع عشر تدافعاً قلقاً بين الردة الرجعية وقوى الإصلاح. في 1848، انفجرت الثورات من جديد في أنحاء أوروبا، بدون أن تحقق واحدة منها انتصاراً حاسماً. ولكن دولة أوروبية لم تستطع الإفلات من الآثار العميقة وبعيدة المدى لثورات منتصف القرن التاسع عشر. ما تشهده الدول العربية من انتصارات لحركة الشعوب، وكسر لإرادة أنظمة الاستبداد وانسحابها أمام تيار الحرية، بما في ذلك سورية، هو أشبه بالمعجزة. وكلما حافظت الشعوب والقوى السياسية على استقلال الثورات العربية من التدخلات الخارجية، كلما تسارعت حركة التغيير وحققت انتصارها الكلي والنهائي على قوى الاستبداد والقهر، وعلى إهانة القرن العشرين الطويلة. ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية