التدخل الفرنسي في مالي: الاسباب والمآلات

حجم الخط
0

د. بشير موسى نافعرغم أن فرنسا ودول المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا (إيكواس) شرعت في دق طبول الحرب في مالي منذ أشهر عديدة، واستصدرت فرنسا قرارا دوليا من مجلس الأمن بمباركة مساعي دعاة الحرب، إلا أن الانطلاقة المبكرة لهذه الحرب كانت مفاجئة، بحيث أن الموعد الذي كان يجري الحديث عنه لإطلاق شرارتها وهو شهر أيلول (سبتمبر) ما تزال تفصل بيننا وبينه اكثر من سبعة أشهر.واكبت دق طبول الحرب دعوات إقليمية ودولية بضرورة البحث عن حل سياسي بديل، واعتبار الحرب خيارا أخيرا، لكن يبدو أن الجماعات الإسلامية المسلحة التي كانت تفاوض عن طريق جماعة أنصار الدين، توصلت عبر مسار المفاوضات المتعثر إلى قناعة بأن الحكومة المالية ومن ورائها فرنسا أكثر جدية في دعوات الحرب من جديتها في البحث عن حل سياسي، فكان أن سارعت هذه الحركات إلى محاولة أخذ زمام المبادرة، عبر تحديد موعد الحرب وميدانها، استباقا للخطط الفرنسية الافريقية التي كانت تحضر لتدخل عسكري وفق خطة يجري إعدادها على نار هادئة، فآثرت تلك الجماعات المسلحة دفع الفرنسيين والأفارقة إلى الدخول في الحرب قبل أوانها، ولما تنضج بعد طبخة خطتها.استدراج نحو حرب غير مكتملة الشروط: عمدت جماعة أنصار الدين، التي تمثل الواجهة الحوارية لتلك الجماعات، إلى إعلان سحب عرض قدمته في الجزائر يقضي بوقف الأعمال العدائية مع مالي، كما طلبت من الوسيط الافريقي الرئيس البوركينابي ابليز كومباوري تأجيل موعد جلسات المفاوضات، التي كانت مقررة في الرابع عشر من كانون الثاني (يناير)، للتباحث بشأن خريطة طريق قدمتها الحركة لحل الأزمة في أزواد، تقوم على منح الإقليم حكما ذاتيا وفقا لنظام يسمح بتطبيق الشريعة الإسلامية. ثم أشفعت حركة أنصار الدين، ومن ورائها تنظيم ‘القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي’، وحركة ‘التوحيد والجهاد’ في غرب افريقيا، وجماعة ‘الملثمون’، التي انشقت عن ‘القاعدة’ بقيادة مختار بلمختار، خطوتها بتجميد المفاوضات، بإرسال قواتها من مدينة تمبكتو نحو الوسط المالي، لمهاجمة ولاية مبوتي، في محاولة لإيهام الفرنسيين والماليين، بأن المسلحين الإسلاميين قرروا الزحف نحو العاصمة باماكو، ودفعهم نحو قرار متسرع بالدخول في الحرب.بذلك، سارع الفرنسيون إلى التحرك على عجل، ونجحت الجماعات الإسلامية في إرباك المخطط الفرنسي، حيث سارعت فرنسا إلى التخلي عن أول تعهد لها بعدم المشاركة بقوات برية في الحرب التي كان يجري التحضير لها، وإنها ستكتفي بالدعم اللوجستي والاستخباراتي. لكن، مع وصول قوات الحركات المسلحة إلى مشارف مدينة ‘موبتي’، وسيطرتهم على بلدة ‘كونا’، وانهيار دفعات الجيش المالي أمام ضرباتهم، اضطرت فرنسا إلى التراجع عن وعدها السابق وسارعت إلى إرسال قواتها إلى مالي، لمنع سقوط العاصمة باماكو، فكان أن نجح الإسلاميون في استدراجها إلى أرض المواجهة، وبدأوا في حصد قواتها منذ اليوم الأول، أسقطت مروحيتان فرنسيتان، وقتل اثنان من الجنود الفرنسيين، الأمر الذي حدا بالفرنسيين إلى سحب سلاح المروحيات الفعال من المعركة بعد أن تبينت قدرة الإسلاميين على إسقاطها، والتركيز على الضربات الجوية عن بعد بواسطة طائرات ‘الجكوار’ و’الميراج’ و’رافال’، كما تم إرسال مئات الجنود الفرنسيين لحماية العاصمة بامكو والجالية الفرنسية هناك، والمؤلفة من حوالي ستة آلاف فرنسي، وهو انتشار يلبي مطلبا للحركات السلفية الباحثة عن أقرب نقطة لاصطياد الفرنسيين. هذا، فضلا عن أن مشاركة القوات الفرنسية في الحرب بشكل مباشر، يعطي دفعا معنويا للمقاتلين الإسلاميين، باعتبارهم باتوا في مواجهة مفتوحة مع ما يسمونه ‘غزوا صليبيا فرنسيا’، الأمر الذي يضفي مستوى من الشرعية على حربهم، لدى الرأي العام الإسلامي خصوصا، ومن السكان المحليين وأنصار التيارات الجهادية.الإيكواس: الطريق نحو المستنقع الأزوادي: ولم يكن التحرك الذي أقدم عليه الإسلاميون في أزواد نحو الجنوب ليقتصر على استدراج الفرنسيين إلى أرض المعركة، فقد بدأت دول غرب افريقيا هي الأخرى في إرسال قواتها على عجل نحو مالي للمشاركة في الحرب، وهي قوات قد لا تكون مكتملة العدة والعتاد والتجهيز، فضلا عن أنها لا تملك خطة واضحة لخوض الحرب، نظرا لأنها جاءت مباغتة ولم يكتمل التحضير لها بعد، وهو ما سيسهل مهمة المقاتلين الإسلاميين في مواجهة تلك القوات.كما استطاع المسلحون الإسلاميون أيضا بفعل سلاح المبادرة، تحديد ميدان المعركة، وتحويل هدف الحرب ـ مؤقتا ـ من تحرير أزواد وإعادته إلى السيادة المالية، إلى محاولة منع تقدم الإسلاميين جنوباً، وباتت المعارك البرية تدور في وسط مالي (ولاية موبتي، ومدينة ديابالي) خارج أراضي إقليم أزواد.من جهة أخرى، يمكن القول ان الجماعات الإسلامية قد تكون استعجلت الحرب، في وقت لم تُغلق فيه أبواب الحوار بعد، وبالتالي ضيعت فرصة للحل السلمي، كان يحظى بتأييد من بعض دول الجوار وفي مقدمتها الجزائر وموريتانيا، فضلاً عن الوسيط الافريقي بوركينافاسو؛ بل إن هذا التحرك السريع جنوباً وإعلان الحرب، قد تخسر بموجبه الحركات المسلحة مواقف بعض الدول التي كانت ترفض الحرب، وباتت اليوم مُشاركة فيها، أو على وشك المشاركة فيها، خصوصا الجزائر وموريتانيا. إذ بات الكثيرون ينظرون إلى تحرك المسلحين السلفيين جنوبا باعتباره عملا توسعيا عدوانيا مرفوضا ينبغي الوقوف في وجهه بحزم وصرامة.عودة لسياسة ‘ افريقيا ـ فرنسا’: وقد بررت فرنسا تدخلها بطلب الحكومة المالية مساعدتها في مواجهة المسلحين الإسلاميين، كما اتكأت على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2085 الصادر في 20 كانون الأول (ديسمبر)، الذي يسمح بإنشاء قوة دولية لدعم مالي في حربها لاستعادة الشمال، هذا فضلا عن مبررات أخرى من قبيل منع قيام كيان ‘سلفي إرهابي’ في المنطقة يشكل تهديدا للمنطقة والعالم بأسره. غير أن ثمة قراءة تعيد الأسباب الحقيقية للتدخل الفرنسي في مالي إلى حماية المصالح الفرنسية في المنطقة، ومحاولة تعزيز الوجود الفرنسي في منطقة تعتبر تقليديا مركز نفوذ لها بفعل سابقة الوجود الاستعماري، خصوصا أنها منطقة يتنبأ الخبراء بأنها قد تحمل في باطن أرضها ثروات نفطية وغازية ومعدنية كبيرة، وعلى مقربة من حقول النفط الجزائرية التي تشكل مطمعا كبيرا للفرنسيين، وأماكن التنقيب في موريتانيا ذات المؤشرات الإيجابية. كما تعتبر هذه الحرب أول انتكاسة حقيقية لتعهدات الرئيس الفرنسي الاشتراكي فرانسوا هولاند بانتهاء عصر ما يعرف بسياسية ‘افريقيا ـ فرنسا’ ، التي مثلت امتدادا للهيمنة الفرنسية على افريقيا، وهي السياسة التي قال هولاند، خلال زيارته للعاصمة السنغالية داكار في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، إن عصرها انتهي، مؤكداً أن العلاقة الفرنسية – الافريقية باتت تقوم على الشركة واستقلال كل طرف عن الآخر. الآن، يعود هولاند ويرسل قواته إلى مالي لشن حرب فيها، في ما يعتبر تجسيدا حيا لسياسة ‘افريقيا ـ فرنسا’ ذات البعد الاستعماري.ولأن الفرنسيين كانوا قد أعلنوا أن تدخلهم جاء لحماية العاصمة بامكو ومنعا لتكرار تجربة الصومال في مالي، فإنهم بدفعهم نحو حرب غير مضمونة العواقب، إنما يمهدون للخيار الصومالي في المنطقة؛ إذ من المعلوم أن السبب الرئيس خلف إطالة الأزمة الصومالية وتعقيدها، كان الإقدام على إرسال قوات افريقية غير مكتملة العدة والعتاد وغير مدربة بشكل جيد، إلى الصومال، ففشلت في حسم المعركة مع المسلحين، وأبقت على حالة الحرب قائمة حتى الآن. ويُخشى اليوم أن تتكرر التجربة الصومالية في مالي عبر إرسال قوات افريقية غير جاهزة لحسم المعركة مع الجماعات المسلحة، فتعلق في المستنقع الأزوادي كما علقت نظيرتها في المستنقع الصومالي، وهو احتمال وارد إذا ما أخذنا في الحسبان أن القوات الافريقية درجت على التدرب والقتال في الأدغال والغابات وعلى الشطآن والضفاف، ولا خبرة لها بالصحراء وتضاريسها، بخلاف الجماعات المسلحة التي أقامت في تلك الصحراء سنوات طويلة وخبرت وهادها وجبالها. وحتى لو حاول الفرنسيون مد يد الدعم المباشر لتلك القوات ومشاركتها الحرب أرضا، فإن تجربة القوات الأمريكية والغربية في أفغانستان قابلة لأن تتكرر في أزواد، وبالتالي فإن كل الاحتمالات تبقى مفتوحة باتجاه إغراق المنطقة في حرب قد لا تكون نهايتها قريبة. ومن المرجح أن يغادر المسلحون الإسلاميون المدن الكبرى نحو معاقلهم في سلسلة جبال تغرغارت بشمال أزواد، التي يطلقون عليها تسمية ‘تورا بورا المغرب الإسلامي’ لوعورتها، فضلا عن التحصن في غابات المنطقة، وصحاريها، وخوض حرب عصابات تستهدف استنزاف القوات الافريقية والفرنسية، وتعتمد على طول النفس، وحنكة المراوغة، والخبرة الميدانية. هذا، مع تسجيل ملاحظة أن حجم قوات الحركة الإسلامية المسلحة في أزواد وطبيعة تسليحها يزيد من تعقيد الأمور، فضلاً عن توغلها في المجتمع الأزوادي؛ إذ من المعلوم أن جماعة أنصار الدين تتألف أساسا من الطوارق، وجماعة التوحيد والجهاد في غرب افريقيا تتألف في غالبها الأعم من القبائل العربية في منطقة غاوا وشرق أزواد، وجماعة أنصار الشريعة تتألف من قبائل عرب تمبكتو والمناطق الأزوادية الغربية، بينما يسيطر الجزائريون والموريتانيون على تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، مع حضور قوي للمسلحين الأزواديين في التنظيم. كما أن هذه الحركات تستغل معاناة سكان أزواد، خصوصا من الطوارق والعرب، من الظلم والتهميش طيلة العقود الماضية، فضلا عن خوفهم من أن الحرب القادمة ستكون عرقية بطبيعة القوات المشاركة فيها من غرب افريقيا، وتجهيز فرنسا ودعمها لمليشيات ذات طابع عرقي من قومية السونغاي (مليشيات ‘الكوندو إيزو’ تتلقى حالياً التدريب والتسليح في معسكرات وسط مالي) للمشاركة في الحرب. ويخشى من أن تكرر هذه المليشيات تجربتها في التسعينيات، عندما سلحها الجيش المالي وأطلقها على الطوارق والعرب، فارتكبت عمليات إبادة واغتصاب وحرقت القرى واجتاحت المدن، وهو ما يرجح فرضية دفع حركتين غير إسلاميتين تنشطان في المنطقة إلى المشاركة في الحرب إذا دخلت القوات المالية إلى أزواد، وهما الحركة الوطنية لتحرير أزواد، والحركة العربية الأزوادية، وكلاهما تعادي الجماعات السلفية، لكنهما تتفقان معها في رفض عودة الجيش المالي إلى أزواد.رفض في بامكو للتدخل الأجنبي: ويضاف إلى كل هذا التعقيد وجود أكثر من رأس للسلطة في باماكو، بينما تتباين مواقف هذه الأطراف من التدخل الأجنبي. ففي الوقت، الذي يرحب فيه الرئيس الانتقالي اديوكندا اتراوري وحكومته بهذا التدخل، هناك من ينظر إلى القوات الافريقية والتدخل الأجنبي عموما في مالي، بعين الريبة والتوجس. ويتعلق الموقف الأخير بقائد الانقلابيين، النقيب أمدو سونغو، الذي ما زال صاحب النفوذ ألأكبر في باماكو، الذي أكد أكثر من مرة رفضه لوجود قوات أجنبية على الأراضي المالية. وينظر زعيم الانقلابيين، وهو الرئيس الحالي للجنة إصلاح وإعادة تأهيل الجيش، إلى القوات الأجنبية باعتبارها قوة دعم محتملة لشريكه في السلطة وغريمه السياسي، الرئيس المؤقت اديوكوندا اتراوري، الذي يعترف به المجتمع الدولي رئيسا شرعيا لمالي.هذا مع ضغط معنوي آخر تواجهه فرنسا، ويتعلق بمصير عدد من مواطنيها مازالوا محتجزين رهائن لدى الجماعات المسلحة، قد تقدم على تصفية بعضهم، وتحميل الرئيس الفرنسي مسؤولية ذلك، مستهدفة زيادة مستوى ضغط الشارع الفرنسي على هولاند، لحمله على التوقف عن مواصلة الحرب، وهو ضغط يحسب له حسابه في دوائر القرار الفرنسية. وباختصار، يمكن القول إن عقبات كثيرة تواجه التدخل الفرنسي في أزواد، المدفوع بحماية المصالح الفرنسية، لكنه تدخل يفتح على المنطقة وعلى الفرنسيين أبواب حرب لا تعرف نهايتها، ولا يبدو أن أحداً يمكنه تصور المدى الذي قد تذهب إليه.’ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديثqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية