ذكر أحد الأطباء المتدخلين في ندوة «آثار التدخين» بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة التدخين (31 مايو/أيار) أنّ ما يقارب المئة مليون عبر العالم يتوفون بسبب التدخين، وفي الجزائر يتوفى 1500 شخص سنويا، وهذا يعتبر ناقوس خطر مجتمعي، لأنّ التدخين السلبي tabagisme passif يؤثر تماما كما التدخين المباشر على الصحة العامة، وقد بيّنت إحدى المختصات في طب الأطفال كيف يؤثر التدخين على جلد الأطفال، باعتبارهم معرّضون لآثاره من خلال الآباء.
تبرير الموضوعة:
ما علاقة التدخين بالفلسفة؟
ما فتئ المهتمون يلحون على طرح الأسئلة في ما يتعلق بموضوع التدخين كمحاولة للوصول إلى حلول لهذا «المرض»، والفلسفة موضوعها الأساس هو طرح الأسئلة. هناك فيلسوف أمريكي هو ريتشارد رورتي، يحاول أن يستبدل الجانب التنظيري في الفلسفة بآخر سردي روائي، وبالتجربة التي ترويها الصحافة والإعلام عموما، لينقل عبر تقاريره مأساة البشر ليتم تلقيها بالتعاطف وليس التعقل وحده، كما يرى محمد جديدي، فالعواطف عنصر فاعل في الطبيعة الإنسانية، وفق تصوّر ديفيد هيوم، وما أكدته آنيت باير. ومن هذه الناحية تعتبر تجربة المدخّن قريبة من الرّواية والسرد، منها إلى التنظير والتقرير، وقد اقترح عليّ أحد الأصدقاء أثناء مكالمة هاتفية إلى اعتماد تجربته كنموذج لمدخّن لمدّة عشرين عاما، ثم أقلع عن التدخين، وهنا سوف نقف عند حكاية تروى.
التبرير الثاني: وهو المعالجة بالفلسفة، philotherapie وتعني أنّ المعالجة بالفلسفة تتجه للمهتمّين بطرح الأسئلة حول المعنى في الحياة بصفة عامّة، والمعنى في حياتهم الخاصة، فالمدخّن له علاقة بالمجتمع وبذاته، فهو يدرك تمام الإدراك حين طرحه للأسئلة على نفسه، بأنّ المجتمع يرفض التدخين، ثم لمّا يعود إلى نفسه ويطرح السؤال نفسه، يدرك تماما أنّ التدخين مضرّ بالصحة، ولكن الإشكالية أنّه يستمر فيه. وطرح هذا السؤال هو نوع من العلاج من وجهة نظر «الفيلوثرابي»، وفيها من هذا الجانب شيء من القاعدة الفقهية «لا ضرر ولا ضرار».
المستشفى كبنية ووظيفة:
المستشفى كمرفق عمومي يضطلع بتقديم خدمة للمواطن وهي، الفحص والعلاج، ويمكن وسمه بمحل إنتاج الحياة، لكن أيضا هو في بعض الحالات الطبية المحدودة محل لإنتاج الموت، لكن دوما في إطار تقديم العلاج، كمحاولة إنقاذ الأم من موت محقّق بإجهاض الجنين الحي، هذه المفارقة في الجمع بين الحياة والموت تؤكد أنّ الطبيب من جهة لا يمتلك القدرة المطلقة على العلاج، ومن جهة أخرى تؤكد هذه الحالات، في المجتمع التي يخفي فيها الإنسان رغبة في الموت، كالمدخّن تماما الذي يعلم أنّ التدخين مآله الإصابة بالسرطان والأمراض التنفسية، لكنّه يستمر في تعاطيه إلى آخر نفس، وهو ما يصفه علم النفس بالرغبة الخفية في الانتحار، إذن، هناك جانب نفسي وجانب فيزيولوجي في التدخين، يستدعيان إعادة النّظر في توصيف طبيعة التدخين، فهو مرض وليس مجرّد آفة.
أنا أفكر إذن أنا موجود:
يمثل ديكارت في الفلسفة الغربية بداية دخول أزمنة الحداثة، ومن ثم التفكير في الذات باعتبارها مركزا، أي إنّ العقل أصبح فاصلا في العملية الوجودية، وأصبح التفكير دالا على الوجود وعليه، وأعود إلى ريتشارد رورتي في استبداله الجانب التنظيري بآخر سردي روائي، وبالتجربة التي ترويها الصحافة والإعلام، كل ذاك لإقحام عامل المشاعر والوجدان في عملية معالجة القضايا الحياتية ومنها التدخين، فالعقل وحده لا يمكن أن يجد الحلول جميعها لكل القضايا، والتدخين حينما نخضعه للتأمل من الناحية الوجودية الفكرية أو من ناحية الأنا الوجودي والوجود الفكري، يمكن أن نرى المدخّن وهو على طاولة مقهى، وأول ما يفكر فيه فنجان قهوة وسيجارة، بمعنى أنّ العالم لديه يتوقف ليندمج كلية في لحظة المقهى والفنجان والسيجارة، ولهذا نراه يمعن في تأمّلٍ من نوع خاص وصورته هي أخذ الأنفاس الطويلة من الدخان ورشف جرعة من القهوة المعصورة café presseثم إرسال الدخان في الفراغ وتتبُّعه وهو يتلاشى، التلاشي للعالم الذي يستصغره أمام نشوة التدخين. هذا المستوى يمنح المدخّن الإحساس بنشوة الانفصال عن العالم والالتحاق باللاشيء الذي ينقذه من التفكير في تداعيات التدخين. أيضا هذا معناه التمركز حول الذات أو مستوى من مستويات تقديس الذات، لأنّ لحظته تلك هي لحظة انفصال عن العالم، واندماج في عالم الذات، وهذه اللحظة في الوقت ذاته التي نصفها فيه بالخطيرة، يمكن أن تكون جزءا من الحل، لأنّ معالم الانفصال واضحة وهي، المقهى والسيجارة، وبالتالي، تكمن معالم الاتصال بالعالم والواقع في الانفصال عن المقهى كفكرة، وعدم ربط السيجارة به، وهذا مستوى أول من فهم نفسية المدخن، باعتبار لحظة التدخين بالنسبة إليه لحظة تقديس للذات.
المدخن بين الإرادة والتفكير في التدخين:
يُعتبر التدخين ظاهرة من حيث الانتشار الواسع عبر العالم، وكما إنّ انتشاره يشكل خطورة على حياة الأفراد، فإنّه كذلك يشكل خطورة على حياة المجتمع. يبادر بعض المدمنين على التدخين بمحاولات الإقلاع، لأنّهم في أعماقهم يستشعرون خطر استهلاكه، وفي الوقت ذاته يدركون نفور المجتمع منهم، لأنّهم مصدر خطر، فالموجود بالقرب من المدخن يستهلك مثله ويتعرّض لنسبة الخطر مثله أيضا، من ناحية أخرى يستشعرون نفور المجتمع منهم كمصدر لرائحة كريهة، وفي أعماقهم تتشكل تلك الرّغبة الفطرية في استعادة الإنسان نظافته الرّوحية والجسدية. عند البعض من المقلعين تكون الإرادة غالبة، وعلامة ذلك الامتناع الفوري عن التدخين، والعزم على عدم العودة إليه عن طريق تقويض ما تبقى في علبة السجائر، وإلقائها في صندوق القمامة، وبالتالي، فالمدخن يؤكد لذاته قدرته على السيطرة على نفسه، وقد ينجح هؤلاء في إقلاعهم عن التدخين لأنّهم يرغبون في إنقاد انفسهم من الهلاك، وثانيا إبراز إرادتهم القوية في التغلب على أنفسهم أمام المجتمع، الذي ينظر إليهم على أنهم ضعيفو الإرادة أمام خطر محدق في ما يمارسونه من عادة مهلكة، والإلقاء بعلبة السّجائر في سلّة القاذورات معناه التخلص من الرائحة الكريهة وإعادتها إلى مصدرها الطبيعي.
البعض الآخر من المقلعين، هم أولئك الذين يفكرون في التدخين لحظة العزم على الإقلاع، بقولهم هذه آخر سيجارة سأتناولها ثم بعدها لا أدخن، وينسون أنّ عنصر التعلق بالتدخين، ما زال قائما فيهم، وما دام أنّهم لم يتخلصوا منه بإرادة قوية في وضعه بعيدا عنهم كما حالة المقلعين ذوي الإرادة في رميهم للعلبة في صندوق القمامة كرمز لتحقير الفعل وللانفصال عنه بصورة قطعية. عادة إنّ المقلعين الذين يفكرون في التدخين بعيدا عن الإرادة يفشلون في الإقلاع عنه.
العزلة كمرحلة من مراحل العلاج:
توحي ظاهرة الأماكن المخصّصة للمدخنين وغيرها لغير المدخنين في فضاءات المقاهي على نوع من الهجر المجتمعي للمدخن، ومعنى ذاك أنّ صاحب المقهى باعتباره فردا من المجتمع، يدرك تماما أنّ المقهى بغير تدخين هو الأصل، لهذا يعزل المدخن عن غيره، ولكن لنتساءل عن هذا العزل أو الهجر بمفهوم صوفي للمدخن، ألا يختزن في عمقه بعض بوادر الحل والإقلاع عن التدخين؟ يشعر كل مدمن وليس المدخن فقط في مرحلة من مراحل حياته بأنه تائه لا يدري ما المخرج من أزمته، فيلجأ إلى الوحشة الاجتماعية solitude sociale وأثناءها، إما ينقد ذاته أو يغرق في ما هو فيه. ومن معالم النجاح في استثمار العزلة أنه يعتبر نفسه مصطفى من قبل ذاته لمواجهتها بما تكره، أي كفّها عن الإغراق في لذة ما لا تحمد عقباه، إذن، الاصطفاء أول المراحل، ثم يشتغل في العزلة أو الخلوة بمفهوم صوفي بالتعلق بالله، لأنّه يستشعر ضعفه فيطلب منه القوة، ويستشعر وحشته فيطلب منه الأنس ويستشعر لذة التجلي (وضع ما بعد الإقلاع عن التدخين) فيطلب مزيدا من التخلي (عن التدخين). ولتأكيد هذه الظاهرة نجد في رواية باتريك زوسكيند «العطر» تجربة غرنوي في العزلة، حتى بدأ يفقد حواسه الواحدة بعد الأخرى حتى الحاسة التي يعتمد عليها كثيرا وهي الشم، هذا الفقد أدخله في تجربة جديدة واكتشاف مستوى آخر من حياته. هذه المرحلة يسميها نجيب محفوظ بالخلاء في روايته «الحرافيش»، فعاشور الناجي اعتزل الناس ليكتشف ذاته. في كثير من الأحيان تكون هذه العزلة أو الهجر أو الخلاء، فرصة للتعرف على ذواتنا من جديد، لذلك هي عند الصوفي مرحلة مهمة في التخلي والتحلي ثم التجلي، وفيها يشعر الصوفي بالانتماء إلى ذاته في علاقتها مع المحبوب أي الله، ولهذا هي مهمة بالنسبة للمدخن، لكن خطر الانتماء إلى الذات ينطوي على نرجسية، أو إغراق في تقديس الذات وبالتالي الانفتاح على عوالمها الشهوية الشّرهة.
كاتب جزائري