كثير ما يشغلني سؤال عن التراث الشعبي، وكيف ظهر ولماذا. مهما وجدت من إجابات فالحقيقة الوحيدة أنه ابن الخيال، أكثر مما هو ابن الحقيقة، رغم أن فيه بعض الحقائق، ويحمل أسماء لبعض أبطال قصصه، التي وضعت أقدامها يوما في التاريخ.
تتميز حكايات التراث الشعبي بأن مؤلفها مجهول، وفي أكثر الأحيان لها مؤلفون كثيرون. لقد انتقلت إلينا عن طريق الرواة الذين يمشون في الآفاق، لا يكتبون ما يقولون على ورق. حتى الحكايات الأسطورية في كثير من بلاد العالم، التي سجلتها المعابد والقصور، لا تعرف من هو مؤلفها. في مصر لا نعرف من هو كاتب ومؤلف كل حكايات الآلهة القديمة. في اليونان حملت الإلياذة والأوديسا لهوميروس الكثير من، إن لم يكن كل، الأساطير اليونانية، لكن من كتب أو لمن يُنسب القول الأول للأساطير؟ لا أحد يعرف. لقد صارت متداولة بين الناس ووجدها هوميروس. في عالمنا العربي من أشهر القصص هي رحلة الهلالية من الجزيرة العربية إلى مصر، وعلي رأسها سيرة أبو زيد الهلالي. كتبت يوما ما في كتاب لكنها ظلت مئات السنين تُروي، والراوي يُزيد أو يُنقص فيها حسب سامعيه من الجمهور، فإذا وجدهم «مبسوطين» من الزناتي خليفة قائد الجيوش التونسية، يزيد في حكيه عن الزناتي، والعكس مع أبو زيد، أو أي شخصية أخري مثل عزيزة التونسية أو يونس الهلالي.
حين تقرأ السيرة في كتاب تجد أن الهلاليين الذين وفدوا على مصر من الجزيرة العربية ذهبوا إلى العراق أولا، والعراق ليس في الطريق إلى مصر، وتندهش، لكن هكذا الراوي، والمكتوب هو ما رُويَ، أو وما وصل إلينا مما رُوي. عدد رائع من الأساتذة المصريين أخلصوا في الكتابة وجمع التراث منهم، أحمد مرسي وأسعد نديم وصفوت كمال وعبد الحميد حواس ومحمد عمران وسميح شعلان وغيرهم، وقبلهم المعلم والأستاذ في التراث الشعبي عبد الحميد يونس، ومؤلفاته الرائدة في هذا المجال وصاحب «معجم الفولكلور».
التراث الشعبي هو نتاج الروح الإنسانية في وحدتها، أو رحلاتها الغريبة، أو تأملها في الكون، يريح به الإنسان نفسه، ويحقق فيه من الانتصارات ما لم يعطه العالم حوله من فرصة لذلك. حين تجد نفسك في الصحراء مثلا، وبين البدو وتنظر إلى الطيور في السماء وتسمع زقزقاتها وأصداحها، تجدهم يقولون لك إنها تتحدث. فالنسر يقول لك «يابن آدم عش ما شئت فإنك ميت»، أما الطاووس فهو يمشي أمامك نافخا ريشه، لا يتباهي لكنه يقول لك «احترس فكما تدين تُدان». أما الهدهد الجميل فحين يزقزق يقول «من لا يَرحم لا يُرحم»، ويقول للمغترّ «كل حي ميت وكل جديد بالٍ»، أما العُقاب فيقول لك «البعد عن الناس راحة»، وفي الفجر يدندن الكروان «المُلك لك المُلك لك» وطبعا أنت لا تسمع ذلك، لكنها الصحراء المغرية بالنهب والقتل، فلا بد أن تحذر الطيور من يمر بها، أو يعيش فيها، وتعيده إلى حقيقة الوجود فالكل زائل. وهكذا تستطيع أن تمشي مع الأمثلة في كل مكان، ريفا أو غابات أو أنهارا، فالروح الإنسانية تخلق معادلا موضوعيا لغرائب الحياة وقسوتها. في حياتي تأثرت كثيرا جدا، ومن ثم في كتاباتي بعناصر شعبية لا يمكن إحصاؤها.
لم يفارقني الإحساس أبدا في كل ما سمعت أو رأيت من مظاهر الفولكلور، إن الإنسان أقوي مما حوله، حتي لو هجره إلى الغرائب، فذلك حتي يستمر فيه ولا يميته الظالمون. هي انتصارات تبدو وهمية لكنها تعطي صاحبها العمــــر والأمل.
الغناء والأداء في الحضرات والموالد، وحكايات على لسان عازف الربابة، وحكايات الغرباء وغيرها كثير. لقد شاءت الظروف أني ولدت في حي كرموز، وهو أحد الأحياء العتيقة في الإسكندرية، وجنوب الحي كانت ترعة المحمودية. كان النقل النهري مزدهرا. كنا نلعب الكرة وغيرها من ألعاب الأطفال على شاطئ الترعة، ونجلس أحيانا حول المراكبية حين تكون المراكب متوقفة لإنزال أو حمل البضائع، يحكون لنا حكاياتهم مع الطريق من أسوان إلى الإسكندرية، وحكايات عروس النيل وحكايات اللصوص وغيرها. كما أني منذ سن مبكرة جدا، عرفت الكثير عن أولياء الله، فقبلي مات أخوة لي، ولذلك كما عرفت في طفولتي قرر أبي أن يسميني على اسم أحد الأولياء. أنا من مواليد ديسمبر/كانون الأول، والجو شتاء وهواء. أحضر أبي ثلاث شمعات وأطلق على كل واحدة اسما.. إبراهيم على اسم سيدي إبراهيم الدسوقي، ومرسي على اسم المرسي أبو العباس، وسيد على اسم السيد البدوي، ووضعها في النافذة في الهواء فانطفأت شمعتان، وبقيت التي تحمل اسم إبراهيم مشتعلة، فسماني على اسم سيدي إبراهيم الدسوقي. كان يأخذنا كل عام إلى مولد سيدي إبراهيم وأنا طفل، تبركا به حتى توقف عن العادة وكبرت أنا. ظل طول عمره مرتاحا أنه فعل ذلك. تدينه البسيط الجميل جعله على يقين من أن ما فعله هو سبب استمراري في الحياة.
هذه الحكاية جعلتني حريصا على حضور موالد كثيرة لأولياء في الإسكندرية وحتي طنطا، كنت أزور مولد السيد البدوي. كان أبي أيضا محبا للقرآن يحكي لنا قصص الأنبياء ونحن حوله أطفال، فتبدو لنا حكايات فولكلورية أكثر مما هي حقيقية، يرتاح الإنسان بالإيمان بها فليس فيها غاصب انتصر. مع الوقت أصبحت مغرما بالقراءة في الفنون الشعبية، وشاء الله في العمل أن أختم حياتي مديرا لمشروع أطلس الفولكلور في الثقافة الجماهيرية، قبل أن أحال إلى التقاعد. كانت صدفة جميلة جدا. طبيعي أن تتسلل مشاهداتي التي لا تحصى وقراءاتي الكثيرة جدا إلى رواياتي. تسربت مثلا بحضور كبير إلى «لا أحد ينام في الإسكندرية» سواء في الحديث عن السفن وهي تبحر في ترعة المحمودية، أو عن الموالد الإسلامية ومولد ماري جرجس أيضا، الذي كنت أحضره كثيرا في الكنيسة القريبة في حي غيط العنب مع أصحابي. ومشاهد أخرى في الصحراء، وأغاني واعتقادات البدو على لسان شخصيات الرواية. قبلها فعلت ذلك في رواية «المسافات» التي قامت كلها على أساطير شعبية، أضفت إليها أساطير من خيالي. في رواية «المسافات» حكايات من التراث مبعثرة مع الشخصيات، وحكاية لا أصل لها في التراث تصور الطفل «علي» وهو يقف في الخلاء بين قضبان السكة الحديد، فيرى هدهدا يقذفه بحجر، فيطير الهدهد ويقف بعيدا. يقذفه من جديد فيطير الهدهد أبعد فيتمني «علي» أن يقذف حجرا لا يسقط. بالفعل يقذف الحجر فيطير في الفضاء ولا يسقط، ويمر على البلاد والقرى فتخرج الناس تحتفل بمرور «حجر علي»، وتمر السنون طويلة وهم يحتفلون بمروره كلما مرّ عليهم، ويعود الحجر ليسقط أمام «علي» الذي صار عجوزا في مكانه.. ينحني يمسك بالحجر فيعود طفلا.
وهكذا فتحت لي الحكايات الشعبية الخيال قبل أن نعرف أي شيء عن عجائبية ماركيز وكتاباته. ظهرت أيضا هذه الفنون في رواية «الصياد واليمام» و»ليلة العشق والدم» و»بيت الياسمين» وفيها كلها أضفت أنا من خيالي أساطير وحكايات. بعد ذلك استمر الأمر معي في رواية «طيور العنبر» وغيرها. باختصار الحكايات والمواويل الشعبية تسللت إلى رواياتي بحكم مكان وزمان الرواية، وطبيعة شخصياتها ونقلتني مبكرا إلى الرواية العجائبية – رواية «المسافات» مثلا منشورة عام 1981- مما جعلني أيضا أضيف إليها خيالا وحكايات من عندي، والأمثلة كثيرة جدا في أعمالي وليس عملي أن أقف عندها وأتحدث كيف وظفتها في بناء الرواية. وهكذا الحديث طويل.
لم يفارقني الإحساس أبدا في كل ما سمعت أو رأيت من مظاهر الفولكلور، إن الإنسان أقوي مما حوله، حتي لو هجره إلى الغرائب، فذلك حتي يستمر فيه ولا يميته الظالمون. هي انتصارات تبدو وهمية لكنها تعطي صاحبها العمــــر والأمل. نحن نسعد بهذه القصص، بعد أن صارت كتبا في أيدينا، أو سمعناها في الموالد والاحتفالات، لكن السعادة كلها عند من يرددونها فهم رغم حالهم البسيط سعداء في هذا العالم التعيس.
٭ روائي مصري