“التراث العربي”… في الجليل متحف لاستعادة الروح

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ “القدس العربي”: “من ليس له ماض لا مستقبل له”، يقول شيخ فلسطيني لتعليل دأبه غير المتوقف   بحثا عن الموجودات التراثية ولتحويل منزله لمتحف للتراث العربي لمواجهة العدمية والتمغرب والعولمة. ويوضح سعيد نبواني (66) أنه ورث بيته من عمه زيد نبواني أبو صالح فور وفاته عام 1996 وما لبث أن حوله إلى متحف للتراث الشعبي العربي الذي يؤمه الطلاب والزائرون يوميا. الراحل أبو صالح الذي توفي عن 90 عاما ولم يرزق بولد عمل نجارا وحائكا للطرابيش ومنشدا للخلوة الدرزية ولم يحلق ذقنه في حياته لشدة ورعه، وسارع أبناء أخيه لتخليد ذكراه بتحويل بيته لمزار ومتحف.

نبواني المتحدث عن قريبه بحنين واحترام وخشوع ينوه أن والده وعمه أبو صالح الراحلين كانا يتيمين فيما تولى الثاني مسؤولية تربية الأول وأولاده أيضا. ورغم وقوع المتحف في قرية ساجور في الجليل داخل أراضي 48 مقر القيادة الروحية  للطائفة الدرزية لكنه مستودع لكل التراث الشعبي العربي في بلاد الشام بعدما كان معدا للتعريف ببني معروف.

“القدس العربي” زارت متحف التراث العربي وتجولت بين أقسامه الذي يشمل اليوم نحو ثلاثة آلاف قطعة تراثية  تم تجميعها من داخل فلسطين والبلدان المجاورة بمجهود شخصي طيلة 20 عاما. نبواني الذي يعمل بمفرده وعلى نفقته في أحيان كثيرة يستقبل ضيوفه بحفاوة ويقدم شروحاته بلباقة وبعرض سردي جذاب ولا يخفي إيمانه كالكثير من الدروز بتناسخ الأرواح ويشير لوجود 30 حالة في ساجور وحدها منها طالب في الصف العاشر يتحدث الإنجليزية منذ كان بسن الرابعة وتبين أنه في دورته الأولى كان جنديا أمريكيا وهو اليوم (16 عاما) يتعلم الطيران في معهد العلوم التطبيقية في حيفا.

رمز الضيافة

وتعرض محتويات المتحف التراثي في عدة صالات داخل بيت ريفي قديم بعدما وزعت حسب مجالات الحياة المختلفة كأدوات الزراعة، أدوات الصيد، النجارة، الكيل والميزان وهناك نماذج مختلفة لموازين “الشقلة”، “الكفتين” وغيرها.. ولأدوات الميزان من الرطل حتى الوقية. وتحظى  القهوة، رمز الضيافة العربية، بجناح واسع يزدحم بأدوات إعدادها من  “المحمص” حتى “المهباج” و”البراد”.. وكي لا يغار الشاي من القهوة فقد اهتم بتخصيص ركن خاص له بكل مكوناته وطقوس احتسائه. كما يطلع الزائر على الصيدلية التراثية حيث تعرض أنواع مختلفة من المواد والنباتات التي استخدمت دواء. وتجد في المتحف التراثي أدوات لا تخطر على البال اليوم كـ “الحوامة” وهي أداة معدنية متعددة الرؤوس لانتشال كل ما كان يقع في البئر من أغراض. ومن الأدوات النادرة الـ “كارتا” وهي أداة يستخدمها المرء لتيسير انتعال حذائه في الفترة العثمانية وحتى هنا هناك أداة لعامة الشعب ممن استطاعوا اقتناء حذاء وأخرى للباكاوات وهي طويلة مربوطة بعصا كي ينتعل الباشا الحذاء دون أن ينحني. وهناك ركن خاص بالأغذية الفلسطينية الأصلية وبأواني حفظها كخوابي زيت الزيتون وأواني فخارية وزجاجية ومعدنية لتأمين البقول والحبوب على أنواعها إضافة للأواني الحجرية الخاصة بتهريس اللحوم المطلوبة لإعداد طعام “الكبة” الشهية واسعة الانتشار في منطقة الجليل (الهاون).

ثياب العروس

 وبجوار ركن للصناعات اليدوية التي تتسم بمسحة جمالية فنية كالسلال والأطباق المصنوعة من القش وبعضها من ريش النيص هناك جناح كامل للأزياء الرجالية والنسائية بمختلف الأنواع ومناديل وأثواب وأغراض العرائس. من ثياب العروس المعروضة “الدراعة” وهو فستان سوري الصنع، وفساتين خضراء معدة من المخمل والتي كانت تستورد من لبنان والزنانير المصنوعة من الصوف والحرير وغيرها. وللأم والطفل قسم كبير في المتحف يستعيد تربية وعناية الأمهات لأطفالهم في الماضي حيث كانت تهز سريره برجلها المربوطة به بواسطة قطعة قماش تدعى ” المقمطة” وهي تقوم بواجباتها البيتية في الوقت نفسه، وتظهر كما في أجنحة أخرى مشاركة المرأة الرجل في تحمل أعباء الحياة وتوفير احتياجات الأسرة. ويزخر قسم النساء بكل أدوات التجميل و”الميك أب” الفولكلوري من المكحلة حتى المقززة وهناك “جهاز عروس” كامل أهدته واحدة من السيدات للمتحف وفيه كافة أنواع المناديل يديوية الصنع. وهناك فستان من جبل العرب في سوريا لسيدة جاءت من هناك وتزوجت في الجليل. وتعرض أنماط الثياب النسائية من العجمية حتى الزنار. وبجوار قسم النساء زاوية الوقاية من صيبة العين وزاوية لمعالجة الطفل بالريحان والفيجن.

محراث وسراج

وأفرد نبواني زاوية خاصة بوالده وبأدوات عمله كحّجار استخدم “النخل” والدبورة والمطرقة وغيرها من الأدوات التي لولاها لما تيسرت عمليات صنع حجارة البناء من مقالع البلاد. بطبيعة الحال يحتوي متحف التراث على كمية كبيرة من أدوات الزراعة كالشاعوب، المذراة، الخازوق والمحاريث الخشبية بكل مركباتها: كابوسي، ناطح، يابور وقنطرة الخ. وتصان نبتة القمح في ركن خاص فهي أساس الحياة ومن حولها أدوات زراعة القمح وحصاده وفصل الحب عن الزيوان.. كلوح الدراس على أنواعه. وتزدحم زاوية الضوء والإنارة بكل أشكال المصابيح الزيتية والأسرجة والقناديل. ومقابل زاوية للحرب تعرض فيها السيوف والخناجر هناك ركن للأدوات الموسيقية من الربابة حتى العود. وبالفعل يجد الزائر أدوات متنوعة لم تعد متداولة لكن العرب خاصة سكان الأرياف ابتكروها لقضاء حاجاتهم ويحفظ صاحب المتحف ومديره سعيد نبواني أسماء هذه الآليات الفولكلورية النادرة. وحتى المحراث يحظى كل جزء منه بتعريفه: الكابوسي، يابور، ناطح والقنطرة الخ مثلما يحظى سكافي البلدة، أبو خليل من أبو سنان، بزاوية خاصة تظهر كيف كانت تتم صناعة الأحذية وتصليحها بأدوات يدوية.

أسطورة البقاء

نبواني الذي عمل موظفا في دائرة الأنفس وحائز على شهادة الماجستير في الحضارة الإسلامية وعلم النفس التربوي يمارس هواية حفظ التراث العربي- الإسلامي منذ أربعة عقود ويشير إلى أن العرب الدروز جزء منه. يلف جنبات المتحف ويشرح للزائر حول محتوياته ويتوقف عند التفاصيل التي تكتمل في فسيفساء روائي جامع ويشّدد على أهمية الرواية الشفوية في حفظ التراث والتاريخ وبناء الهوية خاصة لدى الأجيال الناشئة. وردا على سؤال يؤكد نبواني أن ما يحركه رغم الأعباء الثقيلة الحفاظ على الجذور ونقل التراث للأجيال الشابة والقادمة والتي تواجه مخاطر العولمة والعدمية القومية والانبهار بقشور الحضارة الغربية، ويتابع “أسعى للمساهمة في المتحف في إعادة الروح لجيل الشباب الذي لا يطلع كفاية على أسطورة بقاء الأجداد ممن كافحوا وكدّوا للمحافظة على الأرض والبيت والهوية”.

متحف اللوفر

ويبدي نبواني قلقه من مواجهة الجيل الحالي تأثيرات سلبية أصلها في الغرب ويقول إن الشباب اليوم باتوا يستهجنون قول “بسم الله الرحمن الرحيم” قبل تناولهم الطعام بل يلقون بنعمة الله دون اعتبار بعدما كنا نلتقط كسرة خبز عن الأرض ونقبلها ونضعها على رؤوسنا شاكرين الله على نعمته”. ويشكو انهيار المنظومة القيمّية ولهث الجيل الصاعد وراء مغريات الحياة المادية دون البحث عن الروح وعن المعاني العميقة للحياة حتى “بتنا نعوم على شبر ماء” لافتا لحيوية ربط الحاضر والمستقبل بالماضي. ويوضح أنه رفض عرضا من متحف لوكسمبورغ لاقتناء أثريات من متحفه ويقول إنه لن يفرّط بمحتوياته مهما علت الأثمان و”بالنسبة لي متحفي أهم من اللوفر”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية