أعترف بأنني كنت مخطئا بعدما كتبت بعد الانقلاب مباشرة أن الانقلاب سوف يجعلنا نترحم على أيام مبارك فالواقع أن الانقلاب تجاوز كل الحدود والمسلمات، وتخطى كل جرائم النظم الاستبدادية السابقة ليس فقط بما ارتكبه من مذابح، وعلى رأسها مذبحة فض رابعة، والتي لم تشهد مصر لها مثيلا طوال تاريخها الحديث على أقل تقدير ولكن أيضا بالانقضاض على كل القيم والتقاليد، وعلى رأسها معاني النخوة والمروءة التي ستصبح على يديه – إذا استمرت ممارساته – أثرا بعد عين لامكان لها إلا كتب التاريخ ومعاجم اللغة بعد أن أصبح من الأمور الاعتيادية لسلطات الانقلاب الاعتداء على النساء بدنيا والتحرش بهن لفظيا وفعليا بل وصل الأمر الى حد الاغتصاب بعد أن تم توثيق العديد من الحالات.
وهي ممارسات كان أقل القليل منها في السابق كفيلا بإثارة الغضب والاستياء بينما الآن تلزم معظم منظمات حقوق الإنسان وحقوق المرأة سواء الحكومية أو غير الحكومية، ووسائل الإعلام صمت القبور في الوقت الذي تحرك فيه الجميع وأقاموا الدنيا على حالات التحرش التي حدثت في التحرير، وهي ممارسات مدانة في كل الأحوال.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل أصبحت إدانة الانتهاكات ضد النساء تتوقف على انتمائهن؟ وهل أصبحت النساء المناهضات للانقلاب مباحات لا حقوق لهن وسط حملات النفي والتبرير والتماس الأعذار والتواطؤ بالصمت ممن أقاموا الدنيا ولم يقعدوها أمام ممارسات لا تكاد تذكر أمام مايحدث الآن من انتهاكات بحق معارضات الانقلاب؟
إن هذه الممارسات تجعلنا نترحم على بعض أخلاقيات الجاهلية الأولى فهؤلاء أئمة الكفر من قريش يرفضون أن يقتحموا بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ليلا أثناء حصارهم له بناء على اقتراح البعض قائلين «والله إنها لسُبة في العرب أن يتُحدثَ عنا أنْ تسورنا الحيطان على بنات العمِّ، وهتكنا سترَ حرمتنا».
وحتى عندما توجه أبو جهل فرعون هذه الأمة إلى بيت أبي بكر للبحث عن الرسول وأخذته الحمية ولطم السيدة أسماء على وجهها لطمة قوية أطارت قرطها، شعر بالخزي والعار وطلب ممن معه أن يكتموا ماحدث حتى لا تعيره العرب أنه اعتدى على إحدى النساء.
وهذا عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وهو في الجاهلية قبل أن يهديه الله إلى نور الإسلام يقوم بتوصيل السيدة أم سلمة وغلامها الصغير إلى زوجها بالمدينة قاطعا بها الصحارى والفيافي مسافة ما يقرب من خمسمئة كيلو متر لمدة عشرة أيام دون أن يمتد طرفه إليها في أروع نماذج العفة والمروءة.
وتروي السيدة أم سلمة وقائع هجرتها إلى المدينة وموقف عثمان بن طلحة منها بعد أن خرجت بمفردها وغلامها لتلحق بزوجها في المدينة فتقول رضي الله عنها: «قالت: فارتحلتُ بعيري، ثم أخذتُ ابني فوضعته في حجري، ثم خرجتُ أريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معي أحد من خلق الله. قالت: فقلتُ: أتبلَّغ بمن لقيتُ حتى أقدَم على زوجي. حتى إذا كنتُ بالتنعيم لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال لي إلى أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: فقلتُ: أريد زوجي بالمدينة. قال: أَوَمَا معكِ أحد؟ قالت: فقلتُ: لا والله إلاَّ الله وبُنَيَّ هذا.
قال: والله مالك مِن مترك. فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قطُّ، أرى أنه كان أكرم منه كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأْخَر عنِّي، حتى إذا نزلتُ استأخر ببعيري، فحطَّ عنه، ثم قيَّده في الشجرة، ثم تنحَّى وقال: اركبي. فإذا ركبتُ واستويتُ على بعيري؛ أتى فأخذ بخطامه فقاده حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلمَّا نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقُبَاء، قال: زوجك في هذه القرية – وكان أبو سلمة بها نازلاً- فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعًا إلى مكة. فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبًا قطُّ كان أكرم من عثمان بن طلحة».
د .صفوت حسين