الترفوقراسيا هي سر غيابهم عن القمة
د. عبدالوهاب الافندي الترفوقراسيا هي سر غيابهم عن القمة(1)ثارت تكهنات لا حصر لها حول الغياب شبه الجماعي للحكام العرب عن القمة العربية التي انعقدت في الخرطوم الشهر الماضي، والحضور الهزيل لمن حضر، والانصراف المتعجل لمعظم الحضور، الذين حضروا علي ما يبدو مكرهين لمجرد رفع العتب .(2)معظم التكهنات اعتبرت هذا السلوك استخفافاً محموداً بمؤسسة القمة نفسها، وهو أمر يشكر عليه الزعماء ويعتبر من باب فضيلة الاعتراف بالحق، لأن مؤسسة القمة ما هي إلا مجموع مساهمات هؤلاء الزعماء، وهي مساهمات لا تستحق مجرد شد الرحال من مساكن الزعماء المترفة إلي مكاتبهم الفارهة، فضلاً عن أن تستحق شد الرحال إلي أصقاع نائية مثل العاصمة السودانية التي تقع في مجاهل افريقيا النائية. فلا أحد يلوم أي شخص يعتقد أن الاستماع إلي الخطب الجوفاء والمملة والمكررة لرجال لا يحسن معظمهم القراءة والكتابة أمر يستحق التضحية بالاسترخاء أمام قناة إم تي في .(3)كثيرون رأوا في الغياب استخفافاً بالبلد المضيف، كدولة وكشعب وحكومة. وهذا أيضاً ظن لم يبعد كثيراً عن الحقيقة. فكثير من العرب ما زال لا يعتقد بعروبة السودان وأهله، ومعظمهم يستنكف من فقر السودانيين، وكلهم يخافون التقرب من بلد مغضوب عليه من إلهتهم أمريكا، العزي التي يصلون باتجاه بيتها الأبيض صباح مساء.(4)هناك من حسن الظن بالزعماء ورأي أنهم اتخذوا قرارات الغياب لأسباب سياسية، إما لخلاف مع حكومة الخرطوم، أو لبغض لزعماء آخرين لا يودون لقاءهم. وهناك من ربط الغياب بمخاوف أمنية، هذا بالرغم من أن الخرطوم تكاد تكون أكثر العواصم العربية أمناً، وهي العاصمة العربية الوحيدة التي يتجول فيها الزعماء بحرية وفي معظم الأحيان بدون حراسة، رغم ما ارتكبه بعضهم من كبائر. وهي تخلو تماماً من الإرهاب إلا ما صدره إليها عرب آخرون علي فترات متقطعة، مثل عمليات أيلول الأسود عام 1973، وعمليات أبونضال عام 1986.(5)ولكن كل هذه التكهنات، رغم ما فيها من صواب جزئي، لم تصب السبب الحقيقي للغياب شبه الجماعي للقادة العرب عن قمة الخرطوم، وهو سبب في غاية البساطة ولا علاقة له بالسياسة ولا بالأمن ولا بعلاقات العرب ببعضهم البعض. السبب هو أن الخرطوم عاصمة فقيرة لا تملك ـ علي الرغم من دخولها العصر النفطي وظهور بعض مساوئه علي حياتها ـ الفنادق الفخمة والقصور الفارهة التي تعود الزعماء العرب علي الإقامة فيها، ولم يعودوا يطيقون ما هو دونها. فإذا كانت هناك وحدة عربية فإنها تتجلي في شيئين: استبداد الحكام وحياة الترف الأسطورية التي تعودوا عليها.(6)معظم الحكام العرب يملكون عدة قصور فخمة كاملة التجهيز، ليس فقط في عواصمهم ومعظم المدن المهمة في بلدانهم، بل أيضاً في العواصم الغربية الرئيسية، والمنتجعات المقصودة مثل ماربيا ومونت كارلو، وغيرها. أحد الحكام العرب أثار مرة سخرية واستهجان الصحافة البريطانية حين قدم إلي لندن في زيارة رسمية فأصر أن يصطحب في طائرته الخاصة سريره الشخصي، ويشحن طائرة أخري بمئتين من المرافقين بمن فيهم ثلة من الطباخين. فالرجل لم يكن يطيق النوم إلا في سرير معد خصيصاً، ولا يأكل إلا طعاماً يعد بمواصفات معينة. وقد زاد استهجان الصحافة حين تكرر تأخر الحاكم عن مواعيده الرسمية. وكان قبل ذلك قد جعل ملكة بريطانيا تنتظر أكثر من ثلاث ساعات حين لبت دعوته للغداء في خيمة أقامها علي شرفها في قلب الصحراء أثناء زيارتها لبلده، وذلك لأن سيادته كان نائماً ولم يكن أي من مساعديه يجرؤ علي إيقاظه من النوم!(7)يمكن أن يطلق علي نظام الاستبداد العربي القائم حكم الترفوقراسيا ، لأنه حكم المترفين للفقراء من أجل المترفين وعلي حساب كل الآخرين. ومثل هذا الحكم هو أقصر طريق لهلاك الأمم، كما جاء في القرآن: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً . وعلي كل من يؤمن بأن القرآن كتاب منزل من عندالله ولا يستطيع تغيير هذا الحال أن يسارع بالهجرة من هذه البقاع المنكوبة إلي أبعد مكان ممكن قبل أن تنزل الكارثة الموعودة، هذا إذا لم تكن قد نزلت فعلاً.9