التعيينات الجديدة التي قام بها رئيس الاركان، والتي تشمل قادة الفرق التي قاتلت في الحرب الأخيرة في لبنان، قوبلت بعداء واضح من قبل الصحف والاعلام والعديد من السياسيين. وادعاء الجميع بأن الحديث يدور عن قادة كانوا قد فشلوا، لذلك يجب إبعادهم وليس اعطاءهم وظائف قيادية جديدة.
مثل هذا الادعاء يرتكز كما هو واضح، علي أن الجيش الاسرائيلي فشل في هذه الحرب الأخيرة. في السياق سوف نتعرض لمثل هذا الادعاء ونناقشه. أما من ناحية سياسة التعيينات، يمكن القول بأن عدم الصبر وتحمل الأخطاء يمكن أن يؤدي الي مثل هذه النتائج الخطيرة. فانسان يعمل في اطار معين لا يستطيع الامتناع عن ارتكاب الأخطاء، لان من لا يعمل لا يخطيء. ومن هنا، فان سياسة الـ قطع الرؤوس سوف تتسبب بايجاد جيل من الضباط لا يستطيع القيام بأي عمل، ولن يتحمل أية مخاطر، ولن يتجرأ علي التجديد. أي بمعني آخر، لن يتجرأ علي القيام بأي تحديات يرتكز عليها أمن الدولة، وهذا يعتبر خطرا أمنيا.
يُعلمنا التاريخ ان هناك عسكريين معروفين ومشهورين، لم تتراجع المدائح التي تُكال اليهم حتي الآن رغم انهم كانوا مسؤولين عن أخطاء وحالات فشل كبيرة. وعلي سبيل المثال، فان تشرتشل، الذي بادر في الحرب العالمية الاولي الي القيام بعملية غليبولي، التي نال فيها الجيش البريطاني خسارة كبيرة وجيشه تحمل خسائر كبيرة علي الارض التركية، فمثل تلك المعركة التي انتهت بكارثة عسكرية كبيرة تحملها البريطانيون لم ينجم عنها المطالبة بالتحقيق، ولجنة تحقيق اسرائيلية كانت ستقطع رأس تشرتشل وتُبعده عن دوره ووظيفته الأمنية. ولكن مع ذلك، فان نشوب الحرب العالمية الثانية دفع تشرتشل الي ان يكون في مقدمة المسؤولين العسكريين هناك، وبالفعل كان الرجل العسكري الاول والأعلي في بريطانيا، بل والاسطوري في الحرب العالمية الثانية، والباقي كله تاريخ معروف. علي اعتقاد ان قادة الفرق التي قاتلت في لبنان، ارتكبوا أخطاء ليست نابعة من الاهمال، وان الحديث ايضا عن اشخاص مؤهلين وقادرين، فان رئيس الاركان يكون قد صدق عندما لم يخضع للضغوط الاعلامية وقام بتعيينهم في وظائف جديدة. العميد موشيه تشيكو تامير، كتب في كتابه المعروف حرب دون إنذار، الذي يصف الحرب في لبنان وحتي الانسحاب من هناك عام 2000، ان للواء عميرام لفين كانت سياسة واضحة متميزة تتلخص في اعطاء حرية العمل لمرؤوسيه، وكذلك اعطائهم الدعم والغطاء الكامل عندما اخطأوا ولم يكن خطأهم ناجماً عن الاهمال. وهذه الخطوة لكي لا يصيب ارادتهم أو يضرهم عندما قاموا بمبادرات عسكرية لم تكن ناجحة في النتيجة العامة، عندما أخذوا مخاطر علي مسؤوليتهم. فهذه السياسة التي اتبعها اللواء لفين كانت سياسة صحيحة وجريئة. عندما يكون للحوار العام في الدولة مثل هذه الهيمنة علي الحرب، يبدو أننا قد انتقلنا من حالة الانتقاد العامة الي الانتقاد المهني لكي نخفف عن أنفسنا مقدار الصدمة التي تكون علي حدود الواقع. في الحرب كانت هناك بعض الامور التي تستحق الانتقاد الحاد، ولكن لمعرفة الجميع ان الحرب ليست عبارة عن مناورة أو تدريب أو ما نقرأ عنه في كتاب، بل ميدان قتال يوجد فيه في نفس الوقت عدم وضوح، ومعلومات قليلة، وبلبلة، ونار ودخان، شعور بالقتل ومواجهة القتل ايضا. مثل هذه الامور التي كانت وما زالت معروفة هي التي تحدد القيم الصحيحة في الوقت الصحيح.
الادعاء بأن الحرب الأخيرة هي فشل للجيش الاسرائيلي، لا يتفق مع الواقع والحقائق. لقد فقد حزب الله قدرته وسيطرته في جنوب لبنان. وموقفه ووضعه في لبنان أصبح ضعيفا، ووجود مسؤوليته وتواجده ايضا، في نظر الاغلبية اللبنانية، أنه كان متسببا بهذه الحرب التي تسببت بخراب لبنان، وان المئات من عناصره قد قُتلوا، وهناك الكثير من الضربات التي لم يحلم بها حسن نصر الله، الملاحق حتي اليوم، ولم يحلم بها في أكثر أحلامه سوادا. إن الانجاز الرئيس لحزب الله في قدرته علي اطلاق الصواريخ لمدي قصير ظل حتي نهاية الحرب. هذا الانجاز ظل مُحافظا عليه ليس بسبب ان المستوي السياسي عندنا لم يسمح للمزيد من العمليات البرية الواسعة التي كانت تقوم بها ثلاث فرق، والتي كانت بمحتواها تريد الاستيلاء علي المجال الواسع الذي منه تنطلق هذه الصواريخ قصيرة المدي.
خلاصة القول: لقد حان الوقت للتيقظ، وللتوقف عن الاحتفال بالمعاقبة الذاتية، بل استخلاص العبر الصحيحة وايجاد سياسة صحيحة للتعيينات داخل الجيش الاسرائيلي، التي تُرفِّع أصحاب المبادرة والقدرة المعروفة.
حاييم روزنبرغكان مسؤولا عن قسم التخطيط للمدي البعيد في الصناعات العسكرية الاسرائيلية(معاريف) 5/11/2006