يمكن تصنيف الجدل، الذي يدور حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية ومصر واليونان، حول تجسيد ممثلة سوداء لدور الملكة كليوباترا، في وثائقي من إنتاج منصة نتفليكس، بوصفه أحد المعارك المتكررة، التي تعوّدت صناعة الترفيه الأمريكية على إثارتها، لدواعٍ سياسية وإنتاجية وتسويقية، والتي لا جدوى تذكر من التعاطي معها من منظور التاريخ أو حتى الإثنولوجيا (بمعناها العرقي القديم). ليست المعركة فعلياً حول لون بشرة الملكة التاريخية، وما توفّر من أدلة مادية أو نصيّة حول سماتها العرقية، بل ببساطة حول الصورة المعولمة، التي في إمكان مؤسسات الترفيه الكبرى، الأمريكية دائماً، تعميمها بشكل واسع، وما يمكن أن تدعمه أو تنفيه من ادعاءات أيديولوجية لمجموعات معينة.
عمليات إعادة إنتاج الصور أيديولوجياً، ولحسابات محلية وعرقية أو قومية، وكذلك الصراع حولها، ليست بالأمر الجديد، هناك مثلاً سجال معروف وقديم حول صورة المسيح، وسماته الشكلية والعرقية، في الأيقونات الكنسية؛ فيما أظهرت المنمنمات الإسلامية الشخصيات الدينية العربية بهيئات وملابس فارسية أو عثمانية أو مغولية، حسب المكان والزمان الذي رُسمت فيه؛ كما حوّرت البروباغندا البلشفية الرسوم المسيحية المألوفة لدى جمهورها، ووضعت تروتسكي مكان القديس جورج، لتظهره قاتلاً لتنين «الثورة المضادة». اليوم تقوم صناعة الترفيه الأمريكية بإعادة إنتاج الصور والرموز، بما يتناسب مع حساباتها الخاصة: السود كانوا دائماً مضطهدين، يُصوّرون عبيداً أو شخصيات مضحكة أو مجرمين، وآن الأوان ليصبحوا ملوكاً وأبطالاً، ضمن مسيرة «تمكين» ضرورية لتشكيل الائتلافات السياسية، وإرضاء جماعات الضغط المحلية. من المربح جداً تحويل كليوباترا من امرأة بيضاء ذات عينين ملونتين، تغري قادة الرومان وتتلاعب بهم، كما ظهرت في الأفلام الكلاسيكية، إلى سيدة سوداء قوية ومستقلة، تواجه ما أفسده الرجال البيض. هذا ليس تزويراً للتاريخ، فلا شأن للتاريخ بكل هذا، بل تصحيحٌ للأيديولوجيا الأمريكية.
إلا أن العالم ليس الولايات المتحدة الأمريكية فقط، التي يمكن داخلها ببساطة اتهام المعارضين لـ»التصحيح» بالعنصرية أو الذكورية، بل هناك بشر متعددون من بلدان كثيرة، ذات ظروف اجتماعية وسياسية شديدة الاختلاف، رغم أن الجدالات، التي يمكن وصفها بـ»الهوليوودية» أو «النتفليكسية» تجبر كل المتعاطين معها على التفكير بمقاييس أمريكية، قد لا تحمل أدنى تطابق مع شرطهم المحلي، ما يعرقل طرح قضايا مثل النسوية ومكافحة العنصرية في سياقها الصحيح. الأهم أن المنطق الأيديولوجي لصور صناعة الترفيه عموماً، بما فيه من تسطيح للمسائل الاجتماعية، يمكن اعتباره أقرب لما يسمى comic، والترجمة الأفضل في هذا السياق «الرسم الهزلي». هل نشهد اليوم حرب أيقونات جديدة، لكن على مستوى الصور الهزلية؟ وأي «تصحيح» أو أيديولوجيا أو فهم للذات والآخر يمكن أن ينتج عن كل هذا الهزل الترفيهي؟
تصدير الأيديولوجيا
قد لا يكون تصدير أيديولوجيا أمريكية عن «التمكين» بالأمر المستغرب، فكل الدعوات الأيديولوجية الكبرى سعت لتصدير نفسها خارج حدود المكان الذي نشأت فيه، وليس فقط الدعوات المتسمة بالكونية بطبعها، مثل الماركسية والليبرالية، بل حتى أيديولوجيات ذات طابع عقائدي طائفي محدود مثل «ولاية الفقيه». إلا أن «التمكين» الأمريكي يظهر تناقضاً شديداً بين محليته الشديدة في التعاطي مع المسائل العرقية والهوياتية الخاصة بالأمريكيين، وتاريخ اجتماعهم المتوتر؛ وسعيه إلى عولمة صوره بشكل شامل، وكأن البديهي أن يفهم العالم كله الحساسيات الثقافية والتاريخية الأمريكية، ودون الحاجة إلى تحويل تفاصيلها إلى مبادئ عامة، تتسم بحد أدنى من التجريد. من الصعب لأي مستهلك للترفيه الأمريكي، أياً يكن مستواه الثقافي والتعليمي، أن يدرك مفهوماً واضحاً للتاريخ أو المجتمع أو السياسة من كل تلك الأعمال «المعادية للعنصرية والذكورية» توجد فقط صور ومفردات وعبارات، يتم تكرارها وتداولها على نطاق واسع، نتيجة قوة «الصناعة».

وفي غياب المفهوم الواضح غالباً ما يلجأ المتابعون للتأويل، ومنه مثلاً أن «التمكين» المفرط للأقليات وأبناء الهويات «المهمشة» نوعٌ من «التعويض المبالغ فيه» Overcompensation لما ارتكبه النظام الرأسمالي من مظالم بحق النساء والشعوب المستعمرة و»الملونين» بعد أن صار هؤلاء قوة سياسية وديمغرافية لا يمكن الاستهانة بها، وسوقاً أساسياً لن تستطيع الرأسمالية الاستمرار دونه، أي أن التعويض يتم على مستوى متدنٍ من الوعي والانتباه، لا يقدم مفاهيم، وإنما يقدم صورا سهلة التداول، ويمكنها إرضاء المستهلكين بسرعة، محققةً نتائج فورية.
قد يكون انتشار الصور «التقدمية» الخالية من المفاهيم الواضحة، بين الفئات الأكثر تعولماً، نمطاً جديداً من الأيديولوجيا، التي لم تعد معنية بتأسيس جماعات محددة ذات سمات خاصة، بناءً على تصورات عامة عن المجتمع والكون والتاريخ، بقدر ما باتت استهلاكاً لذوات فردية، «تشتري» فرادتها عبر إبراز براعتها في التعامل مع الرموز والعبارات السائدة وتكرارها.
هكذا قد نجد «سوبر هيرو» مصري في سلاسل الأبطال الخارقين، عقب عقود من تصوير العرب والمسلمين بشكل سلبي في الأعمال الأمريكية؛ وملكة «أفرو أمريكية» على عرش مصر في وثائقيات «نتفليكس» بعد احتكار المستكشفين والمستشرقين الأوروبيين البيض تصوير الحضارة المصرية على هواهم، إلا أن هذا التأويل يبدو قاصراً إلى حد كبير، لأن «التعويض» موجّه لسوق واحد هو السوق الأمريكي، فيما لا يبدو كثير من المستهلكين خارجه راضين بهذه الصور، حتى لو استهلكوها بوصفها «تريند»؛ كما أن «التعويض» لا يستهدف إلا فئات محدودة، تتطابق لحد كبير مع سياسات ما يوصف بـ»اليسار» بالمعايير الأمريكية، أي الائتلاف الأقرب للحزب الديمقراطي الأمريكي. لن نجد مثلاً تعويضاً، حتى على مستوى الصورة، لمئات الآلاف من الإندونيسيين الشيوعيين، الذين قتلهم الرئيس سوهارتو في الستينيات، بدعم من المخابرات الأمريكية، وهؤلاء فيهم «نساء» و»ملونون» و»مثليون» بالتأكيد. لن نجد ممثلة هوليوودية من «الأفرو أمريكان» تتطوع للعب دور عاملة إندونيسية تم اغتصابها أو قتلها في ضواحي جاكارتا، هنا يتوقّف «التصحيح» و»التعويض».
لا تبدو صناعة الترفيه الأمريكية معنيّة بإنتاج أفكار واضحة، أو حتى التعويض والتصالح مع الذاكرة، بقدر ما تسعى إلى إنتاج صور وعلامات قابلة للتسويق، بالارتباط بشعارات محلية جداً عن «مكافحة التمييز» ضرورية للصراعات السياسية الأمريكية من جهة؛ كما أن الموافقة عليها، من جهة أخرى، أقرب لعلامة على نمط حياة «ليبرالي» والتطهّر من تهم «الامتياز». ولهذا سوق واسع بالتأكيد، داخل الولايات المتحدة وخارجها، لكن ليس بين «ضحايا الرأسمالية» بل على الأغلب بين الفئات الأكثر استفادة من العولمة المعاصرة، التي تعتبر رفضها لـ»عنصرية» المنتقدين لوثائقي كليوباترا النتفليكسي دليلاً على العصرية والانفتاح.
أهرامات الاستعراض
قد يكون انتشار الصور «التقدمية» الخالية من المفاهيم الواضحة، بين الفئات الأكثر تعولماً، نمطاً جديداً من الأيديولوجيا، التي لم تعد معنية بتأسيس جماعات محددة ذات سمات خاصة، بناءً على تصورات عامة عن المجتمع والكون والتاريخ، بقدر ما باتت استهلاكاً لذوات فردية، «تشتري» فرادتها عبر إبراز براعتها في التعامل مع الرموز والعبارات السائدة وتكرارها. لا يريد كثيرون أن «يتورّطوا» في نقد الصورة الهزلية التي تقدمها صناعة الترفيه الأمريكية عن التاريخ والأعراق والأجناس، كي لا يُتهموا بـ»العنصرية» فيما هم في الواقع يرسّخون آلية لإنتاج الهرميات الهوياتية المعاصرة، مقبلة من مجتمع ونمط إنتاج قائم أساساً على تحويل تلك الهرميات إلى «عرض» Show.
ينبني السوق المعاصر على آليات إنتاجية جماعية، لكنه يفردن الاستهلاك. هنا تظهر الوظيفة الأساسية للأيديولوجيا الحالية: تأسيس فردانية غافلة عن الآليات التي تنتجها. يظن الأفراد «التقدّميون» المعاصرون أنهم أفراد فعلاً، في ما فردانيتهم مُنتج لصناعات متعددة، ومنها صناعة الترفيه، والصناعات قائمة دائماً على عمل وتخطيط وتسويق جماعي. لن يؤسس عرض كليوباترا سوداء لأفراد أحرار يفتخرون بلون بشرتهم، بقدر ما سيُدرج أفراداً كثيرين في توزيع جديد لعلاقات القوى، لا يبدو أنه سيكون لمصلحة «المهمشين» فمن يجنون أرباح «الصناعة» ليسوا مهمشين بالتأكيد.
«الكوميك» الملتزم
بناء على ذلك، لا تظهر منتجات الترفيه وحدها أقرب للصور الهزلية، بل أيضاً ما تؤسسه من تصورات أيديولوجية عن الذات والعرق والجنس والطبقة. يبدو المهمشون والضحايا أقرب لأبطال مجلات «الكوميكس» القديمة، أو ربما «الميمز» المعاصر، فيما أعداؤهم من عنصريين وشعبويين أشبه بما درج على تسميته villains، أي الشخصيات الشريرة الخبيثة في تلك الأعمال.
من الصعب أن ينتج هذا النوع من الصور والتصورات سياسة حقيقية على أرض الواقع، مهما كانت قيمته التداولية والاستهلاكية، ولذلك سيظل «الصالحون» مصدومين دائماً بكثرة الأشخاص والجهات، التي لا تسلّم تماماً بمنظوراتهم الكرتونية عن العالم؛ وكذلك بوقائع سياسية واجتماعية شديدة التعقيد، لا يمكن إلغاؤها بمجرد نعتها بواحدة من الاتهامات المتكررة والجاهزة، من قبيل عنصري أو تمييزي أو ذكوري.
في كل الأحوال، ربما لم يعد باستطاعة صور أيديولوجية على نمط «كليوباترا السوداء» أن تحقق حتى الأرباح المالية المتوقعة منها. يأتي «التريند» ثم يمضي، ويفقد تدريجياً قدرته على لفت الانتباه، فيما لا بد أن تنتج الاضطرابات الاجتماعية والسياسية المعاصرة أشكالاً جديدة من التعبير، لن تستطيع مؤسسات صناعة الترفيه المعاصرة استيعابها على الأغلب، وقد يكون كل هذا علامة على انتهاء حقبة أيديولوجية كاملة.
كاتب سوري