وانهمرت النقود بالتريليونات، وكأن السماء قد انشقت فجأة، وسقطت منها مئات المليارات كالسيل، تحت غطاء حزم مالية طارئة لمواجهة التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا. الحكومات التي كانت تصرخ بالأمس: أنا فقيرة، في وجه من يطالبون بتحسين ظروف العمل والحياة، فجأة وجدت مئات المليارات لتنفقها ذات اليمين وذات الشمال. وصناع السياسات الاقتصادية، الذين كانوا يرون الفضيلة في التقشف ولا شيء غير التقشف وتقليل الإنفاق، انتقلوا فجأة إلى مدرسة: انفق.. انفق.. انفق، وكأن نهاية العالم قد اقتربت وفرضت عليهم أن يخرجوا ما كانوا يخزنون. وهكذا أصبحت الفضيلة هي الإنفاق، وليس التقشف.
ولأن ذلك قد حدث فجأة، وفي غضون أسابيع قليلة في اذار/مارس الحالي، فإن المواطن الرشيد راح يتلفت حوله، حائرا، ضاربا كفا بكف، يبحث عن نفسه لإجابة قد تقنعه. وقد وصلت الأوهام ببعض من قدموا إجابات، إلى الاعتقاد بأن صناع السياسة الاقتصادية لحكومات الدول الرأسمالية قد استيقظوا وأدركوا فجأة محاسن سياسات الإنفاق ذات الطابع الاجتماعي، وهو التفسير الذي قدمه بعض قيادات حزب العمال البريطاني على لسان وزير الخزانة في حكومة الظل جون ماكدونال.
وقد خشي صناع السياسة الاقتصادية الجديدة، الذين رحلوا عن قافلة التقشف، وركبوا قافلة زيادة الإنفاق، أن يقع الناخبون في هذا الوهم، فأصدروا بيانا مغلفا يؤكد أن سياسات الإنفاق الجديدة “مشروطة، ومؤقتة، ومتزامنة” مع الخروج من احتمال وقوع الاقتصاد العالمي في هاوية الكساد العميق.
سياسة مشروطة ومؤقتة
هذه الرسالة صدرت أول ما صدرت في لندن على لسان محافظ بنك إنكلترا الجديد أندرو بايلي، ثم على لسان وزير الخزانة الجديد ريشي سوناك، ثم تأكدت عالميا على لسان رئيس الوزراء بوريس جونسون، في قمة الفيديو كونفرنس لمجموعة الدول العشرين الأكثر ثراء في العالم، وتردد صداها حروفا وكلمات في البيان الصادر عن القمة، الذي أكد أن سياسات الإنفاق التي اعتمدتها دول العالم بقيادة الولايات المتحدة (وأن كانت بريطانيا هي التي قدمت النموذج أولا) هي إجراءات “مؤقتة، ومشروطة، ومتناسبة” وأضافوا “وشفافة” حتى تكتسي ملامح أخلاقية وقيمية. إن الرسالة تريد إزالة أي وهم أو لبس يؤدي إلى خلط سياسة الإنفاق الجديدة، بفلسفة عالم الاقتصاد البريطاني جون ماينارد كينز، الذي وضع أسس النظام الاقتصادي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، مستفيدا من دروس حروب الحماية التجارية والسياسات الرديئة التي سادت في العالم خلال فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
لدينا إذن سياسة اقتصادية جديدة، يتم تقديمها بذريعة الحرب على فيروس كورونا، الذي يفتك بالناس بآلاف كل يوم منذ أوائل العام الحالي، وهو ما ترك أثره على قوة العمل، ومن ثم على الإنتاج. وقد أدت إجراءات مكافحة الوباء في الصين إلى تداعيات اقتصادية، تجاوزت حدودها إلى العالم أجمع؛ فهبطت التجارة الدولية، وانخفض الإنتاج، وهوت أسهم الشركات في أسواق المال العالمية، بدون وجود حاجز واحد يقف حائلا يحد من هبوط أسعار الأوراق المالية.
خطورة هذه التداعيات على الشركات هي أنها تؤثر سلبا على تصنيفها الائتماني، فتخلق أمامها صعوبات في التمويل، خصوصا إذا عجزت عن سداد أقساط الديون المستحقة عليها للبنوك. وهي إذا عجزت فإن البنوك نفسها ستقع في ورطة، لانخفاض إيراداتها، وهو ما يعني انخفاض أرباحها. ونظرا لأن الأرباح هي محرك أسعار الأسهم والسندات، فإن هبوط أرباح الشركات والبنوك يؤدي إلى هبوط أسواق المال. ونظرا لأن أسواق المال تلعب دورا محوريا في الاقتصاد العالمي الحالي، الذي تتركز فيه الثروة بين أيدي عدة مئات من أصحاب المليارات في أسواق المال وغيرها من الأسواق، فإن هؤلاء تصبح ثرواتهم في خطر، خصوصا وأن تقييمها في أسواق المال يفوق كثيرا قيمتها العيني؛ فكان لابد من تحرك الحكومات لإنقاذ ثروات هؤلاء من الضياع. هؤلاء هم أصحاب الثروة والسلطة؛ فهم الذين يسيطرون على الأحزاب السياسية فيما يعرف بـ “الديمقراطيات الليبرالية” وهم الذين يسيطرون على الإعلام، وعلى شرايين الحياة الرئيسية تحت غطاء “منظومة القيم الغربية”.
ونظرا لأن صناع السياسة الاقتصادية يسيرون على نهج “من فات قديمه تاه” فإنهم عادوا إلى كتاب الوصفات الاقتصادية والمالية لمواجهة الأزمات، فوقعت أيديهم أول ما وقعت على صفحة الأزمة المالية العالمية الأخيرة. ووجدوا فيها الحل: توفير السيولة المالية. لكن السيولة المالية هذه المرة، بعد نحو 12 عاما من الأزمة الأخيرة، من الضروري أن تكون أضخم كثيرا من حيث الحجم، لتساعد على إخراج الاقتصاد من حال الركود وتباطؤ النمو، ولمواجهة تداعيات الحرب على فيروس كورونا.
ومن اللافت للنظر، بعيدا عن النموذج البريطاني الذي يستند إلى ذرائع وحيثيات أخرى، أن صناع السياسة الاقتصادية وجدوا ان توفير السيولة هو مسؤولية البنوك المركزية من الولايات المتحدة إلى اليابان، وأنه ما على الحكومات إلا أن توجه البنوك المركزية إلى توفير السيولة بكميات ضخمة من خلال أدوات السياسة النقدية؛ فذلك كفيل بردع تيار هبوط أسواق المال العالمية، ومن ثم إنعاش الاقتصاد.
فشل السياسة النقدية
لكن الموجة الأولى من السياسة النقدية التي اعتمدت على سلاح تخفيض أسعار الفائدة والتي بدأت في 3 اذار/مارس الحالي، بقرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تخفيض أسعار الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية، لم تؤت النتائج المرجوة، بل أن حالة الهلع في الأسواق زادت عما كانت عليه قبل القرار. بعدها لجأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى أدوات تكميلية لقرار تخفيض أسعار الفائدة، وذلك بإتاحة المزيد من السيولة عن طريق شراء سندات الشركات، وهو ما يمنحها سيولة إضافية بأسعار فائدة رخيصة، بدون الحاجة للاقتراض من البنوك. وبلغت قيمة العرض الذي قدمه المجلس أكثر من 700 مليار دولار. لكن ذلك أيضا لم يؤد الغرض، واستمرت أسواق المال في الهبوط. عندها اتضح لمجلس الاحتياطي الفيدرالي أن السوق في حاجة إلى ضخ سيولة بحجم غير اعتيادي، فقرر في 15 اذار/مارس تخفيض أسعار الفائدة بنقطة مئوية كاملة، وأطلق حدود برنامج شراء السندات، وإعادة الشراء طالما اقتضت الضرورة. البنوك المركزية في الدول الصناعية الغربية جميعا اتبعت النهج نفسه، وكذلك فعلت الدول التي تربط قيمة عملتها بالدولار مثل دول الخليج العربية المصدرة للنفط، والدول التابعة لها التي تعيش على فتات التحويلات النفطية.
المنفعة لحملة الأسهم
ومع ذلك فإن نزيف الاقتصاد العالمي ظل مستمرا، وزاد من خطورة الموقف، أن مؤسسات التمويل والاستثمار العالمية راحت تحذر من وقوع كساد شديد الوطأة هذا العام، ربما يمتد إلى العام التالي، أو يزيد. هذه التوقعات لقيت مادة قوية تغذيها عندما راج الحديث في بلدان مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا عن حدوث انكماش اقتصادي خلال الربع الأول من العام، سيستمر على الأرجح حتى منتصف العام. كذلك زاد من قوة هذه التوقعات أن شركات ضخمة مثل شركات الصناعات الجوية، والنفط، والسيارات أعلنت تخفيض إنتاجها، وإغلاق بعض عملياتها، وإعادة النظر في استثماراتها الجديدة.
وعندما خسرت أسواق المال الأمريكية 11 في المئة من قيمة الأصول المتداولة في يوم واحد، أدرك حاكم البيت الأبيض أن المسألة ليست مزحة، وأن المسؤولية يجب أن تسند إلى وزير الخزانة أيضا، وليس إلى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي فقط. ذلك يعني أن السياسة النقدية ليست كافية، وأن الحكومة، من خلال وزارة الخزانة، يجب أن تتدخل، وهو ما يتعارض مع الفلسفة الاقتصادية الليبرالية التي لا تتفق مع تدخل الدولة في الاقتصاد. وهكذا جاءت فكرة خطة الإنقاذ المالي بقيمة تريليونين من الدولارات، من خلال تمويل العجز بواسطة وزارة الخزانة الأمريكية. وكما وجدت سياسات إتاحة السيولة النقدية صداها في العالم، فكذلك كان الحال مع خطة الإنقاذ المالي التريليونية الأمريكية. ويجب أن نذكر أن عجز الميزانية الأمريكية لا تتحمله الحكومة هناك، وإنما يدفع ثمنه حائزو الدولارات من حكومات وشركات وأفراد في كل أنحاء العالم.
في قمة الفيديو كونفرنس لقيادات مجموعة الدول العشرين جرى التأكيد على سياسات التحفيز المالي، كوسيلة رئيسية لتجنب الكساد. ورغم أن الحديث عن مكافحة وباء كورونا كان طنانا، فإن ذلك كان طنين الدبابير وليس طنين نحل العسل. سياسات التحفيز المالي غايتها إنقاذ مصالح أصحاب الثروة والنفوذ وليس ضحايا فيروس كورونا.
على سبيل المثال فإن حزمة التحفيز المالي الأمريكية التي تبلغ قيمتها تريليونين من الدولارات، لا تتضمن تمويلا كافيا لتطوير نظام الرعاية الصحية، وتأهيله لعلاج ضحايا كورونا. الحزمة الأمريكية خصصت للمستشفيات ولقطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة 100 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 5 في المئة من حزمة الإنفاق كاملة. في الوقت نفسه فإن قطاع الصناعات الدفاعية الأمريكية حصل على أضعاف هذا المبلغ؛ فشركة بوينغ وحدها ستحصل على 58 مليار دولار من حزمة الإنفاق الحكومي المباشر، أي ما يقرب من 60 في المئة ما حصل عليه قطاع المستشفيات والرعاية الطبية بأكمله، وهو القطاع الذي يقف على خط النار الأول في الحرب مع وباء كورونا.
الحزمة التريليونية الأمريكية تعلي شأن مصالح حملة الأسهم في شركات مثل بوينغ ولوكهيد مارتن وماكدونال دوغلاس، على أرواح الأطباء والممرضين الذين يقاتلون في حرب غير متكافئة مع فيروس شرس، وهم يعانون من عجز في احتياجات الحماية الشخصية الضرورية من المطهرات إلى الملابس الواقية، كما يعانون من نقص في المعدات اللازمة للحرب ضد الوباء.
التريليونات ليست للحرب على كورونا، وإنما هي لإنقاذ مصالح الشركات والمساهمين. والذين يدفعون الثمن مضاعفا هم ضحايا كورونا، من المرضى والأطباء والممرضين ومن يقف معهم في خط المواجهة. في الولايات المتحدة كما في فرنسا وإسبانيا يزيد كل يوم عدد المصابين بالفيروس بين أطقم الرعاية الصحية. هذا ليس مصدر قلق على الإطلاق لصناع حزم الإنقاذ المالي التريليونية والمليارية. ولماذا القلق، طالما انه يمكن طبخ الأرقام؟ لماذا القلق طالما أن آخرين سيدفعون غدا ثمن مكافحة العجز المالي بالتقشف؟ باختصار، إن حزمة التحفيز المالي الأمريكية وغيرها، تقدم الأرباح على الأرواح، وتقدم الأرواح قربا الأرباح ولحملة الأسهم في أسواق المال العالمية.