التزاحم بين مزاعم السلام والاستعداد للحرب: الخيارات الفلسطينية والقفز الى المجهول!

حجم الخط
0

سمير جبور تتواتر التصريحات المحمومة حول المفاوضات المباشرة بين حكومة نتنياهو والسلطة الفلسطينية، وسط ضجيج طبول الحرب ‘الوشيكة’، التي يقال ان امريكا الأوبامية ستشنّها ضد ايران، او الحرب التي ستشنها اسرائيل ضد حزب الله.. ضد لبنان… ضد حماس… ضد سورية ضد جزء من ايران ضد العالم ضد البشرية التي سئمت من حروب بني صهيون العدوانية!! فقد كشفت مصادر إيرانية عن استعداد الولايات المتحدة لتوجيه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الإيراني، تشمل في البداية استهداف 22 موقعاً رئيسياً، تزامناً مع عمليات إنزال كثيفة في الأحواز بغية عزلها عن باقي المناطق وشل القدرة العسكرية واللوجستية للجيش الإيراني، وتالياً الاقتراب من مفاعل بوشهر النووي.

كما تردد ان سلطات الاحتلال الاسرائيلي قررت سحب ‘لواء كفير’ في الجيش الاسرائيلي من الضفة الغربية، وتحويل هذا اللواء الى الحدود اللبنانية والسورية، حيث اعتبرت صحيفة ‘معاريف’، هذا ‘القرار بالتاريخي والاستراتيجي استعدادا للمرحلة القادمة’. وهذا يعني احتمال توجيه ضربة عسكرية الى حزب الله وحماس مجتمعة او كل على انفراد. وليس من الواضح اين ستطلق الرصاصة الأولى لأن قرار الحرب والسلم منوط بالكيان الصهيوني.

وهكذا يتزامن الحديث عن الحرب الوشيكة مع الاستعدادات لبدء المفاوضات المباشرة بعد أيام. وهنا يطرح السؤال: كيف يستقيم الحديث عن السلام على انغام طبول الحرب؟ وما العلاقة بين التوجهين؟

وبكلمات اخرى ما هو التوجه الغالب هل هو نحو الحرب أم نحو السلام؟

تشير بعض الدلائل الى ان عنوان هذه المرحلة هو الحرب، لأن اهتمام الاسرائيليين ينصب على جر الولايات المتحدة الى حرب ضد ايران تماما، كما فعلوا عندما جروا دول حلف الأطلسي لشن الحرب على العراق تحت ستار ضرب ‘الارهاب’ في افغانستان.

ومما يعزز الاعتقاد بأن التوجه الغالب نحو الحرب هو ان مفاوضات ‘السلام’ اصبحت محكومة بالفشل بفعل مناورات نتنياهو، والشروط التعجيزية التي يضعها مثل ‘الاعتراف بيهودية إسرائيل’ ورفض تجميد الاستيطان في الضفة دون ذكر القدس، لأن هذه المسألة في حسابات نتنياهو مفروغ منها وهي خارجة عن نطاق البحث. وقد اعلن نتنياهو انه لم يتعهد للرئيس الأمريكي بتجميد او تعليق الاستيطان، على الرغم من مناوراته التكتيكية بالاعلان عن استعداده للبحث في القضايا الجوهرية: القدس والمستوطنات والحدود واللاجئين والأمن.

وقد اختصر نتنياهو قضية فلسطين بتوفير ‘الامن’ لاسرائيل اذ قال في جلسة مغلقة ‘في اللحظة التي ستوضع فيها ترتيبات أمنية تضمن عدم إطلاق صواريخ على تل ابيب، سيكون بالامكان التوصل الى تسوية شاملة بصورة سريعة’. وكأن الصواريخ تتساقط على تل ابيب ليل نهار وهي التي تحول دون التوصل الى حل.

وفي الوقت نفسه ذكر بعض المصادر الغربية ان هذه المفاوضات اصبحت ممكنة نتيجة للضغط الذي مارسته الولايات المتحدة على محمود عباس للتخلي عن الشروط الثلاثة التي وضعها لاستئناف المفاوضات. الاول ان تجري المفاوضات وفق المبادئ المحددة سلفا المتعلقة بالعنصر الاقليمي للاتفاق. وكان عباس قد طلب انه يجب الاتفاق مسبقا على أن يكون الحل قائما على حدود 1967 باستثناء تبادل محدود لبعض الأراضي. وكان الشرط الثاني تحديد جدول اعمال المفاوضات مسبقا، والثالث تمديد تجميد المستوطنات بعد انتهاء مفعوله.

وذكر الوف بن (هآرتس، 30/08/2010) أن ‘نتنياهو ذاهب الى جولة المفاوضات الثالثة حول الاتفاق الدائم تعتريه توقعات منخفضة… ويقول منتقدوه في اسرائيل والخارج انه يذر الرماد في العيون، لأنه لا يريد ولا يستطيع التخلي عن ميليمتر واحد للفلسطينيين.. وفي الحقيقة ان وضع نتنياهو السياسي افضل من وضعي باراك وأولمرت في حينه، وهو بحاجة اكثر منهما الى دعم الادارة الأمريكية في مواجهة تهديد ايران المتزايد. فهل هذا كاف له كدافع للتوصل الى تسوية ‘دولتين لشعبين’، كما وعد في بداية ولايته؟’. وثمة سبب آخر يؤكد ان مناورة المفاوضات المباشرة هي تمرير الحرب ضد ايران او لبنان او سورية هو ان المفاوضات ستمتد سنة كاملة، اذا تحدد شهر آب/اغسطس المقبل (2011) موعدا لانتهاء المفاوضات والاعلان عن قيام دولة فلسطينية. هذا في حين تتردد احاديث حول نشوب حرب في المنطقة قبل حلول الخريف. فاذا حققت اسرائيل اهدافها من هذه الحرب المزعومة، فإن أمامها عاما كاملا للمناورة والتهرب من اية التزام بشأن التسوية النهائية.

وخلاصة القول ان اولوية الحراك هي للحرب وليس للسلام. وسوف تتواصل المحاولات الصهيونية لاستخدام ‘الاستعداد للسلام’ للتغطية على الاستعداد لشن الحرب.

يمكن الافتراض ان قادة السلطة الفلسطينية مدركون لألاعيب نتنياهو واغراض الولايات المتحدة التي يهمها في الدرجة الأولى تمرير مخططاتها في المنطقة التي تخضع للمخططات الصهيونية، مستغلة محنة الفلسطينيين لاقناع الأنظمة العربية بأن امريكا تعمل على حل القضية الفلسطينية وهي تسعى الى دعم هذه الأنظمة في حربها المتوقعة ضد إيران.

وربما يدركون ايضا ان نتنياهو يحمل في جعبته وهو متوجه الى واشنطن شتى الأفكار حول توجيه ضربة عسكرية الى إيران، المزيد من الاسلحة المتطورة كعملية ابتزاز، اكتشافات الغاز في سواحل لبنان.. الخ وهي خالية من اية افكار عملية لانهاء الاحتلال. وبكلمات أخرى يسعى نتنياهو الى عقد صفقة ‘مقايضة’ مع الولايات المتحدة ‘ببيعه’ الكثير من الوعود لتقديم تنازلات من أجل ‘السلام’. ولا بد من القول انه ليس لدى السلطة الفلسطينية المفاوضة الا خياران: إما الانسحاب من المفاوضات بعد فضح الاعيب الحكومة الاسرائيلية، واما التوقيع على تصفية القضية الفلسطينية. وأما سائر الخيارات فهي بمثابة القفز الى المجهول.

لذلك، ففي حال فشل هذه الجولة من المفاوضات، ما الذي يمكن توقعه؟ من المؤكد ان الأمور لن تبقى على حالها. فالمرحلة المقبلة تتطلب إعادة اللحمة الى الساحة الفلسطينية وتطهير البيت الفلسطيني من كل ما لحق به من أدران. وبعد ذلك، لا بد لأية سلطة فلسطينية الا الانكباب على بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية بنزاهــــة لكي تصبح أمرا واقعا لا يستطيع المجتمع الدولي تجاهله؟ ام ان الأمور ستأخذ اتجاها مختلفا كما علمتنا التجارب في الماضي، بأن الشعب الفلسطيني عندما يحاصر وعندما يزج في زاوية اللاخيار، سينتفض مرة أخرى. كما شاهدنا مؤخرا العمليات الأخيرة في الضـفة الغربية. ولكن يمكن الافتراض ان اية انتفاضة هذه المرة ستتخذ منحى أكثر عقلانية واكثر ترشيدا تجعل المحتل عاجزا عن مواجهتها، لتضعه هو في خانة اللاخيار.’ كاتب فلسطيني مقيم في كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية