التسامح والاسلام: نظرة مستقبلية
متي يقرأ المسلمون كتابهم علي هدي التاريخ وليس علي مجرد احكام سرمدية لا علاقة لها بالزمان والمكان؟لا بد من اعادة قراءة فكرة الجهاد.. لانه الفكرة الحالية سطحية لا يجمعها جامع بفكرة الجهاد الحقيقيالتسامح والاسلام: نظرة مستقبليةعبد الحسين شعبانہ أيكفي القول ان تعاليم الاسلام وبخاصة الواردة في القرآن الكريم والسنّة النبوّية تحضّ علي التسامح، وان الكثير من تطبيقات الخلفاء الراشدين في الاسلام الاول كانت تمثل قيم التسامح؟ أم ان هناك فروقاً كثيرة وجوهرية بين بعض النصوص النظرية وبين التاريخ الاسلامي، الذي هو مثل كل تاريخ البشرية، حفل بالكثير من مظاهر اللاتسامح والعنف والاقصاء وتهميش الآخر، لدرجة تأثيمه وتجريمه أحياناً، فهو مثل غيره احتوي علي عناصر اللاتسامح والإلغاء والإكراه سواء علي الصعيد النظري او علي الصعيد العملي والتطبيقي من خلال الممارسات والاعمال؟جدير بالذكر الاشارة الي ان فترة الاسلام الاول، التي شهدت اعترافاً بالآخر والدعوة الي المساواة والتواصي والتآزر والرحمة، لكن ثلاثة من الخلفاء الراشدين : عمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم) لقوا حتفهم مقتولين، ولم تفلح مبادئ التسامح التي دعا اليها الاسلام في ان تحول دون ذلك، فالتسامح بحاجة الي بيئة حاضنة وتراكم وتربية، ليتحول الي قوة مادية يصبح اقتلاعها، خصوصاً اذا ما انتقل من طور الاخلاق الي الحق ومن ثم ليؤسس عبر قوانين وتشريعات ومؤسسات!لكن هذه القراءة الانتقادية للتاريخ الاسلامي، لا ينبغي ان تصب في الموجة الجديدة ـ القديمة من الاتجاه المعادي للاسلام، التي تحاول التصيّد بالماء العكر، لأخذه بجريرة بعض الاعمال الارهابية، او ان تشمل جميع المسلمين، الذين يتم دمغهم بالارهاب بالجملة، وهو ما يتردد علي لسان مسؤولين ومفكرين واعلاميين ورجال دين في الغرب، بل هناك بعض الاساءات شملت حتي رسولهم النبي محمد (ص)، لعل آخرها كان ما أطلقه البابا بنديكتوس السادس عشر، في محاضرة بجامعة ريغينسبورغ، من توصيفات علي لسان الامبراطور اليوناني مانويل الثاني في القرن الرابع عشر، باتهام الاسلام بالعنف .ولعل مثل هذه الاتهامات والتعميمات لا يجمعها جامع مع المشترك الانساني والديني ناهيكم عن الوقائع التاريخية، خصوصاً وانها تصدر من اعلي مرجع في الكنيسة. كل ذلك يحدث ولم تكن قد انتهت تداعيات نشر صحيفة دانماركية صوراً مسيئة للنبي محمد (ص)، بما سببته من تصدع العلاقات المسيحية- الاسلامية، ليس علي صعيد الحاضر حسب، بل علي صعيد المستقبل.ولعل ما ورد علي لسان الرئيس بوش (آب ـ اغسطس 2006) وخلال العدوان الاسرائيلي علي لبنان حول الفاشية الاسلامية وقبلها الاشارة الي الحرب الصليبية فيما يتعلق بحملة مكافحة الارهاب الدولي، انما يصّب في هذا الاتجاه العدائي، خصوصاً وانه قسم العالم الي قسمين اما معنا.. أو مع الارهاب اي مع معسكر الخير والنور او معسكر الشر والظلام ، وهو الوجه الآخر لما ذهب اليه اسامة بن لادن حين قسّم العالم الي فسطاطين. محطة 11 ايلولواذا كانت محطة 11 ايلول (سبتمبر) 2001، قد تركت تأثيراتها السلبية علي مجمل الوضع الدولي، فان هذه التأثيرات والتراجعات الخطيرة، يمكن ان تقرأ لاحقاً في مجري الاحداث، باعتبارها محطة جديدة لاظهار عزم القوي المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية، علي المضي في نهج انفرادي او بالتحالف مع بعض الاصدقاء ضد الغالبية الساحقة من سكان المعمورة.وضمن هذا التصنيف يمكن قراءة الحدث اللبناني، بشن العدوان الاسرائيلي وتدمير البنية التحتية للبنان وقتل المدنيين دون ان تحرك الولايات المتحدة والقوي العظمي ساكناً، بل انما كانت شريكة فيما حصل برفضها اصدار اي قرار من مجلس الامن الدولي، يدعو لوقف اطلاق النار فوراً، وذلك ضمن مسؤوليتها كعضو دائم العضوية في مجلس الامن ووفقاً لميثاق الامم المتحدة، الذي يعتبر حفظ السلم والامن الدوليين اهم وظيفة له، ناهيكم عن التنديد باسرائيل وتحميلها المسؤولية في خرق قواعد القانون الدولي الانساني.كما يمكن في ضوء التأثيرات السلبية الخطيرة علي حقوق الانسان أن نقرأ، نمو وانتشار التيارات الاصولية ـ السلفية المتعصبة، المتطرفة الشديدة الغلو في العالمين العربي والاسلامي، خصوصاً في ظل انعدام العدالة وهضم الحقوق واستمرار الاحتلال والعدوان، ولعل نموذج العراق المأسوي خير دليل علي ذلك. ومنذ ايلول (سبتمبر)2001، ارتفعت موجة التكفير والتأثيم، وبدلاً من ان تسهم حملة مكافحة الارهاب الدولي في تقليص حجم الاعمال الارهابية، الاّ أن الموجة الارهابية اتسعت وشملت بلداناً كثيرة، من مركزها الاساسي اليوم وهو العراق المحتل، والموعود بديمقراطية وحرية لكونه النموذج ، لكنه المسكون بالمفخخات والقتل اليومي علي الهوية والتفجيرات والحرب الاهلية الطائفية والاثنية وتفشي الفساد والرشوة والبطالة وتدهور الخدمات الضرورية، بحيث يصبح العيش بحد ذاته مسألة بالصدفة ومحفوفة بالمخاطر، الي اندونيسيا وتركيا ومصر والمملكة العربية السعودية واليمن والاردن والمغرب واسبانيا وبريطانيا وغيرها من البلدان التي شهدت عمليات ارهابية.مفارقات التسامحواذا كان الغرب قد وصل الي التسامح في مجتمعاته، بعد معاناة طويلة ومعارك طائفية طاحنة وحروب عالمية حصدت ارواح عشرات الملايين من البشر، فان مثل هذا الامر لم يأخذ مداه علي المستوي الدولي وبخاصة محاولات فرض الهيمنة والاستتباع، خصوصاً بعد انهيار الكتلة الاشتراكية في اواخر الثمانينات، حيث يراد للعالم التسليم بظفر الليبرالية الجديدة، نموذجاً وحيداً للنظام الدولي علي المستوي السياسي والاقتصادي، وخلال اكثر من عقد ونصف من الزمان خيضت حروب وأعمال ابادة وفرضت حصارات وشنت عدوانات وُقلبت انظمة واقيمت كيانات، كلّها بعيدة عن روح التسامح، بالاعتماد علي نظرية القوة وليس قوة القانون وروح ميثاق الامم المتحدة، وذلك بسبب نهج التفرد والاستئثار والمصالح الأنانية الضيقة!ومن جهة اخري فإن التسامح كمفهوم في العالمين العربي والاسلامي ما زال غير مقبول لدي اوساط واسعة، وربما نظرت اليه بعض الاتجاهات الاقصائية والالغائية علي انه نبت شيطاني او فكر مستورد خصوصاً مع خلط المفاهيم تعسفاً احياناً، بالنزعات التغريبية وتصويرها باعتبارها استتباعا واستخذاء للآخر، الخارجي، الاجنبي، المختلف، الخصم والعدو! والامر ينسحب علي نحو اشد ربما علي النطاق الداخلي وفي داخل كل بلد عربي أو جماعة سياسية ودينية ومذهبية واثنية!ويهرب اصحاب هذا الاتجاه الي التاريخ، ملاذهم، بالادعاء: ان الاسلام الاول، الراشدي اتسم بالتسامح والاعتراف بحق الاختلاف،وهو وإن كان صحيحاً، لكنهم لا يناقشون الحاضر او يحاولون الزوغان عن كل ما من شأنه الاعتراف بمبادئ التسامح وحق الاختلاف في زمننا الحالي، فهو من وجهة نظرهم مرفوض ومستغرب، في محاولة تمجيدية للماضي وادعاء الافضليات، لذلك احتاج هذا المفهوم الي تبيئة وتأصيل تاريخي بهدف جعله راهناً ومستمراً وقائماً.وبالعودة الي الزمن الحاضر، هناك موقفان من مسألة التسامح:الاول ـ يرفض كل حديث عن التسامح علي النطاق الديني او الفكري او السياسي او الثقافي او الاجتماعي، الداخلي او الخارجي (الدولي) بحجة امتلاكه للحقيقة والافضليات، اما المختلف والآخر فإنه لا يمثل سوي النقيض، وعلي المستوي العالمي فإنه يمثل الكفر والاستكبار. جدير بالذكر ان كلمة التسامح لم ترد في القرآن، لكن ورد الكثير مما يدلّ عليها.الثاني ـ تيار اصلاحي (توافقي) يتقبل بعض افكار التسامح بهدف مواكبة التطور الدولي، لكنه يظل مشدوداً للفكر التقليدي السائد، وان كان يسعي للتواصل مع الآخر بحذر شديد. الهروب الي الماضي !ان القراءة الارتجاعية للنص الاسلامي وللتعاليم والمفاهيم الاسلامية دون عُقد الحاضر وحساسياته، ودون اخضاعها لحسابات مؤقتة وربما طارئة، تؤكد ان الاسلام المفاهيمي ومن خلال عدد من فقهائه، طريق رحب يمكن ان يسلكه الانسان في حياته، طريق مفعم بالحيوية والنشاط والانفتاح والعطاء، بعيداً عن أصابع المفسرين والمؤولين المتشددين واللامتسامحين من الاسلامويين، الذين حاولوا تطويع احكامه بطريقة مؤدلجة تماشياً مع القيم السائدة والافكار المتعصبة والمغلقة وخدمة لمن بيدهم الامر.وساهمت بعض هذه التنظيرات في كبح جماح العقل وتحويل تعاليم الاسلام الي مجرد تعاويذ و أدعية ووصفات جاهزة ومعلبة، اقرب الي التحنيط والجمود والصنمية خصوصاً ازاء الآخر، وعبر يقينيات لا تقبل الجدل او الحوار.كان الي جانب الاسلام والايمان نقيضهما أحياناً في دولة الاسلام المدنية، ولكن ثقة الاسلام بنفسه جعلت التعايش ممكناً مع النقيض. حسبي هنا ان اشير الي احتواء كتاب التوحيد الكافي علي اقوي الاستدلالات، التي استند اليها منكرو التوحيد دون ان يؤثر ذلك في عرض الرأي الآخر المناقض، المخالف، المعارض، حتي وان احتوي علي ما يتعارض مع جوهر الايمان.الاسلام بتعاليمه لم يجد غضاضة في الجدل والنقاش ونقل الرأي المخالف انطلاقاً من قاعدتين :1ـ مبدأ التسامح ازاء سماع الرأي الآخر.2 ـ الايمان بالعقل باعتباره الاساس في المحاججة وليس النظرة المسبقة.ليس ثمت تناقض بين العقل والايمان، وهو جوهر النقد الذي تناوله البابا في محاضرته التي اثارت ردود فعل شديدة، لكن التاريخ الاسلامي شهد فترات سبات للعقل وتغلّب عليه العنف وساد السيف قبل الرأي، ولكننا لا بدّ من التمييز بين الاسلام كمفاهيم ومبادئ ومعتقدات وتعاليم وبين التاريخ والممارسات والتطبيقات والتجاوز علي المبادئ.وهناك نموذجان احدهما معياري والثاني واقعي، فهناك من يقرّ بالاختلاف وبالتالي بالتسامح في المسائل الفرعية، وهناك من يذهب أبعد من ذلك حين يقرّه في المسائل العقدية والاصول فكل مجتهد مصيب في اجتهاده، وان لم يصب في حكمه وذهب الامام الشافعي للقول: رأيي صواب ولكنه يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ ولكنه يحتمل الصواب .وقديماً قيل قد يصيب الناظر وجهاً من وجوه الحقيقة، وهو ما ذهب اليه ابن رشد، ولهذا فإن تباين الاجتهادات واختلاف التفسيرات، انما يدل علي تباين الطرق الموصلة الي الحقيقة، فطريق الحق ليس واحداً، بل كثيرا ومتعددا، وهو الامر الغائب عن واقعنا الحاضر الشديد الالتباس والبعيد عن قيم التسامح.هناك بعض الاسلاميين المتعصبين ، يعتبرون أي حديث عن التسامح يقود الي التساهل ازاء العقيدة والي الاباحية وبعبارة اخري: نشر الليبرالية بكل ابعادها علي حساب الدين. وهو ما يذهب اليه مصباح يزدي احد منظري التيار اليميني المحافظ في ايران، الذي يعتبر التسامح يعني فيما يعنيه: التسيّب وانعدام الغيرة واسلوباً تخريبياً ضد الاسلام، يؤدي الي الانحراف والتحلل، في حين يميل تيار محمد خاتمي الرئيس الايراني السابق الي التسامح، ويدعو راشد الغنوشي الي هذا الاتجاه، ويعتبر فكر التشدد والتكفير وادعاء احتكار الاسلام وزعم النطق باسمه، اكثر خطراً من الصهيونية والغرب والحكام المستبدين! الراهن والمستقبلاعتقد ان جزءا من مشكلة الراهن والمستقبل، تكمن في المتراكم السلبي والموروث اللامتسامح، والذي تجري محاولات لاجتراره بهدف الحفاظ علي سكونية المجتمع وانظمة الحكم السائدة، التي لا تقبل بالتنوع والاختلاف والتسامح والديمقراطية، ومثل هذا الامر يجد صداه داخل المجتمع عبر تيارات متطرفة ومتعصبة تحمل راية الاسلام او ما نطلق عليه الاسلام السياسي ، فقسم كبير منه يحاول توظيف تعاليم الاسلام ضد الاسلام ولاغراض سياسية ضيقة، وهو ما نطلق عليه اسم الاسلاملوجيا الذي يقابله في الغرب ويزداد التهويل به، يحرّض علي الاسلام ويعاديه ويثير المخاوف منه وهو ما نسميه: الاسلامفوبيا : الرهاب من الاسلام ، كجزء من الزينوفوبيا الرهاب من الاجانب ، تلك التي يقابلها في عالمنا العربي والاسلامي الغربفوبيا: العداء لكل ما هو غربي، باعتباره غريباً وكل غريب واجنبي مريب، وبالتالي يدخل في خانة الخصم أو العدو، وغيرها من التهم والاستعداءات الجاهزة! يمكن القول ان في الغرب حداثة وثقافة ومستودعا هائلا ولا حدود له من العلوم والتكنولوجيا اضافة الي الجمال والعمران والفن والادب، وقد تعلمنا منها الكثير وافادت منه البشرية كثيراً، وقد وقف الغرب الثقافي والانساني، الي جانب قضايانا العادلة وفي مقدمتها حقوق الشعب العربي الفلسطيني . اما الغرب السياسي فتحكمه المصالح ويقوم علي فلسفات وآيديولوجيات، قد تتعاكس مع مصالحنا وأهدافنا خصوصاً مواقفه ممارساته السلبية والضارة إزاء قضايانا.العرب والمسلمون ليسوا كلهم أبالسة او شياطين او تنظيمات القاعدة كما يفكرّ ويتعامل بعض المسؤولين في الغرب، كما ان الغرب ليس كله استكبارا وهيمنة واحتلالا وعدوانا ففيه قيم ثقافية وانسانية وجمالية ومجتمع مدني، كان سبّاقاً بل أكثر من مجتمعاتنا في الاحتجاج علي شن الحرب علي العراق وكذلك في التضامن مع الشعب الفلسطيني واللبناني… وهذه النظرة الشمولية الاستباقية الوحيدة الجانب تشكل نقيضاً للاعتدال والوسطية خصوصاً في العلاقة مع الآخر، والاكثر من ذلك هي نقيض للواقع والعقل، سواء صدرت عبر تصور مسبق من الغرب السياسي ولاهداف سياسية محددة او صدرت من بعض الجماعات الاسلاموية او المتعصبة، التي تستند الي التعميم وهو الصخرة التي يتكئ عليها المتعبون، او الذين لا يريدون استخدام العقل! الاسلام والواقعية!وفيما يخصنا اعتقد انه لا يمكن للاسلام كدين ان يتقدم وأن يتفاعل مع الحضارة الكونية، إنْ لم يأخذ قسطه من التسامح، بمعني الاعتراف بالآخر، والبحث عن حلول وسط يمكن قبولها بما لا يبتعد عن مبادئ العدالة والحق، هكذا يصبح المشترك والتعايش وقبول الآخر اساساً وليس إلغاءه او اقصاءه او تهميشه! ان استعراض حلقات مضيئة في التاريخ الاسلامي امر يمكن البناء عليه، اضافة الي القرآن والسنة، مثل: حلف الفضول، الذي انصف المظلوم (وهو من احلاف الجاهلية، الذي أبقي عليه النبي محمد ص بعد الاسلام) ودستور المدينة الذي اعترف بالآخر ومنحه الحقوق (قبل اكثر من 1400 سنة)، وصلح الحديبية مع المشركين، والعهدة العمرية التي منحها عمر بن الخطاب(رض) عام 15 هـ الي المسيحيين والبطريرك صفيرنيوس عند فتح القدس ووثيقة فتح القسطنطينية، التي اعترفت بحقوق الآخر (المسيحي) ودينه وممتلكاته وطقوسه وشعائره وغير ذلك، لكن الاصح بتقديري هو نقد التجربة ومراجعة بعض جوانبها الفكرية وبخاصة السلبي منها، ولا بد من اخذ السياق التاريخي بنظر الاعتبار بهدف استشراف المستقبل وبحثاً عن المشترك الانساني والتواصل الحضاري والتفاعل الثقافي.سأتناول هنا بعض المفاصل التي بحاجة الي إعمال الفكر باستشراف آفاق من الاسلام المتسامح!1- التعامل مع المشركين هل يمكن الاستناد الي آيات السيف أم آيات الاسماح؟ وحتي لو ألغت آيات السيف آيات الاسماح، فان الامر لا يتعلق بمخالفة التنزيل او التناقض معه، بل اخذ الامر ضمن سياقه التاريخي: مثلاً ان آية لا اكراه في الدين قد نسختها آيات السيف، وان سورة التوبة قد ذهبت عكس ذلك فاذا انسلخت الأشهر الحُرم، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم… (الآية الخامسة) فما العمل؟.اذا لم نأخذ هذا النص باعتباره وليداً لظروفه التاريخية، فإننا سنكون امام دعوة للقتل والاستباحة، ولا أظن ان ذلك له علاقة باسباب نزول الآية او بفكرة الجهاد او بالتعاليم الاسلامية السمحاء. لا يمكن هنا اخذ الاطلاق علي اطلاقه، مثلما تذهب بعض الاتجاهات الاسلاموية، واذا عدنا الي السياق التاريخي، سنري ان المقصود بالمشركين هم الذين لم يراعوا العهد مع المسلمين في الجزيرة العربية او الذين نكثوا العهود ومارسوا الغدر! وهذا الامر محصور بتلك الوقائع التي لا يمكن تعميمها!وكذا الحال عند الحديث عن الكفار واعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم… ومثل هذا الامر يعتبر تهديداً باستخدام القوة حسب المصطلح المعاصر في العلاقات الدولية، بل انه دعوة للتحضير للحرب الدائمة والمستمرة بربطها مع التعاليم الاخري التي تحض علي القتل ، ولكن المقصود به هو الدفاع عن النفس وحماية الدولة الاسلامية الناشئة بعد الهجرة المحمدية، وذلك امر مشروع ومبدئي وليس المقصود به التحفز الدائم للحرب باعتباره القاعدة، في حين الجنوح للسلام يظل الهدف، الذي تسعي اليه البشرية وإنْ لم يتحقق!!ان سورة التوبة والأنفال (وهما سورتان مدنيتان – اي نزلتا في المدينة) كان يراد لهما : حماية الدولة الاسلامية في طورها الجنيني، ولا علاقة لها بالحرب المستمرة او الدائمة ضد الكفار او المشركين حتي وان كانوا ماكثين في ديارهم.واستندت بعض التنظيمات الاسلامية علي بعض النصوص الواردة في القرآن باعتبارها متكأً يمكن استخدامه للوصول الي تحقيق اهدافها ضد دولة الكفر وفي دار الحرب ، دون الاخذ بنظر الاعتبار الظرف التاريخي وتبدّل الاحكام بتبدل الازمان واسباب النزول، اقصد بذلك محاولة توظيف بعض العمليات الارهابية في الغرب بما فيها احداث 11 ايلول (سبتمبر) الارهابية في الولايات المتحدة استناداً الي تلك الاطروحة الاستئصالية بتقسيم العالم الي فسطاطين.يمكن القول ان آيات السيف كانت لها اسباب خاصة للنزول وهي محكومة بظرف تاريخي محدد، يتعلق بالصراع الذي كان دائراً بين الدعوة المحمدية الايمانية، وبين المشركين في محاولتهم القضاء عليها، خصوصاً محاولات الالتفاف والاختراق والغدر التي تعرضت لها.ان تلك الآيات محصورة بوقت نزولها ولا يمكن تعميمها كما يذهب بعض الفقهاء، بل انها غير قابلة للتطبيق، فهل يمكن محاربة او قتل ما يقارب 3 مليارات مشرك او من غير الموحدين؟ وكيف السبيل للتمييز بين دار الحرب ودار السلام، حتي تسلم البشرية ، ولعل بعض الدول الاسلامية وجدت دولاً غير اسلامية اقرب منها الي الدول الاسلامية، في حين دخلت بحروب ومعارك مع دول اسلامية، بل دول شقيقة!2- فكرة الجهادلا بد من مناقشة فكرة الجهاد الذي تطرحه بعض القوي الاسلامية، من زاوية مستقبل الاسلام والتسامح والعلاقات الدولية. فهل يمكن للعالم الاسلامي تحريك فكرة الجهاد علي المستوي العالمي، أم انها ستؤدي الي كوارث وحروب وهدر طاقات وتعطيل للتنمية وحقوق الانسان والديمقراطية؟ وهي احوج ما تكون اليها البلدان الاسلامية قبل غيرها. ان الفكرة الساذجة والسطحية، التي يتم الاستناد اليها لا يجمعها جامع بفكرة الجهاد الحقيقي، وخصوصاً في ظل اوضاع الحاضر، بمعني الدفاع عن النفس ضد العدوان والاحتلال، الدفاع عن الوطن والعِرض والمال والدين، فهــــذا امر يتسم بالمشروعية الدولية من جانب قواعد القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة والعديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية. أما حق الفتح و نشر الدعوة بقوة السلاح والقضاء علي دولة الكفر او غير ذلك، فهذا شيء آخر، فاضافة الي انه مخالف لقواعد القانون الدولي المعاصر فانه لا يتسم بالواقعية ناهيكم عن مبادئ العدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها واحترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية!والاكثر من ذلك فإن توفر شروط الجهاد مسألة خلافية لدي المسلمين أنفسهم، فالبعض يعتبرها مرتبطة بالخلافة الاسلامية، التي هي وحدها المخوّلة به، والخلافة الاسلامية كما نعلم قد تفككت وانحلت بعد زوال الدولة العثمانية، ولذلك تصبح دعوة هذه الدولة او تلك او افراد مسلحين او منظمات، الي الجهاد مسألة لا تحظي بالاجماع بل يعتبرها البعض غير شرعية، طالما لا وجود للخلافة بمعني اجماع الامة وهو ما يذهب اليه الفقه السني في غالبية مدارسه.اما الفقه الشيعي (الجعفري) فان المهدي المنتظر الامام المستور او الغائب ، هو المكلف وحده باعلان الجهاد، وهكذا تصبح فريضة الجهاد، حسب الكثير من الفقهاء معطلّة بغياب الوحدة الاسلامية عدا الدفاع عن النفس، وهو ما يحاصر فكرة نقل المعارك عبر تفجير الابراج والاعمال الارهابية الي داخل الغرب وليس للدفاع عن الوطن او الدفاع عن النفس او مقاومة المحتل والتصدي للعدوان، وهو ما شهده نموذج المقاومة اللبنانية خلال 33 يوماً من الحرب والاستبسال.3- اهل الذمةاعتقد انه لا يمكن للعالم الاسلامي السير في ركب الحضارة، اذا استمر متمسكاً بفكرة اهل الذمة، التي تعتبر مخالفة لفكرة المواطنة ومبادئ حقوق الانسان وقواعد الدولة الدستورية العصرية. واود هنا الاشارة الي ان الدولة العثمانية كانت قد ألغت قانونياً في منتصف القرن التاسع عشر نظام اهل الذمة، وبات غير المسلمين يشاركون في الحرب ولا يدفعون الجزية، وهـــذا المفهوم هو الآخر مناقض لمبادئ المساواة والمواطنة التامة وهما ركن الدولة العصرية.واستناداً الي ذلك ينبغي ان يغيب تقسيم العالم الي دار الاسلام و دار الحرب بمعني ان التصادم التناحري بين امة المسلمين والامم الاخري، باعتباره امراً حتمياً ولا مناص منه، لم يبق له ما يبرره مقابل المصالح السياسية والاقتصادية والتبادل الثقافي والتواصل الحضاري والمنافع المشتركة.علي المستوي الداخلي لم يبق من تفاضل بين المسلم وغير المسلم، الاّ في بعض الانظمة التقليدية، في حين ان الدولة العصرية التي تستند الي القوانين الوضعية، اخذت بمبدأ المساواة والمواطنة الكاملة، ولهذا يصبح استمرار ثنائية المشهد، امر يعود الي الماضي ولا بدّ من إلغائه. والاكثر من ذلك يوم تنتصر دولة غير اسلامية لصالح دولة اسلامية، بينما تصطف دولة اسلامية ضد دولة اسلامية اخري. (امثلة كثيرة صارخة منهما: الحرب العراقية- الايرانية وغزو الكويت والحصار والحرب علي العراق، وافغانستان …الخ).السلم اصبح هو القاعدة وهو ما يمكن الاستناد اليه في الاسلام وان جنحوا للسلم فاجنح لها (سورة الانفال- 61)، كذلك اذا توقف العدو عن محاولات الاعتداء، فلا بدّ من البحث في الوسائل السلمية لتسوية المنازعات، وذلك تعبيراً عن تطور العلاقات الدولية والقانون الدولي.ويمكن الاستناد الي ما جاء في التنزيل: فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ( سورة النساء -90). وكان هناك ميل الي الطور المكيّ عملاً بالوحي: قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدي فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضل عليها وما انا عليكم بوكيل (سورة يونس 108). وهناك مجموعة من الآيات بهذا الاتجاه منها: الله ربنا وربكم. لنا اعمالنا ولكم اعمالكم. لا حجة بيننا وبينكم. الله يجمع بيننا واليه المصير .(سورة الشوري 15).ولعلّي كمسلم أشعر تماماً في بلد اكثريته الساحقة من المسلمين، بضرورة حماية الاقلية المسيحية والاقليات الاخري الدينية والمذهبية والإثنية واللغوية وغيرها، علي أساس المساواة الكاملة، وضمان حقها في التطور المتكافئ، بل إن ذلك واجب الدولة والمجتمع، والأكثر من ذلك من حق المسيحي ان يتولي أعلي الوظائف طبقاً لكفاءته ومؤهلاته ودون أي تمييز وكعربي أيضا في بلد أكثريته الساحقة من العرب، أشعر بضرورة حماية القومية الثانية الكردية، الشريك في الوطن العراقي، وكذلك واجب حماية الاقليات القومية الاخري كالتركمان والكلدان وغيرهم وحماية الاقليات الدينية كاليزيديين والصابئة وجميع التكوينات، وكذا الحال في المجتمعات والدول المسلمة الاخري. وأشعر أن هذا الموقف ليس افتئاتاً او مجاملة وإنما يمثل جوهر الموقف الانساني الطبيعي والإحساس بالعدالة والمساواة وبالآدمية، التي هي منحة ربانية لجميع البشر. وبالطبع فإن من واجب الأقليات أيضاً احترام حقوق الاغلبيات وفقاً لمبادئ المواطنة السليمة والمنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص والمساواة وقواعد اللعبة الديمقراطية ومواثيق حقوق الانسان.إن فكرة دفع الجزية مقابل الحماية وغيرها، ناهيكم عن فكرة نشر الاسلام بقوة السيف، لم تعد واقعية او ممكنة فضلاً عن ذلك فليس لها ما يبررها او يعطيها صفة العدل، بل الاكثر من ذلك أن ملايين المسلمين الآن يعيشون في بلاد الغرب المسيحي، ويتلقون الإعانات والدعم وينعمون بالحرية بعد أن فرّوا من بلادهم بسبب الاضطهاد السياسي او القومي او المذهبي او غير ذلك. اتبقي هي: دار الحرب ؟ ولكن لماذا الفرار من دار الاسلام اذن؟ هذه الامور بحاجة الي مراجعة واعادة نظر خصوصاً ونحن في عالم متواصل، مترابط، ومتشابك.ولعل الموقف من المرأة في ظل التطور الدولي والمعاهدات والاتفاقيات الدولية ومسألة مساواتها مع الرجل، تشكل ركناً من اركان هذا التطور، الذي ينبغي علي المسلمين، وبشكل خاص المؤمنين منهم، اخذه بنظر الاعتبار من أجل إحداث التوافق والانسجام مع العالم المتقدم ومع الكرامة الانسانية التي منحها الله لبني البشر نساءً ورجالاً، مفضلاً إياهم علي سائر المخلوقات. لا بدّ من اخذ مسألة إلغاء جميع اشكال التمييز ضد المرأة بنظر الاعتبار، اذ لم يعد مقبولاً في الدولة العصرية والمبادئ الدستورية اية حجج او ذرائع او مبررات تجيز او تسوّغ التمييز او الانتقاص من حقوق المواطنة الكاملة والمساواة التامة!خاتمة متي يؤتي هذا الفكر ثماره ويقرأ المسلمون كتابهم علي هدي التاريخ والنقد التاريخي، وليس مجرد احكام سرمدية لا علاقة لها بالزمان والمكان. وكما سبق لهم أن ألغوا الرقّ عملياً ولم يلغوا التنزيل المتعلق به، وكيف جمّد عمر بن الخطاب العمل بالعقوبات الصارمة في عام الرمادة اي عام القحط وغيرها، يتمني المرء أن يسرع المسلمون والمتدينون منهم بشكل خاص لحاقاً بالعالم المتقدم وفي بلدانهم، الي منح الحرية الكاملة لابناء الديانات الاخري من المواطنين غير المسلمين في التعبير عن انفسهم، ليس فقط في العبــــادات وإقامة الشعائر والطقوس، ولكن في تولي المناصب العليا في الدولة علي اساس المساواة في الحقوق والواجـــبات، مسلمين ومسيحيين وبقية الاديان شراكة ومساواة ومواطنة كاملة وليس رعايا و أهل ذمة او غير ذلك من اسباب التمييز.ولا بد هنا من اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والاخلاص لإظهار التسامح الإسلامي بوجهه الحقيقي، وبما ينسجم مع متطلبات الدولة الدستورية الحديثة والمواطنة الكاملة، دون تمييز لأي سبب كان وفي إطار مجتمع موحد، الذي هو تعبير عن الرغبة بعيش مشترك ومساواة تامة، فذلك السبيل للعيش مع بقية الشعوب والامم الاخري لتحقيق السلام العالمي هدف الانسانية جمعاء واساس فكرة التسامح التي تعتمدها الاديان وتستند اليها الفلسفات.ولعل مثل هذه الامور يمكن أن يضطلع بها الفقهاء ورجال العلم والمثقفون، الذين يمكن أن يمهّدوا السبيل بقراءة جديدة للتاريخ، انسجاماً مع روح العصر والتطور العلمي والتكنولوجي والمساواة التي تتطلــــبها الدولــة العصرية ومعايير حقوق الانسان. ولا بد هنا من اجراء حوارات موسعة علي مستوي النخب الفكرية والثقافية والسياسية الحاكمة وغير الحاكمة، وكذلك في قطاعات المجتمع المدني بما فيها المؤسسات الدينية لتأكيد مبادئ المساواة وعدم التمييز في القانون وأمام القضاء وفي الواقع العملي، تمهيداً لترسيخ تقاليد احترام الرأي الآخر، بما يؤدي الي اصلاح الخطاب الديني والبحث عن المشتركات الانسانية لبني البشر ووضعها في إطار قانوني دستوري بعد بثها كمفاهيم ومن ثم حقوق حين يتبناها المجتمع، الي أن تتبلور لتصبح قواعد ونصوصاً قانونية تتصدر الدساتير، ومن ثم إيجاد الآليات المناسبة لحمايتها عبر مؤسسات معتمدة وبهذه التوجهات يمكن الانفتاح والحوار والتواصل مع الآخر والتعايش والاعتراف واحترام الخصوصيات، في اطار المشترك الانساني. ولعل ذلك يشكل جوهر النظرة المستقبلية لجدلية علاقة الاسلام بالتسامح!!ہ مفكر وباحث عراقي7