بيروت-“القدس العربي”: انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة التسول المبطن داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وأطلقت النداءات وارتفعت أصوات المرضى والمحتاجين والفقراء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، طالبين من الأيادي البيضاء، أو فاعلي الخير، مساعدات مالية وعينية لإجراء عملية جراحية أو شراء دواء أو مواد غذائية، في ظل الفقر المدقع وارتفاع نسبة العوز والبطالة وغياب المؤسسات المعنية والمسؤولة عن معالجة هذه الظاهرة التي عمت المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان.

وصارت هذه الظاهرة مصدر قلق وخوف من أن تشكل، خطرا اجتماعيا، لا يمكن التنبؤ بانعكاساتها على كرامة وطبيعة حياة اللاجئ الفلسطيني خلال المقبل من الأيام. وحذرت شخصيات ومؤسسات فلسطينية معنية بحقوق اللاجئ الفلسطيني في لبنان من انتشار هذه الظاهرة، وأطلقت مبادرات فردية وجماعية من أجل تقديم المساعدات للاجئين الفلسطينيين للحد من التسول المبطن.
ثلاث مرجعيات
وأكد الكاتب الفلسطيني يوسف أحمد لـ”القدس العربي” أن للاجئين الفلسطينيين في لبنان ثلاث مرجعيات: الأونروا والدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية. ولكل منها وظائفها الخاصة، ولا يمكن الخلط بين وظائف واختصاصات هذه المرجعية وتلك. بل أن بعض الخدمات هي حصرا من مسؤولية الدولة اللبنانية كحق التملك والعمل، فيما تتحمل وكالة الأونروا مسؤولية الإغاثة والتشغيل وتقديم الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية، كما يقع على عاتق منظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب دورها السياسي والمرجعي والوطني الاسهام أيضا من خلال مؤسساتها واتحاداتها المتعددة في توفير مقومات الصمود للاجئين وتوفير الخدمات التي لا تندرج ضمن مسؤوليات الأونروا والدولة اللبنانية.
نظرة سريعة على ما تقدمه المرجعيات الثلاث للاجئين الفلسطينيين في لبنان نستطيع أن نلحظ بشكل مباشر تخلي الدولة اللبنانية عن واجباتها تجاه اللاجئين الفلسطينيين من خلال استمرار حرمانها لهم من حقوقهم الإنسانية والاجتماعية ولا سيما حق العمل والتملك، كما نستطيع أن نلحظ أيضا تراجع مساعدات وكالة الأونروا واتخاذها سياسة تقليص الخدمات منذ بدء مشروع التسوية في بداية التسعينيات، والتي وصلت في السنوات الأخيرة لمستويات مخيفة، حيث طالت تقليصاتها معظم البرامج، فأوقف باب التوظيف، والغيت العديد من برامج الإغاثة، وتراجعت التقديمات الصحية إلى جانب التراجع في برنامج التعليم، وهذا الحال يسحب نفسه على منظمة التحرير الفلسطينية التي تعيش اتحاداتها الوطنية حال من الشلل منذ خروج المنظمة من لبنان واقفال العديد من المؤسسات التشغيلية وتراجع تقديمات مؤسسة الهلال وغيرها من الخدمات التي حرم منها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان.
خطورة واقع اللاجئين
هذا الواقع، أسهم بتفاقم مشكلات وأزمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ولعل الدراسة الأخيرة للجامعة الأمريكية والأونروا تؤكد خطورة واقع اللاجئين، حيث أظهرت الدراسة أن ما نسبته 56 في المئة من الشباب والمهنيين الفلسطينيين في لبنان عاطلون عن العمل. وارتفاع نسبة الفقر بين اللاجئين تقارب 42 في المئة. وعلى الصعيد الصحي، وجد الباحثون أن نسبة 72 في المئة من العائلات تعاني من إصابة أحد أفرادها بمرض مزمن، أو أكثر. وتسجل لدى نسبة 15 في المئة منها إعاقة واحدة على الأقل، ولدى نسبة 41 في المئة نوع من الكآبة المزمنة. وتبلغ نسبة المصابين بمرض مزمن من اللاجئين 31 في المئة أي حوالي ضعف الرقم اللبناني الذي يبلغ 17 في المئة.
أمام هذا الواقع، وأمام تقصير المرجعيات والجهات المسؤولة عن تقديم الخدمات للاجئين، بدأت تظهر في السنوات الأخيرة بعض المبادرات الفردية، ونداءات الاستغاثة التي يطلقها ناشطون في المخيمات لتقديم المساعدة والتبرع لهذه العائلة أو ذاك المريض، فالعجز عن دفع تكاليف العلاج أصبح شائعاً، بسبب ارتفاعه من جهة، وانخفاض المستوى المعيشي للاجئين من جهة ثانية، ومع اشتداد حدة الأزمة الاقتصادية والمعيشية في لبنان بتنا نشهد أيضا نداءات الاستغاثة لتقديم المساعدة لتوفير الطعام أو إيجار المنازل لبعض العائلات في بعض المخيمات. وقد أظهرت العديد من النداءات والحملات الإنسانية روح وحجم التضامن والتكاتف الاجتماعي والإنساني رغم قساوة الظروف والواقع المعيشي الصعب للاجئين الفلسطينيين.
ومن نافل القول في هذا المجال، أن صعوبة الوضع الاقتصادي والمعيشي والصحي للاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان، لم تعد تكفيه المبادرات الفردية، على إيجابياتها، ولا يجوز أن يوضع اللاجئ الفلسطيني في موقع المتسول للقمة عيشه ولصحته أو يموت على أبواب المستشفيات بسبب عدم توفر تكاليف العلاج لديه.
لقد بات الأمر يتطلّب رؤية مشتركة لكل ألوان الطيف السياسي والاجتماعي الفلسطيني للنهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي الذي بات يشكل خطرا على حياة ومستقبل اللاجئين الفلسطينيين، وهذا بالضرورة يفرض على المرجعيات المعنية في الأونروا والدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية تحمل مسؤولياتها والقيام بدورها المطلوب في توفير الحياة الكريمة للاجئين ودعم صمودهم ونضالهم لحين العودة إلى ديارهم في فلسطين وتطبيق القرار 194.
وقال علي هويدي، مدير عام الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين لـ”القدس العربي” معلقا، إن الأمم المتحدة تتحمل المسؤولية الكاملة لما وصل إليه اللاجئون الفلسطينيون عامة وفي لبنان خاصة من أوضاع مأساوية. وطالب الأمم المتحدة بتوفير الحماية الدولية للاجئين الفلسطينيين، لا بل هي واجبة إلى حين عودتهم إلى بيوتهم في فلسطين وفقاً لقرار الجمعية العامة رقم 194 لتاريخ 11/12/1948 الذي أكد على حق العودة والتعويض واستعادة الممتلكات، وبالتالي أي ظروف اقتصادية واجتماعية خانقة يمكن ان يمر بها اللاجئ الفلسطيني كما هو حاصل الآن في لبنان، واجب على الأمم المتحدة التدخل العاجل من خلال دعم وكالة “الأونروا” التي أنشأتها في سنة 1948 خصيصاً للاجئين الفلسطينيين من دون سواهم من اللاجئين لتلبية جميع الاحتياجات الضرورية من خدمات الصحة والتعليم والإغاثة وغيرها من لا أن يترك اللاجئ يطالب بحقوقه المشروعة كالمتسول على الأبواب.
المسؤولية دولية
وعلى أهمية المساعدات التي تقدمها الجمعيات والمنظمات غير الحكومية المحلية والإقليمية والدولية للاجئين، إلا أن هذا لا يكفي على الإطلاق والمسؤولية يجب أن تكون دولية. وباعتقاد هويدي، أن الحماية الدولية تشمل المساعدات الإنسانية بما يكفل للاجئين كرامتهم الإنسانية وحقوقهم الأساسية من مأكل وملبس، ومأوى ورعاية صحية، وتعليم، بالإضافة إلى الحماية القانونية.
ولكن للأسف ما هو مقدم من “الأونروا” لا يتعدى الحماية الإنسانية غير المكتملة التي تقدمها من خلال برامج الصحة والتعليم والقروض، والحماية القانونية غير المكتملة التي تقتصر على تقديم الاستشارات القانونية فقط، وبغياب كامل للحماية الجسدية وهو ما يشجع الدول أن تتعاطى مع اللاجئ الفلسطيني وفق ما تراه مناسبا وليس ضمن أنظمة وقوانين محددة.
وبالتالي وللأسف تخضع معاملة اللاجئ الفلسطيني في لبنان إلى التركيبة والتوازنات الطائفية، والخوف الدائم من التوطين، إذ تعلل غالبية الطبقة السياسية اللبنانية بأن عدم إعطاء اللاجئ الفلسطيني حقوقه الاقتصادية والاجتماعية (التعليم، والتملك، والاستشفاء، والعمل، وإنشاء المؤسسات) هو لصالح اللاجئ الفلسطيني نفسه كي لا يندمج في المجتمع اللبناني وبالتالي ينسى حقه في العودة، وهذا مخالف للواقع. إذ أن تجربة فلسطينيي سوريا مثلاً وفلسطينيي الأردن شاهد حي، إذ أن الأول يحصل على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثاني يحصل بالإضافة إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على الحقوق السياسية، وما زال يتمسك بحقه في العودة إلى بلاده.
المخاوف ليست فقط من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والتي أشار إليها المسح الاقتصادي والاجتماعي الذي نفذته وكالة “الأونروا” على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان سنة 2015 بأن نسبة البطالة وصلت إلى 56 في المئة أو نسبة الفقر إلى 71في المئة بالإضافة إلى ازدحام سكاني في المخيمات زاد عن 400 في المئة منذ النكبة مع مساحات جغرافية للمخيمات بقيت على حالها منذ نشأتها في العام 1948 وإنما أيضا هناك المخاوف الأمنية، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار وجود ما يقارب من 30 ألف لاجئ فلسطيني مهجر من سوريا إلى لبنان ويقيمون في المخيمات، ما يفاقم من صعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي هي صعبة أصلاً.
الدعوة الآن وبعد الأزمة اللبنانية التي طحنت اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والتجمعات وأوصلت نسبة البطالة في أوساطهم إلى ما يزيد عن الـ 80 في المئة بأن تأخذ “الأونروا” دورها وتوفر ما يلزم من احتياجات صحية وتعليمية وإغاثة للاجئين في أسرع وقت من خلال إطلاق نداء طوارئ عاجل، فهي أي الوكالة أحد الشرايين الهامة التي تساعد اللاجئ على الاستمرار في الحياة في المخيمات، لكن للأسف لا خدمات كافية من “الأونروا” تترافق مع عدم توفير الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من الدولة المضيفة والتي حتماً ستنعكس على الوضع الإنساني والأمني للاجئين، والذي سيتضرر منه ليس فقط اللاجئ بل الجميع.