نواكشوط ـ «القدس العربي»: فتح أحدهم مغلفا فيه وصية تركها له أبوه وشدد عليه في تطبيقها، فوجد فيها: لا تترك عمل اليوم لغد؛ هذه وصية مختصرة لكنها معتصرة من تجربة طويلة وعميقة في الحياة.
إنها علاج التسويف ذلك السلوك البشري المرافق للإنسان منذ نشأته؛ فالإنسان، بطبعه، ميال للدعة والراحة، كثير التهرب من الضغط، ومتخوف من دفعه لإنجاز أمر محدد جيد في وقت محدد.
من كل ذلك، نشأت ظاهرة التسويف، وهي الاتكاء على سين التسويف أو هي عملية تأجيل القيام بالمهام أو الالتزامات إلى وقت لاحق، على الرغم من قدرة المسوف على القيام بها في الوقت الحالي وبالرغم من العواقب السلبية لذلك التأجيل.
ومن المسوفين مصابون بالتسويف الاسترخائي، الذين يرون مسؤولياتهم بشكل سلبي ويتجنبونها من خلال توجيه طاقتهم إلى مهام أخرى، ومنهم المصاب بالتسويف المتولد عن القلق والتردد والتخوف.
ولا يخلو أي منا من قدر ما من التسويف في تصرفاته، ومنا من إذا عرضت عليه إنجاز أي مهمة، يجيبك وهو يتثاءب بجواب واحد “سأقوم بها فيما بعد”؛ ومن بيننا المسوف حتى في حياته العملية ومهامه الخاصة: تجد بعضنا يؤجل واجباته العملية، والدينية، عن أوقاتها، ويتكاسل عن إكمال مهامه الخاصة كأخذ الملابس من المغسلة فتتعرض للضياع، أو المرور بطبيب الأسنان فتزداد أسنانه تسوسا؛ وتجد طلابنا يؤجلون مراجعات دروسهم، وإكمالهم لبحوثهم وواجباتهم.
كل هذه التسويفات ينتج عنها تراكم للمهام وضياع للأشغال وحرمان من فرص مهمة.
ولقد شغل التسويف العالم حتى أفرد له يوما دوليا هو الخامس والعشرون آذار/مارس من كل عام، وهو يوم مخصص لتنبيه المسوفين على خطورة تأجيل أعمال اليوم لغد؛ مع أن التسويف المقصود هنا، يختلف في حقيقته عن الكسل واللامبالاة والخمول وعدم الرغبة في التصرف.
وللتسويف مخاطره ليس على الفرد فقط في خاصة نفسه، بل على المجتمع كله وعلى الإدارات الحكومية، حيث ينعكس التسويف الذي تولدت عنه البيروقراطية، على إنجاز مهام المواطنين في أوقاتها، وعلى إنجازها بأفضل ما يمكن.
يرى المحللون النفسيون أن التسويف ناتج عن عوامل نفسية وسلوكية، بينها عدم وجود حافز قوي لإكمال المهمة، أو أن إنجاز المهمة لا يتيح للشخص تحقيق هدف مهم؛ وقد ينتج التسويف عن القلق والتوتر والخوف من الفشل.
إلا أن المجمع عليه هو أن التسويف فشل في تنظيم الوقت، ومن أسبابه إمكانية استمتاع الإنسان بفوائد فورية بدل الانشغال بإنجاز مهام أقل إلحاحا، ويمكن أن يؤدي إلى التسويف كذلك، فشل الشخص في وضع خطة فعالة لإكمال المهمة. ومن أسباب داء التسويف، عدم وضوح الأهداف، ومنها عدم وضع أهداف صغيرة وواقعية، وعدم المهارة في تقسيم المهام إلى أجزاء أصغر، وعدم الانتباه لأهمية تحفيز النفس بمكافآت صغيرة عند إكمال المهام.
ومن أسباب التسويف السعي للمثالية ولتحقيق الأفضل، فيتطور الأمر من خوف عابر من الفشل لينتهي إلى التسويف وإلى تأجيل الأمور.
وأخطر مظاهر التسويف هو انتظار المسوف حتى اللحظة الأخيرة، بحجة أن أداءه أحسن تحت الضغط، وأنه معتاد على الإبداع في الدقائق الأخيرة مدفوعا بالنشوة وبالتحدي، لكن غالبا ما يعجز مسوف اللحظة الأخيرة، عن إكمال الإنجاز وإذا هو أنجز فإن إنجازه سيكون مفتقرا للجودة والإحكام.
والحقيقة أنه بالقليل من الجهد والتنظيم يمكن التغلب على مشكلة التسويف واقتلاعها من جذورها.
ولمعالجة النوع المزمن من التسويف، ينصح علماء النفس والمرشدون الاجتماعيون، بعدة إجراءات بينها تنظيم المهام، وتحديد مواد وأدوات العمل، والابتعاد عن التهويل، ومنها التفكير بالنتائج القريبة وإهمال النتائج البعيدة، ومنها
تجنب الأعذار، والتعود على الإنجاز الجبري.
وينصح بعضهم بوضع قائمة مسبقة للمهام، وتقسيمها إلى مهام أصغر ومنها الدخول في الخطوة الأولى فوراً وعدم التراجع، ومنها البدء بالأكثر صعوبة، والاعتناء بأوقات الراحة فهي تساعدك في إتمام عملك ومهامك المطلوبة.