التشكيلية الأردنية نعمت الناصر: الفن مرآة تعكس دراما يعيشها الإنسان

حجم الخط
0

روح تبحث عن الكمال، في سعي دائمٍ للتعبير عن الحياة بتحولاتها كافّة. في أعمالها تتجسّد الحياة برموز ودلالاتٍ تفتح أبواباً كثيرة للتأويل. تستنهض العاديّ والمألوف ليعبّر عن نفسه، هاجسها البحث المستمر عن تقنيات وأساليب جديدة بما يساعدها على التعبير أكثر عن مكنونات ذاتها.
الفنانة التشكيلية نعمت الناصر* في حوار عن تجربتها الفنيّة ورؤيتها إلى الحياة و الفن .
* يقول بيكاسو : «أنا لا أبحث بل أجد» ، أين تقف نعمت من هذا القول ؟
– يكون الفنّان باحثاً عندما يقتصر على الأسلوب المستخدم في الرسم والتكوين أو التكنيك الذي ينتهجه بعيداً عن الابتذال، فهو يجرب استخدام خاماتٍ عديدة، وأحيانا يبتكر تقنياتٍ جديدة مصادفةً ،أو حين يرتكب خطأ ما فإنه يجيّره لمصلحة العمل ويبتكر طريقة جديدة . لكن المؤكد، أنّ على الفنان ألا يبحث عن موضوع العمل، فإذا بحث عنه فهو ليس فناناً، و سيكون عمله مفتعلاً؛ لأنّ المواضيع كثيراً ما تأتي عبر الأحداث التي تحيط به فيعبر عنها بطريقته الخاصة . أنا أبحث عبر العمل التواصل وما يتوفّر لدي من موادٍ وخامات تساعدني على البدء بعملٍ فني يعبّر عن موضوعٍ أو حالة مررت بها، وأطوّع هذه الخامات لمصلحة العمل .
* هاجس البحث يقيم في أعمالك الفنية، ما الذي تبحث عنه نعمت ؟
– أبحث عن اكتمال الجمال بشكله الكلاسيكي، وليس جمال القبح الذي يروّج له فنانو ما بعد الحداثة، فنحن محاطون بالقبح نتيجة ما يحدث في أوطاننا، ولا أعتقد أننا بحاجة إلى المزيد منه. الفنون اسمها «الفنون الجميلة» لا يمكن أن تكون فنوناً دون أن تكون جميلة !
* في معرض «رموز ودلالات « قدمتِ لوحاتٍ تضم كائناتٍ كان لها أثر عظيم في تشكيل الموروث الشعبي والثقافي، ما الغاية من هذا المعرض؟ وما هي المساحة الجغرافية الّتي غطتها أعمال المعرض ؟
– الرمز عبارة عن توجّه سياسي أو عقائدي أو فكري ملخّص برسم مبسّط ككلّ موضوع . في البداية رسمت الكائنات كما هي، وعندما تعمقت أكثر قمت بجمع الرموز التي استخدمتها الشعوب في عمل واحد من خلال عمل (تواصل).
أما المنطقة التي تناولت رموزها فهي بلادنا العربية فهي الأقدم تاريخياً، ومنها استقت شعوب الأرض حضاراتها .
* لوحة تواصل تضمّ هذه الرموز كالهلال والسمكة والصليب والأرض والأمواج، ما الذي يعنيه الرمز لنعمت الناصر؟
– الرمز بالنسبة لي يمثّل قيمة جمالية بحتة، تبهرني الرموز أيّاً كانت وتدفعني للبحث فيها وإعادة تأويلها وإسقاطها، ثمّ إنّها إبداعات أجدادنا الفنانين، وهي جميلة وعميقة بمقدار ما هي بسيطة في الرسم والتصميم .
* ما خصوصية معرضك الذي أقمته في بيت عائلتك في أربد ؟
– هذا المعرض بالنسبة لي من أهم وأنجح المعارض التي أقمتها؛ لأني شعرت بأنّ أعمالي وضِعت في المكان الصحيح والمناسب، بالإضافة إلى شعور الطمأنينة وأنا أرى أعمالي موجودة في بيتي الذي ترعرعت فيه وتفتحت بهِ بذور موهبتي . في الحقيقة، لم أتوقع أن يأخذ المعرض صدى كبيراً وأن أبيع لوحاتي . هذا ما أسعدني و أشعرني بأني محظوظة !
* لكنّ المعرض هو تحية لروح والدك، أليس كذلك؟
– بلى، هو هدية لروحه وروح والدتي . كانت روحاهما ترفرفان في فضاء البيت الذي شكّلا تفاصيله المترعة بالحب . كلّ من زار هذا البيت أو سكنه من بعدنا أحبّه وتعلّق به، وكانت إقامة المعرض استكمالاً لهذا الحب وتحية لذاكرته الدافئة !
* إلى أيّة درجة يمكن عدّ الفنّ أسلوب حياة ؟ وهل غاية الفن أن يعبّر عن حقيقتنا ؟
– الشعوب العريقة تعدُّ الفنّ جزءاً مهماً وحيويّاً من حياتهم، ولا يستطيعون العيش بدونه . في مجتمعاتنا العربية و خصوصا في المدن القديمة « القاهرة، دمشق ، بيروت ، بغداد …
أؤمن أنّ الحياة ستكون جافّة لولا وجود الفنون فيها … الفنّ هو الهوية !
* هل يمكن عدّ الفن ّ دراما يعيشها الفنان بقدر ما يخلقها ويشارك فيها ؟
– الفن مرآة تعكس دراما يعيشها الإنسان، والفنان لا يخلق الدراما بل يمثّلها، ولكنّه يبالغ في أدائه، والمبالغة مشروعة. إذا لم يبالغ في مشاعره خلال التعبير عنها من خلال الفن فلن يؤثّر بالمتلقي .
* برأيك، هل يؤثّر الفن في حياة الفنان ؟
– نعم، الفن يؤثر في حياة الفنان ويبني شخصيته فهو إما أن يكون محبوباً ورائعاً، أو يكون مجنوناً حدّ الانغلاق على نفسه نتيجة غرقه بالحالة الفنية، فلا يحتمل وجود الآخرين الذين بدورهم لا يطيقون جنونه فيبتعدون عنه .
*كيف أثرت البيئة في فن نعمت الناصر ؟
نشأت في بيئة شبه قروية وشبه مدنية، تجدني أحيانا أنهل من الموروث القروي، وأحياناً أخرى مبهورة بإرث المدن العربية العريقة في محاولة للتقرّب إليها .
* يقول الفنان التشكيلي يوسف عبد لكي :» بعد أكثر من عشرين عاما من العمل تبدو الفنانة نعمت الناصر مأخوذة بقلقها متمسكة بروح البحث, تريد لتساؤلاتها نفسها أن تتسلل إلى قلب الناظر»، عمّاذا تبحث نعمت في انتقالاتها الأسلوبية والفنية المتكررة ؟
– الانتقالات سببها ربما المزاجية المتقلبة، بطبيعتي أملّ من التكرار والرتابة وأحب التغيير باستمرار؛ لذلك لا أستطيع أن أقدم مجموعة أعمال لها سياق واحد، في كلّ عمل أنا نعمت جديدة، ولكن يجمعها أنها غرافيكية .
* نعمت الناصر من رواد فن الغرافيك في الأردن ، لماذا الغرافيك ؟
– الغرافيك هوسٌ و مرض لا أستطيع التخلص منه . كلما رسمت عملاً بالألوان أشعر بأنه عملٌ ناقصٌ ما لم أحول هذا التصميم إلى عمل غرافيك، بالإضافة إلى أنه يتميز بتكرار العمل عبر الطباعة . أحببت الحفر فهو يفرّغ كلّ الطاقة السلبية بداخلي عندما أقوم بجرف مساحاتٍ من الخامة التي أحفرها بأدواتي الحادّة .
* لكن لمادة « اللينوليوم» حصّة الأسد ؟
– السبب هو رخص الخامة وبإمكان الفنان القيام بالعمل في أي مكان، في البيت، في المطبخ، في المدرسة، أو في الساحة . إنجاز عمل اللينوليوم لا يحتاج إلى محترف غرافيك متخصص .
* مع وجود مدارس فنيّة عديدة تنحازين إلى التعبيريّة مع أثر واضحٍ للتجريد، كيف تقيمين تجربتك التعبيرية؟
التعبيرية هي الأسلوب الأمثل للبوح عن مكنونات نفس الفنان، فتجده يثرثر خلال الخطوط والمساحات، والتجريد في الفن هو عبارة عن الخيارات المتاحة لقول ما لا يقال نتيجة الضغط الاجتماعي الذي يواجهه الفنان . وهذا ما فعله الفنّان المسلم قديماً عندما مُنع من الرسم والنحت، تحايل على مجتمعه و قام بالتحوير و تجريد الكائنات داخل الزخرفة التي كانت متاحة له .
* ما السبب وراء طغيان اللون الأبيض والأسود والتدرجات بينهما على أعمالك؟
– استمتع ببناء عمل مكّون من اللونين الأبيض والأسود، فهو بالنسبة لي أشبه بلعبة رياضية مسلية . أبدأ برسم التصميم ثم أقسمه لمساحاتٍ بيضاء و سوداء بشكلٍ متداخلٍ ومتتابع، فالأبيض لا يمكن أن تظهر نصاعته وانفلاته بدون الأسود المنغلق على نفسه، ومساحة الأسود لا يمكن أن تظهر قيادته و قوته باللوحة لولا نقاء الأبيض . هي علاقة جدليّة بحتة، فالتضاد اللوني لعبتي، وخلال تفسير العمل بإمكانك أن تسقِط كل أحداث الحياة والعالم ونزاعاته على هذين اللونين وعلاقاتهما ببعضهما .
* تحتل المرأة بتجلياتها كافّة جانباً واسعاً في أعمال نعمت الناصر، ما الذي يميّز المرأة في أعمالك ؟
– المرأة في أعمالي هي ثائرة متمردة في الأغلب، تكون أحيانا منكسرة ومنطوية لكنها تعود للثورة عمّا يحيط بها وأنا هنا أستخدم حركة الجسد، و ليس الوجه للتعبير عن حالتها .
* هل تؤيدين مصطلح الفنّ النسوي في قدرة المرأة الفنانة على التعبير عن المرأة أكثر من الرّجل؟
– أؤمن بالإبداع الإنساني بغضّ النظر عن جنس صاحبه، ولكن هناك فروق بين عمل المرأة الفنانة والرجل الفنان فالمرأة غالباً تهتم بإبراز التفاصيل الدقيقة، والرجل يهتم بالتكوين العام للعمل ويرسم أعمالاً ضخمة بينما ترسم المرأة لوحات صغيرة ، طبعاً هذا ليس عاماً هناك استثناءات دائماً . العمل الفني المبهر يثبت بغض النظر عن صاحبه أو صاحبته .
* ما الذي شكّلته مشاركتك في جدارية الصمود، وماذا حققت لك هذه المشاركة على المستوى الفني ؟
– لم تكن هذه أول جدارية أشارك بها من أجل فلسطين، فأول معرض شاركت به كان عام 1981 من أجل صبرا وشاتيلا ، وتتالت المشاركات مع تتالي الحروب التي أصابت بلادنا، ولكن جداريّة الصمود جمعت فنانين عرب وأجانب أخذت شكل تظاهرة فنية للتضامن مع شعب غزة الواقع تحت العدوان الصهيوني .
* لدمشق حضور كبير في أعمالك، ما الذي تعنيه لكِ ؟
– دمشق امرأة عتيقة موغلة بالقدم ولكنها شربت إكسير الحياة، وتشربت من روافد الثقافة الإنسانية، فبقيت شابّة نضرة قوية، تتحايل على الزمن والحروب، وتهزمهم جميعاً بجمالها . أنا في دمشق شاهدت العالم بثقافاته المختلفة. إنها مدينتي و أمي، وفيها اكتشفت نفسي و بنيت شخصيتي التي أنا عليها الآن .
* تجسّد «ثلاثيّة أطفال الحولة « الوجع السوري ، كيف تنظر نعمت الناصر إلى هذه الثلاثية ؟
– هي مجموعة أثيرة لدي، استخدمت ثلاث أشكال وتقنيات مختلفة . لا يمكنني أن أصف شعوري وأنا أرى صور مجزرة أطفال الحولة وأقرأ أسماءهم . مشاعر مضطربة من الحزن والقهر والوجع، وجدتني في اللوحة الأولى- « أطفال الحولة « حفر على كرتون- أرسم وجه طفل وسط سماءٍ ماطرة تبكي عليهم، بينما تتهاوى البيوت نحو الأسفل خارج اللوحة الأولى الّتي تضم وجه الطفل . في الثانية – « المطر المدمر» مونوبرنت – اكتفيت بوضع غيوم تهطل منها قطرات كبيرة، والبيوت طبعتها على ورق جرائد، وتركتها تنهار هي الأخرى في نهاية اللوحة في إشارة إلى عدم بقاء أيّة أهميّة لها بعد موت الأطفال، حتّى هذه الجرائد والمقالات الّتي طبعت عليها لم تكن أكثر من ندب وصراخ وتبادل اتّهامات لا تغني ولاتُسمن . في الثالثة- « النهايات» حفر على الزنك – أخذت شكلاً مبهماً تماماً، كنت أريد رسم وجه الطفل وسط السماء، لكنني بدلاً من ذلك رسمت غيمة كبيرة وعواصف وبيوت متساقطة نحو الأسفل شديد السواد .
* في ظل ما يحدث في بلادنا العربية، كيف تنظر نعمت إلى دور الفنان العربي مع السقوط المريع لأسماء لامعة نتيجة مواقفها المتباينة تجاه ما يحدث ؟
– النزاعات السياسية لا تنتهي ولن تنتهي في أي بلد و على مدى الأزمان . هناك من ينخرط في هذا السجال السياسي، وهناك من يكون بعيداً ومبعداً نفسه عن هذه الأحداث، وقد كان هذا متاحاً في العقود الماضية، وهذا ينعكس على الفنانين أيضا حيث الأغلبية منهم رفض اقتحام السياسة لمراسمهم، تحت مبدأ الفن للفن. لم يكن يهمهم الانخراط بالعملية السياسية فكانوا دائما على الحياد. أما الآن، ومع التواصل الاجتماعي أضحى كلّ شخص يعلق على الحدث دون الحاجة إلى منبر أو لقب..وللأسف، فالكثير اكتفى بما يسوّق أعماله الفنية، وبجمهور يصفق له لتناقضاته، مصرّحاً بما يضمن له هذه الشعبيّة الزائفة .

حاورها : المغيرة الهويدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية