أجرى الحوار حسين الجفال: الفنانة تغريد البقشي ترى الإبداع حالة نادرة، حملت على عاتقها الهم الإنساني فأبصرت ما تحت الماء، لديها قناعاتها بأن المرأة هي الأقدر على التعبير والبوح والشكوى عن قضيتها وحقوقها، كتاباتها فائض من الكأس الغارق في التضاد والأرجحة، الرسم عشقها الأزلي ولها اراء حول النقد الفني في مشهدنا الثقافي الذي ربما لا يرضي الآخرين.. هنا حوار معها حول إشتغالها ومناقشة قضايا الفن السعودي ومشاكله.*تشكل مجمل أعمالك نسقاً واحداً وتجربة ممتدة محورها الإنسان، إلى أين تريد البقشي أن تشير؟*تجربتي الفنية تعبر عن هاجس أو بالأحرى فكر، يشمل مواضيع تجسد الذات الإنسانية، والهدف الذي كنت أصبو إليه، أن أحمل على عاتقي الإنسان، أعبر عنه، كونه كتلة من المشاعر، ممتدة إلى ما وراء الخطوط الحمراء، أتغلغل إلى أعماق الذات البشرية، وأبصر ما تحت الماء، فتفتح عينك وقلبك وعقلك جيداً، لكل الموجات والذبذبات التي تشكل هذا الكائن، وأنت ومن دون أن تعلم تقف متأملاً لما وراء الخط واللون، سواء كان رمادياً أم أبيض أم مكتظاً بألوان الفرح، ولا نستطيع التعبير عن هذا الإنسان وإظهار مشاعره عبر اللون والخط، إلا إذا كنا صادقين في ترجمة هذا الإحساس، فنعيش في فضائنا نحن، لنعبر عن الأنا والذات التي تحتوينا، وما ذواتنا وأناتنا إلا اختزال للإنسان بتمثله فينا، فعند تعبيرنا عنا، نكون عبرنا عن الآخر، والإبداع كما يراه فرويد في مدرسة التحليل النفسي، يجري في مسارب اللاوعي، فيبزغ في صفحات الوعي على شكل ومضات، وفي رأيي فإن الإبداع حالة نادرة، هي التي تختار من يستحق أن يلقب بها، هو شيء محسوس صادر عن طبيعة الإنسان ذاته، شيء صادر من روحه، من مزاجه وتاريخه. فأعمالي تعبر عن تغريد، كونها أولاً وأخيراً إنسانا.*كيف تقيمين تجربتك الأخيرة التي تنصب حول المرأة وموضوع سياقة المرأة للسيارة؟*الأنثى في رأيي أصدق في التعبير عن نفسها، فقضيتها بكل حيثياتها تحتاج إلى تسليط الضوء والكثير من الاهتمام والفصل بين ما هو من ضمن العادات والتقاليد وما هو بيّن ومنطقي وأنا جزء لا يتجزأ من مجتمع الأنثى، بالتالي هنالك رسالة يجب أن تنقل ألا وهي عدم انتهاك حقوق المرأة ونفي الظلم عنها وتطبيق ما جاء في الشريعة الاسلامية من حفظ الحقوق والواجبات لذا كان موضوع قيادة المرأة للسيارة من أبرز المواضيع التي أعمل عليها حاليا، فهذا حق وقد صرح به خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله حيث أشار الى أن المرأة تسوق في البادية بحكم احتياج المرأة لقضاء أمور أساسية نظرا لكونها في مكان يحتاج لأن تقضي حوائجها بنفسها، لذلك تأتي الصورة بمضمونها في عملي الفني من خلال أعمال تصور المرأة وموقفها من قيادة المرأة للسيارة.*مؤخرا سجلت الفنانة التشكيلية السعودية حضورها بقوة في المشهد الفني، كيف ترين حضور المرأة ومدى التقدم الذي طرأ عليها؟*الفنانة التشكيلية حاضرة وبقوة في المشهد الفني التشكيلي ومع أنها تحاصر بظروف أحيانا تحاول تجاوزها بكل تحد وإصرار وتثبت وجودها في الساحة التشكيلية بعملها وفكرها وتميزها ونجاحها ومشاركتها في المحافل الداخلية والخارجية إلا أنها أيضا تحتاج إلى تعزيز ودعم من جميع النواحي المادية والمعنوية والإعلامية وتسهيل الاتصال والتواصل الداخلي والخارجي العالمي، وإذا أردنا تسليط الضوء على حاجات ومطالب الفن التشكيلي النسائي فهو يتمحور في مجموعة من النقاط، أهمها توفير معاهد وأكاديميات متخصصة في مجال الدراسة التشكيلية والفنون الجميلة ووجود جهة رسمية راعية للإبداعات الفنية الناشئة وإقامة المعارض التشكيلية والمشاركة في الورش الفنية والندوات التي تهدف إلى تطوير الثقافة التشكيلية، وكذلك عقد اجتماعات دورية نقدية بعد إقامة المعارض تناقش فيها السلبيات والايجابيات وتفادي القصور والضعف. *صممت الذهب ونلت الجوائز عن ذلك من المجلس العالمي للذهب، حدثينا عن هذه التجربة؟* كانت مشاركتي نوعاً من التحدي الذي اجتزته، إذ رشحت من بين 690 مشاركاً على مستوى الدول العربية، كانت تجربة جميلة، كونها منافسة من نوع جديد بالنسبة إلي، ونلت شهادة استحقاق وتقدير من مجلس الذهب العالمي عام 2002م. *حدثينا عن مشاركاتك الأخيرة في معرض متحف مونبرناس ـ باريس وبينالي للمرأة في متحف الشارقة للفنون عام 2010 ، وما الفارق بين المشاركتين وماذا تركت من أثر عليك كمبدعة؟*إن الفنان يعتبر سفيرا لبلده ينقل رسائل ملونة تحتوي على مضامين كبيرة بحجم ما تحتويه دواخله من هم وشجن ومسافات شاسعة محملة بالضوء وبالفكر الذي يكون معبرا عما يصطبغ به المجتمع ويسجل التاريخ الحقبة الزمنية التي يعيش فيها الفنان من أحداث وتطورات، لذلك كانت مشاركتي في باريس حدثا مهما جدا كوني فنانة تشكيلية سعودية تحمل رسالة الى الغرب بواقع الإنسان العربي وما يحمله من فكر يغيب عن الآخر الغربي، أما مشاركتي في متحف الشارقة للفنون فكنت أمثل فيه المرأة السعودية مع مجموعة من فنانات العالم اجتمعن في مكان واحد. كل أنثى تميزت بفكرها وإبداعها وفنها وما تريد طرحه لتكون صورة إبداعية واضحة لعالم صغير في بلدها يكون كبيرا جدا في منطقة أخرى كحضارة مشرفة تقوم هي بنقلها وتوضيحها من خلال الأعمال الفنية المعروضة. فقد انفردت كل فنانة من الفنانات المشاركات في المعرض، وعددهن 22 فنانة من 19 دولة من مختلف أنحاء العالم تم اختيارهن عن طريق لجنة تحكيم عالمية ومتخصصة بجناح مستقل بها في الدور الأول من المتحف. وضمت الأعمال المعروضة مختلف التوجهات الفنية الحديثة والمعاصرة، من التشكيل والفنون البصرية كالفيديو والتصوير الفوتوغرافي إلى النحت. وكنت سعيدة جدا عندما نوّهت سمو الشيخة جواهر بأعمالي التي قدمت فيها صورة المرأة التي تمثل المجتمع العربي بكل معاناته.*النقد الفني المصاحب للفن التشكيلي وللتجربة السعودية تحديدا يكاد يكون معدوما، هل يؤخر غياب النقد حركة التجديد في الحركة الفنية؟ أم أن غيابه إيجابي ليترك حرية الحراك وتشعباته تأخذ مجراها وتتمدد دون حدود لتصل لشكلها الأسمى؟*بالفعل فلا يوجد لدينا في المشهد التشكيلي السعودي أي شكل من أشكال النقد سوى بعض وجهات النظر من بعض الفنانين نحو بعض التجارب الفنية. إن البحث عن المعنى والاستمتاع باكتشافه ليس هو الوظيفة الوحيدة للنقد الفني، فهناك دافع اجتماعي في النقد، إذ إن المتذوق يستمتع كذلك بمشاركة الآخر فيما قد عثر عليه، لأنه من الصعب الاستمتاع بأي شيء دون التفكير في ردود فعل شخص آخر نحوه، وهذا هو السبب في رغبة المتذوق في التحدث عن الفن التشكيلي. فهو يود أن يعرف إذا ما كان لدى الآخرين الاستجابات نفسها أم لا، أو ربما يريد أن يقنع الآخرين بقبول تأويلاته وآرائه، وهكذا يصبح الحديث عن الفن وسيلة لتوصيل مشاعر المتذوق للآخرين، أما الناقد فيمتلك قدرة متنوعة للاستمتاع الجمالي، وقدرة على توسيع قابلية المتذوق للاستمتاع وللفهم، فالنقد الفني هو وسيلة لنقل الأفكار عن الفن وعن الحياة التي هي بمثابة التربية التي تغذي الفن، فالناقد التشكيلي يجب أن يكون ضد النموذج والنمطية وأن يظل مرتبطا بالأفكار المبدعة والتي تستخلص من العمل الفني نفسه ومن اجتهاد الفنان وقدرته على التقاط المشاهد أو الظواهر قبل ظهورها والتي نمر بها كمتلقين من دون القدرة على اكتشافها أو حتى الانتباه لها.*مارستي الكتابة الشعرية زمنا لا بأس به، كيف يدعم الشعر العمل الفني، وهل توائمين بين الفنين في عمل واحد؟*المبدع كما يرى بيكاسو ‘وعاء مليء بالانفعالات، يودع ما يرى أو يسمع أو يقرأ، ليتخفف من وطأة الانفعالات، وازدحام عقله بالرؤى’. وكتاباتي سواء كانت مقالات أو خواطر، هي الفائض من الكأس التي بها مجموعة من الحالات الشعورية الكامنة، والمتضادات المتأججة، والتي تأبى دواخلي احتواءها واحتمالها، لكنني أشعر أنني بحاجة إلى التخلص منها، بكتابتها في حروف، لتكون إحدى طرق التعبير لديَ، بجانب الرسم الذي أعتبره عشقي الأزلي.*المرأة في أعمالك تبحث عن طموح وآمال وفضاءات لتؤكد نضالها الحياتي ومكانتها الذي تستحقه، ماهو دور المرأة في حياة الفنانة تغريد البقشي؟*لدي رسالة هامة أحاول إيصالها عن المرأة من خلال اللوحة واللون، فالمرأة أعبر عنها بأسلوب تعبيري تجد ذاتها مضغوطة في حيز ضيق جدا من مساحة الحياة واللوحة، إنها تقوم بجميع الأدوار ونجد أن مكانة المرأة السعودية في مجتمعها متميز، وما وصلت إليه من تقدم ورقي وإن مرحلة التفكير لديها ليست محدودة بنطاق العقل بل تتعدى ذلك لتؤكد ذلك الفكر الخلاق بارادة فاعلة وقوية لتغير من المفهوم التقليدي الماخوذ عنها، فأينما وجدت المرأة السعودية في المحافل المحلية والعالمية فهي تثير دهشة من حولها بتقدير وفخر لمكانة تستحق الإشادة .*الجوائز هل هي حافز أم نقمة على الفنان؟*دائما الجوائز نعمة لانها تكون حافزا جميلا ورائعا في مسيرة الفنان التشكيلية تنعشه ونجوما تضيء له روحه.*جمعية التشكيليين السعوديين، ما لها وماعليها، هل قدمت الفنان السعودي كما يليق في الداخل والخارج؟*الجمعية كذبة صدقناها وطرنا فرحا بها وما أشد حزننا عند اكتشافنا ان الفنان هو المؤسسة التي تقوم بكل الأدوار لتفعيل أنشطته.* ما الذي تحتاجه الساحة التشكيلية السعودية لتضاهي مثيلاتها في العالم؟*تحتاج إلى الكثير والكثير، متاحف فنية متخصصة وإقامة صالة عرض في جميع نواحي المملكة وإنشاء مراكز للفنون يديرها متخصصون واتباع القواعد العالمية في العرض والإدارة وإقامة البيناليات الدولية واستضافة معارض عالمية أسوة بأرت دبي، فمن الظواهر الطريفة التقاء معظم الفنانين السعوديين كل عام في أرت دبي ومناقشتهم في معظم قضايا الفن وعدم اجتماعهم في بلدهم السعودية لعدم وجود أي ملتقى يهتم بمناقشة قضايا الفن السعودي ومشاكله.