التشكيلي الأردني فادي الداوود تلميذ بهجوري الذي حفر لنفسه موقعا جديدا ومغايرا

حجم الخط
0

يقام معرضه في غاليري زارة بعمان:

عمان ـ “القدس العربي” ـ من يحيي القيسي: يستضيف غاليري زارة في فندق حياة بعمان هذه الأيام المعرض الشخصي الجديد للفنان الأردني الشاب فادي الداوود، وهو من مواليد الفحيص 1984، وما يزال طالبا في كلية الفنون والتصميم في الجامعة الأردنية، وقد تعلم الرسم في سن مبكرة علي ايدي العديد من الفنانين العرب امثال جورج بهجوري، حسين بيكار، فرغلي عبد الحفيظ، وانجز معرضه الشخصي الأول 1996 في رواق البلقاء وهو في عمر 12 عاما، ثم في العام 2003 أنجز المعرض الشخصي الثاني في دار المشرق بعمان، وانجز أيضا في العام 2004 المعرض الشخصي الثالث بعنوان الليلة الكبيرة في دار المشرق، وفي العام 2006 استضافت صالة عشتار بدمشق معــرضه الشخصي الرابع، كما شارك في عدد من المعارض الجماعية في عمان وابوظبي.

من يطلع علي ما أنجزه الفنان فادي الداوود في التشكيل اللوني والرسم خلال عقد علي الأقل من بدء هواجسه في التقليد، وتشرب الألوان والخطوط التي كانت تنساب أمامه يوميا في الفحيص علي أيدي كبار الفنانين العرب الزائرين أو المقيمين، يدرك بلا شك أن ذلك الفتي اليافع المندهش باللوحات، والراغب في الخربشات قد استطاع أن يقبض علي تلك الموهبة التي كانت تتلجلج في أعماقه ليسيرها في طريقها الأصيل، لقد بدأ مقلدا بشكل أساسي لمدرسة بهجوري العتيدة التي تعتمد علي العنصر الحكائي في اللوحة حيث الموضوع الشعبي غالبا ما يكون الأساس لصياغة عالم من الشخصيات النابضة بالحياة والألوان، وفيما هو ينتج لوحات مشابهة او مقاربة لنمط البهجوري وفيما هو أيضا يتهجأ العناصر الأولي علي يدي هذا الفنان الكبير، ومن بعده العشرات كان فادي يتربص هادئا لصياغة لوحته الخاصة، وهكذا فإن كل معرض جديد له يحتوي علي أعمال مصاغة بروحه وعرقه وخصوصيته، وهو لا يتنكر لأساتذته، ولا يسعي لهدم ما تعلمه منهم إنما آن أوان انطلاقته الاحترافية دون النظر إلي الوراء كثيرا. كتب الفنان جورج بهجوري بعض العبارات علي البطاقة الخاصة بالمعرض الحــــالي يقول فيها عن تلميذه الفنان فادي: يجلس بجانبي وأنا ارسم المقاهي والأسواق وحفلات الموسيقي ولقاءات الأسرة، عيناه مفتوحتان تحفظ المرئيات وتلتقط وتختار، فادي خلدون الداوود ينبغ وهو في جوراي لأنه يشحن ذاكرته البصرية التلقائية برؤية جديدة للأشياء التي ادونها في كراستي او كراسته، يدونها في ذاكرته خطوطا تلقائية ملتحمة بألوان تصهرها ألوان، تبدأ حائرة بين الأزرق البارد، والأحمر الساخن حتي ترتاح إلي درجة الحرارة التي تناسبه وينساني، فادي فنان نضجت اساليبه الفنية التشكيلية وألعابه اللونية، يعشق الغزارة وينقصه التأمل، يكتفي بصفارة والده خلدون.. رائع رائع مع صفارة فيتوقف فرحا ويوقع اللوحة.

ومن الواضح أن فادي يسعي في لوحاته أيضا إلي التركيز علي الجانب السردي البصري حيث الحكاية ما تزال هي الأساس في لوحاته، لكنها حكاية غير تقليدية ولا تتبع نمطا خطيا بل فسيفسائيا يرمز أكثر مما يبوح، ويدل أكثر مما يشرح، صحيح أنه مسكون بمصر وفنونها كثيمة مركزية وهذا بدا جليا في المعرض الخاص عن المطربة العظيمة ام كلثوم، إنما استطاع ان يربطها بالبتراء ويعيد صياغة فنها بصريا من جديد هي وأفراد فرقتها، وفي معرضه الجديد الذي جاء بعد تجربة قاسية ألمت بالعائلة وبشكل خاص بفادي عبر فقدانه جده وصديقه الحميم، ورفيقه اليومي يبدو أنه قد نضج بما يكفي فنيا ليعلن عن تجربته ليس علي الصعيد المحلي فقط بل والعربي أيضا، وقد استبدل بالألوان الزاهية والحكايات المتوهجة التي تشي بها الخطوط وضربات الريشة حزنه وآلامه، هنا يمكن لمشاهد اللوحة أن يجد شخصيات شعبية أو نخبوية منشغلة بلعب الورق أو عناصر من فرقة موسيقية قد اتخمها الطرب، وثمة من يبدو مقلوبا أو متعلقا بأطراف اللوحة في كسر واضح لتوقعات المشاهد، وثمة اشتغال علي الزخارف التي تملأ جدران المقاهي والمسارح والبيوت وهي عناصر زخرفية جمالية لا تثقل اللوحة بل تعطيها ملامح محببة، وهذا يتضح في الجدارية الخاصة بأم كلثوم حيث تبدو هذه العناصر الزخرفية اللامتناهية في الثوب او في الأقراط بلون ذهبي جاذب، وإذا كان فادي مغرما بالبدلات المخططة والطرابيش لشخصيات لوحاته، فإنه ايضا معني بالملامح التي تشي بها هذه الوجوه، من حيرة او اندهاش او سذاجة او غبطة، وهو يصوغ لوحاته عادة بالاكريليك والزيتي إضافة إلي مواد مختلطة او مختلفة، وثمة اشتغال واضح علي الرسم بالأحبار أو مواد اخري للوجوه في ضربات متواصلة لخطوط غير منقطعة. باختصار يبدو المعرض الجديد حالة تشكيلية شبابية مغايرة لأبناء جيله ولمن سبقه ايضا من الفنانين المعروفين، وفي ظني أن الداوود يعي تماما ما الذي يريده من لوحاته وما الذي يسعي إليه مستقبلا، ولا سيما مع دراسته الأكاديمية الرزينة في الفنون والتي تشكل ركيزة مهمة في تجربته، وهو أيضا فيما يستفيد من تلك الأجواء الغنية التي يوفرها والده الفنان خلدون الداوود يوميا في رواق البلقاء عبر العروض والنقاشات والاطلاع علي أحدث التجارب عربيا ودوليا فإنه يبحث عن خطي الآخرين لا ليقلدها بل ليتجاوزها، وليكون بصمته الخاصة التي في النهاية تساهم بشكل فعال في صياغة مرحلة جديدة من الفنون التشكيلية في الأردن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية