بغداد ـ «القدس العربي» ـ من صفاء ذياب: لم يقف الفنان التشكيلي العراقي عند مدرسة معينة، فبعد أن قدّم عدة أعمال أكاديمية وانطباعية وتجريدية، سعى للخروج بلوحاته الخاصة، بعيداً عن أحلام الفنان وسماواته التي بلا حدود، فقدم أعمالاً خرجت من رحم الألم والمعاناة العراقية، أعاد من خلالها قراءة الإنسان وتقلباته وما خرج به من الحروب التي لم تتوقع حتى الآن.
الجميلي (المولود في البصرة 1974) شارك في عدد من المعارض المشتركة، منها (نخلة لأزمر) على قاعة زاموا في السليمانية، و(أعياد ملونة) مع فنانين عرب على قاعة فورسايت في عمَّان.. في حين أقام معرضي (أغنيات منزلية) و(حياة يومية) على قاعة الأورفلي في عمّان.
قدَّم الجميلي في أعماله أكثر من نموذج، فمثلاً اهتم باللوحة واللون، اشتغل على الكولاج، واللوحات المتسلسلة التي رسمها على شكل دفتر يضم بين دفتيه حكايات وقصص، إضافة إلى اشتغاله بالنحت، وما كان يميز معرضه الأخير (حياة يومية) أنه نحت أجزاءً من لوحاته ليعرضها بجانب تلك اللوحات.
حصل الجميلي على الماجستير في الفن التشكيلي، وعمل أستاذاً في كلية الفنون الجميلة، وأصدر كتابين هما (فاعلية الخطاب الجمالي:تطبيقات في التشكيل العراقي) و(انفتاح النص البصري.. دراسة في تداخل الفنون التشكيلية).
* منذ أكثر من عشر سنوات وأنت تسعى إلى التجريب، تخرج بين مدة وأخرى بلوحة مختلفة عن سابقتها، إلى أين تريد الوصول؟ وهل هناك مستقر سيكون في الختام؟
– شخصياً لا أفكر بنهاية ما حتماً. كما أن لا وجود لنهاية دائما لمن يعي دور الفن ومعناه، الفن هو مفهوم لوجود الحياة العميقة، إننا نمارسه حينما نشعر بمعنى أن نكون أحياء. لذا، فإن دور الفن كما أعتقد لا أن يبحث عن نهايات، بل عن بدايات دائماً. التجريب كما أرى شخصياً هو عماد الفن، أنا لا أطيق تكرار المشروع الفني، بالمعنى الحرفي، التكرار يلقي بالتجربة خارج معنى الفن. الفن طريقة اكتشاف، الفن سؤال، وما أن يتحول إلى إجابة فإنه ينتفي ويتحول إلى شيء آخر. ومن ثمَّ فإن الفن سلوك بحثي استقصائي نحو أكثر الطرق التي تعبر عن ذواتنا، وليس عن أفكارنا فحسب، فالأفكار مستهلكة في عمومها، وما يتجدد هو تناول الذات لتلك الأفكار، وطريقة تقديمها. إن التجربة الفنية يصبح لها معنى في إطار خصوصيتها، وهذه الخصوصية بالضرورة تحتاج إلى البحث في طبقات الفن العميقة، كون الطبقات العليا متشابهة ومستهلكة. الحفر مهمة الفنان والتجريب دوره الأول.
* في معرضك الأخير (حياة يومية) والاشتغالات التي تلته، حاولت أن تقدم الواقع بصور مختلفة، بشر ممسوخين، كائنات مركبة، وحيوات متوحشة.. كيف أعدت قراءة الواقع؟ وما المفاهيم التي خرجت بها منه لتنتج كل هذه القسوة؟
– لا يتوجب علينا ابتداء خلط الواقع بالعمل الفني إلى هذا الحد من التطابق. الفن صورة مختلفة للواقع، لا يليق بالفن أن يعيد أنتاج الواقع. إنه ينتقد ربما، لكن ثمة التباس في محاولته لتصوير الواقع ومفهوم النقد نفسه. الرسم بالضرورة يتحرك ضمن شروطه الخاصة، آلياته وعملياته الداخلية. الرسام يتبنى مفهوم الفن نفسه، لكن على الفنان أن لا يبحث في الفن بصورة اعتباطية، ثم يطلق على تجربته اسماً محدداً ينطبق على ما قدمه. الفنان الحقيقي يدرك دوره في أن يتحرك بشكل مختلف، وتبدو مهمته أصعب في كونه لابد وأن يجعل ضمن اهتماماته البعد الفلسفي والثقافي للفن المعاصر بوصفه نشاطاً ثقافياً أكثر عمقاً بحكم عصر الصورة. لسنا الآن في دور إنتاج عمل يزيِّن أو يؤثث، وهو دور حرفي يمكن أن يتكفَّل به أي شخص آخر الآن-هناك ما ينتج في الصين بشكل تجاري يليق بهذا الأمر-، لذا فإن الفنان لابد أن يدرك الحد الفاصل بين الأمرين، عليه أن يترفع عن البعد التجاري من أجل الانتقال نحو المفهوم الذهني والثقافي للفن، لكن بشرط أن لا يتخلى الأمر عن قيم جمالية تتفق مع العصر الراهن.
* انتقلت من (أغنيات منزلية) لـ(حياة يومية)، وفي الوقت نفسه بقيت تبحث في طيات نفوسنا التي ما زالت حائرة تجاه ما يحدث.. ما التحولات التي طرأت عليك كفنان وكإنسان لتقدم عوالم مختلفة ومغايرة؟
– لا شك أن وعي الفنان يتطور وينمو ويتبلور خصوصا فيما يتعلق بعمله، فالفن هو سعي نحو خلاصات أعمق، وكما يقول فرانسيس بيكون (إن دور الفن هو تعميق الغموض)، ومع أن الفن اليوم يسعى إلى التفسير وليس إلى الغموض، وهو أمر يحتاج أن يناقش في مكان آخر، فإن الغموض موجود في آلية الفنان المتعلقة بنوع الإنتاج وطريقة الإنتاج. الغموض في عمق التجربة وتعاليها على الوعي العام تقنياً، فالفن اليوم لا يستساغ من العامة بسهولة كونه لا يزخرف ولا يلون العالم، بل يحفر ويقشط ويهتك، إنه يعرّي أكثر مما يكسو. ومما لا شك فيه، أن ما يحدث في العالم وفي حياتنا كعراقيين لابد أن يقدم، وكما يتصدى الروائي وغيره لموضوع الحياة الميتافيزيقية التي نعيشها، فإن تلك المهمة هي مهمة الجميع في الكشف عن وقائع حياتنا العميقة، عن أوجاعنا المرة، عن الحيوان الذي يتلوى ألماً في داخلنا، عن الحيوان الذي يداهمنا، ولكي أشير إلى مسالة من المؤكد أن هناك سؤال ربما سيبادر ذهنك، وهو لم أرسم هذه الكائنات بهذه القسوة أو هذه الصورة، لا شك أن الفن يحتاج لكي يكون مختلف وشجاع إلى صور شجاعة أيضاً. علينا أن ننسف كل تصوراتنا الأولى، مراجعة مفهومنا للفن وقواعده التقليدية. علينا أن نذهب بعيدا بالفن أن ننسى منابعه، لكي نصوغ صوراً جديدة له.
* يؤكد أغلب النقاد أنك من الملونين الشباب الذين يسعون لتقديم تفصيلات مميزة، ما فلسفتك في اللون والفضاءات التي يغلفها به؟ وما مميزات اللون في الفن التشكيلي العراقي؟
* اللون بلاغة الرسم وروح الصورة، وباللون يمكننا أن نعي معنى الصورة وأثرها في نفوسنا. ولا نقصد هنا المفاهيم التقليدية للون، فإن اللون يحتاج إلى دربة ومهارة وذكاء في استخدامه. اللون كائن حساس يجب التعامل معه بخبرة ووعي، والخبرة هنا ليست خبرة تقنية وإنما خبرة حسية، وبالتالي فإن العمل التزييني غالباً ما يكون خادع ومراوغ وسطحي بفعل استخدامه للألوان التزويقية والصريحة. إنها تبدو شعبية أكثر، يمكنها أن تناغم ذائقة الجميع، وبالتالي لا تستطيع أن تعيد إنتاج الوعي الجمعي، فهي تغازل وتحاكي وعي العامة دونما أن تهتك جدار التوقع لديهم، فهي لا تبني ولا تضيف، كما أنها تهمل الأساس في العمل عمق الرسم ومعناه. لذا فإن أي عمل عميق ذهنياً غالباً ما يتجاوز مفهوم اللون بالمعنى التقليدي ليتجه إلى ما يكمن أن نسميه اللون العميق. اللون بعلاقاته الناضجة وخلاصاته الذكية، اللون يكشف عن وعي الفنان بشكل واضح.
* خلال السنوات الماضية قدمت أكثر من ألبوم فني، بين أعمال أكريليك أو تخطيطات، ما الذي يميز الألبومات تلك؟ ولماذا تشتغل على الألبومات كلوحات مجتمعة؟ وهل يمكن أن نعد كل ألبوم معرض متكامل؟
* يمكنك أن تعتبر ذلك، فهو أمر ليس بجديد، وهو أمر يتعلق بالكتاب نفسه ومفهومه وعلاقته بالوعي، هو نوع من سحب الرسم والاعتراف بدوره الثقافي وتخليصه من قهر الصورة التقليدية بوصفه صورة على جدار. كنت أحلم وأتمنى في صناعة كتب تصويرية تطبع كنوع من الثقافة البصرية وخصوصا في ثقافتنا العربية. نحن بحاجة إلى الإيمان بأن الرسم لغة أخرى، لغة جمالية عميقة لا تسعى للتفسير فقط، بل إلى التدريب على الوعي. لذا يبدو أحيانا الرسم في كتيبات بالنسبة لي شغفاً كبيراً، كونه يقربني من السارد والشاعر، ما يعني اختلاط السلوك الإبداعي في حيز واحد. أنت بذلك تلتحم بالروح الإبداعية، لاسيما وأن كلا الأدائين متشابهان.
* عرفت منذ مدة ليست بالقصيرة كمصمم فولدرات وأغلفة كتب، وهناك بعض دور النشر عرفت من خلال أغلفتك، كيف يمكن أن نبني فضاء الغلاف؟
* دعني أعترف أولا أن أسوا عمل فني في عالمنا العربي هو تصميم الأغلفة، كونه يتعلق بآخرين لا ينفك أحدهم أن يتدخل معك بعملك، وبالتالي فأنت تنتج عملا يهبط قليلاً عن وعيك ليعود إلى مداره الهابط. وما يؤلم هو شعورك بعدم فاعليتك ودورك الضعيف برفع مستوى الوعي وإضافة وعي آخر لدى القارئ، بل ربما تساهم في شرعنة ذائقة سيئة، وهو أمر لا ينطبق على الجميع، بل على الغالبية من دور النشر. ولا أنكر أنني تركت كل دور النشر التي عملت معها لهذه الأسباب، باستثناء دار وراقون والتي أجد فيها حرية كبيرة نظراً لوعي من يديرها في هذا الموضوع. ومن ثمَّ فإن الغلاف هو مقاربة بين القارئ والصورة، بين المثقف ومعنى الصورة المعاصرة. أما فيما يتعلق بكيفية صياغتي للغلاف، فانأ غالباً ما أبدأ من أبعد نقطة في الغلاف. لا يجوز للغلاف أن يطابق العنوان، هذا أمر مضحك، وإلا ما دور العنوان إذاً. على الغلاف أن ينشط، أن يردد العنوان بشكل مختلف، أن يقول العنوان ببلاغة ذكية كي لا يصبح إيقاع الغلاف مملاً. فضلاً عن ذلك، فإن الغلاف هو صورة الكتاب وعتبة تسويقه، وبالتالي ينطبق هذا الأمر على كل عناصر الكتاب الأخرى. غير أن الغلاف يمثّل حضور الكتاب الأول.
* هل هناك اشتغالات خاصة تقترب إلى اللوحة أو تبتعد عنها في فلسفة الغلاف والفولدر؟
* من المؤكد أن هناك علاقة مرنة بين الاثنين، فالرسم جزء من الصورة، والصورة أشمل. هناك الفوتوغراف أيضا، والغلاف يحتمل أن يكون صياغة الفوتوغراف بيد الرسام. أنت حينما تصمم تعيد إنتاج الغلاف بيد رسام وبمفردات المصور. تكمن حساسة الأمر في مدى قدرتك بالارتقاء بما هو تقريري في أساسه إلى ما هو مجازي وافتراضي. مع ذلك أنا وجدت حريتي أخيراً في تصميم أغلفة تعتمد على البساطة والإحالة والعمق. على الغلاف أن يكون بأبسط مفردات ممكنة لكي يكون عميقاً، حتى في نصوصه، كثرة المفردات في غلاف الكتاب كالسير والصور والتعريفات تتلف المعنى الأهم للغلاف، وهو حضوره السريع وصفاء صوته.
* مثلما قدمت أعمالاً تشكيلية مميزة، قدمت نصوصاً شعرية ونثرية واعية، كيف نفهم العلاقة بين الرسم والشعر؟ وكيف نقيم حدود التأثر والتأثير بينهما؟
* لا أخفيك إنني أكتب باستمتاع شخصي، بعيدا عن الإيمان باحتراف الكتابة. يكفي احترافي للفن، فالأمر يحتاج الكثير من الجدية والإخلاص لكي نستطيع تحقيق أمور مهمة. لكن ما يجعل تلك النصوص مميزة هو أن الوعي ذاته لدى الكاتب والفنان، أن تعي معنى روح الفن والإبداع، أن تقبض على تلك العشبة في المياه العميقة من دون أن تراها.
* البحث أخذ حيزاً منك أكاديمياً ودراسات خاصة، من خلال تلك الدراسات، ما الملامح التي تميز الفن التشكيلي العراقي مقارنة بالعربي؟ وهل هناك خصائص تميز بها؟
– أعتقد حسب إيماني بأن الفن العراقي تأسس لحسن الحظ بشكل مميز وحقيقي عبر قطبين مهمين أسساً الجانبين المهمين الذين يحتاجهما أي فن في تأسيسه، لا سيما وأن الفن في الدول العربية لم يكن حاضراً بشكل ثقافي وهو أمر مؤلم وله تداعيات الكبرى في الثقافة العربية. لكن وجود فنانين مثل جواد سليم وهو فنان يشكل الصورة الحداثية لمفهوم الفن، وفائق حسن وهو يشكل الصورة الأكاديمية له، وبذلك فقد شكّلا معاً أساساً صلباً لدراسة وتأسيس فن الرسم، فضلاً عن الأجيال التي زامنتهم وتبعتهم من تلاميذهم. كما أن فرص دراسة الفن في أوروبا لكل الطلبة آنذاك جعل الأمر أكثر أكاديمية وعلمية. ومن ثمَّ أسس مشهداً واسعاً ومتنوعاً وحقيقياً. وأعتقد أن ذلك أفرز مجتمعاً فنياً هائلاً من ممارسي الفن حتى اليوم. من المؤكد أن الغالبية فقط هم من ممارسي الفن وليس من مبدعيه. لكن هذا الأمر صحي جداً لأي مشهد في حال وجد نقد حقيقي. وبالعودة الى محور سؤالك أعتقد أن الفن العراقي يتميز بالوعي العميق، ويشكّل شاكر حسن آل سعيد الملهم الرئيس لهذا الأمر، فضلا عن التنوع الذي أغنى التجربة العراقية والمزاج التجريبي العراقي منح الفن العراقي فرصة أكبر للتطور.