التشكيلي المغربي إبراهيم الحَيْسن: اللوحة ذاكرة بدوية تقاوم النسيان

حاوره: الطاهر الطويل
حجم الخط
0

تحت عنوان «للصحراء أثر»، أقام الفنان التشكيلي والناقد الجمالي إبراهيم الحَيْسن معرضا جديدا لأعماله في الرواق الفني للمركز الثقافي إكليل في مدينة طنجة، بإشراف من مؤسّسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين. وبمناسبة هذا المعرض، صدر كتالوغ من القطع المتوسط (44 صفحة)، يضمّ سيرة فنية وصور الأعمال الصباغية، مع حوار جماعي متنوّع حول السياق الموضوعاتي والخصائص التقنية والإبداعية التي تَسِمُ هذه التجربة الإبداعية المنفردة، أجرته معه نخبة وازنة ومتميّزة من الباحثين الجماليين ونقاد الفن من داخل المغرب وخارجه: طلال معلا (سوريا)، علي النجار (العراق)، محمد بن حمودة، سامي بن عامر، خليل قويعة وفاتح بن عامر (تونس)، مصطفى عيسى، أمل نصر ومحمد مهدي حميدة (مصر)، فخرية اليحيائية (سلطنة عمان)، عبد الرحمن السليمان (السعودية)، محمد العامري (الأردن)، ومن المغرب: عبد الله الشيخ، شفيق الزكَاري، نور الدين فاتحي، بنيونس عميروش، عزيز أزغاي، إدريس كثير، حسن لغدش والسعيد كرماس، إلى جانب نصّين باللغة الفرنسية للناقد الفرنسي دانييل كوتورييه والفنان والكاتب حسن المقداد. وبالموازاة مع هذا المعرض أجرينا الحوار التالي مع الفنان إبراهيم الحَيْسن:


*أقمت معرضا تشكيليّا فرديا في طنجة قادما إليها من عمق الجنوب، وقد اخترت له عنوان «للصحراء أثر..». هل لهذا العنوان دلالة ما، وما هي الثيمة التي اشتغلت عليها؟
ـ عنوان هذا المعرض هو امتداد لعناوين معارض فنية فردية سابقة اشتغلت فيها على مفهوم الأثر Trace بمعناه الثقافي والجمالي البصري، منها «انعكاس الأثر» (العيون وبوجدور والطرفاية، 1999)، «مغلفات تشكيلية» (الدار البيضاء، 2003)، «آثار مترحلة» (أكَادير، 2017 والرباط، 2019)، «كارتوغرافيا المحو» (الرباط 2018) و»مديح الأثر» (الصويرة، 2020). لذلك، فإن هذه التجربة الصباغية لا تشذ عن هذا التقليد، حيث تُراهن بدورها على الأثر بلوحات صباغية ومجسّمات فنية متماهية مع مفازات وأمداء الصحراء. من الناحية الثيماتية، ينبع اشتغالي على الأثر من انتمائي إلى الصحراء وإلى ثقافة البدو، وهذا الأثر يظهر في تجربتي الصباغية الراهنة بمقدار اختفائه وانطفائه موشى بترسُّبات وتطاريز لونية تمنحها أبعادا بصرية متحوِّلة. بفعل ذلك، أضحى الأثر رغبة في تحطيم الديمومة وتشكيلا لامرئيّا يتجه نحو العبور كخاصيّة جمالية تتلاءم مع الميل الذي ظهر مع الشاعر الفرنسي شارل بودلير الذي عاين نزوع الجمال نحو المؤقت والمنفلت والعابر. تأسيسا على ذلك، يُمسي الأثر حركيّا يرفض السكون والاستقرار، كما في عُرف وثقافة بدو الصحراء الذين أدركوا قيمة التِّرحال واعتبروه قوَّة ذاتية تحميهم من الخضوع والخنوع. فهم كلما ترحَّلوا استقروا وحملوا معهم ثقافتهم الشفهية في ذاكرتهم وصدورهم، لذلك يغدو الأثر مترحَّلا داخل مفازات الصحراء يرسم حالات المحو والزوال والتلاشي، ذلك أن أثر الرياح على الرمال التي تمنح البدو الرحل قدرات غير طبيعية على ملاحظة الأشياء الدقيقة والتعرُّف على أثر المشي وحالات الماشي، من خلال ما يتركه من آثار على الرمل..


*كيف يحيا الأثر في التشكيل، وما هي علاقته بالتلقي البصري في لوحات المعرض؟
ـ في هذه التجربة الصباغية، تترحل العين عبر ثنايا المادة في بحث دائم ومستمر عن الأثر لإيقاظ الدهشة، وتتدفق الألوان وتتفتق على القماش، داخل أشكال ونماذج سابحة تتوارى خلف طيَّات وخلائط صباغية، تستعير جماليتها وشروط كينونتها الأيقونية من حركات الجسد وإيماءاته الدائبة، على إيقاع تجريدي مديد يحاور العين والفكر في آن.. هكذا يغدو الأثر مادة للرؤية البصرية ونوعا من التخمُّر الذي يُخفي مجموعة من السرائر المتوارية التي ترقد في داخله، قبل أن يتحرَّك حيّا، متسرِّبا من عمق مغاور المادة والسند، ليسجل وجوده في حركات وتوليفات لونية متباينة دائبة الجلاء والخفاء. من هنا ينبع الأثر مترحِّلا كتعبير منفتح ومندفع نحو المطلق واللامحدود.. واللامرئي أيضا. عموما، تمتح اللوحات المقترحة لهذا المعرض خاصيتها الإبداعية من التراث الثقافي والجمالي في الصحراء، المعتمدة على إيقاع خطوات الإبل ودقات أوتاد الخيمة وحركات الكثبان الرملية وأصوات الرياح، وكذا الصبغات البادية في الرداء واللباس التقليدي، لاسيما ملاحف النساء الصحراويات بألوانها البهية والمعبِّرة، فضلا عن الرموز والعلامات المختزلة والأشكال التجريدية في تنميق المشغولات اليدوية.
*تشتغل مفاهيميّا على ثيمة الترحال، كيف يبدو ذلك في هذه التجربة؟
ـ ينهض التوظيف التشكيلي لمفهوم الترحال في لوحات المعرض على دلالات كثيرة – حاضرة ومؤجلة – ترسم (بمعنى جمالي ما) نمط العيش السائد لدى رحل الصحراء، والقائم بالأساس على البداوة والتيه والتقشف وتدبير الندرة. نجد هذه الدلالات تتمثل في الآثار المتولدة عن تطبيقات لونية محلية ناتجة عن استعمال خامات صحراوية خالصة، متعاضدة أهمها النيلة والحَمِّيرَة وغيرها من المواد والخامات، التي تحيى وتعيش وتتصادم داخل نسق إستتيقي يدعو المتلقي إلى استيعاب سؤال الهوية والخصوصية في الثقافة الصحراوية. في عمق هذه اللوحات يتبدَّى العديد من المفردات البصرية، وتنبعث وتتحوَّل في تلاؤم مستمر مع دينامية الترحال التي تميِّز ثقافة الإنسان الصحراوي، الذي ترتهن حياته وبقاؤه بديمومة الترحال وضرورته. بمعنى آخر، أن لوحات المعرض تنطق بثقافة بدوية أصيلة مهدَّدة بالاندثار، لكنَّها تظل راسخة في المخيلة والذاكرة الجماعية التي شيَّدها الأسلاف وأسَّسوها على قيم مجتمعية وإنسانية نبيلة وفاضلة، لم تعد اليوم كما كانت بفعل عنف التمدن والانخراط في الحياة العصرية، دون «مقاومة ثقافية» تحمي الفرد والجماعة من استلاب محتمل. من هنا، تظهر أهمية هذا المعرض التشكيلي التوثيقي، المنبثق من رحم موحيات تراثية جمالية شعبية عريقة يستعير منها بدو الصحراء شروط حياتهم وفنهم وإبداعهم.


*موازاة مع المعرض، وخلال المائدة المستديرة التي نظمت بمناسبته في موضوع «تجربة الأثر في الفن التشكيلي» بمشاركة نقاد وباحثين جماليين مغاربة مرموقين، قدّمت كتابك «حراس الأثر- تجرب صباغية عربية» ماذا عن هذا المنجز النقدي؟
ـ يتعلق الأمر بكتاب من القطع المتوسط، أعتبره امتدادا وتطويرا لكتاب سابق صدر لي عام 2018 بعنوان «شعرية الأثر في الفن التشكيلي المغربي- نماذج.. وتجليات» يشمل سبعة أقسام، هي: غنائية الأثر، أركيولوجيا الأثر، الأثر والجسد، مدارات حروفية، آثار غرافيكية، ما يشبه الجدران والأثر الحركي، وهي أقسام تتناول تجارب صباغية عربية متنوعة في الأسلوب والمعالجة اللونية والتقنية.
في هذا الكتاب، الذي قدّم له الناقد المغربي عبد الله الشيخ، تساءلت: كيف يشتغل الأثر في اللوحة الصباغية العربية؟ وإلى أي مدى نجح التشكيليون العرب في استخدام المواد والخامات التعبيرية وتطويعها واستغلال تحوُّلاتها البصرية فوق السند؟ والرّاجح أن الأثر يظهر في تجارب غالبية هؤلاء الفنانين على شكل شخبطات وتواقيع غرافيكية سريعة التنفيذ تعتريها سيُولات لونية متدفِّقة، إلى جانب أخرى خاثرة، مثقلة بصبغات كثيفة ومتعجِّنة موسومة بحياكات Textures ونتوءات متنوِّعة ترسم مسارات الأثر ومتاهات اللون وانسيابية الشكل، على إيقاع خرائط متنوِّعة تمتد لتداعيات الفكر وانفعالات الجسد..
*معلوم أن الفضاء الصحراوي وثقافة الرحل ألهمت الكثير من الرسامين والمصورين الأجانب، كيف تمثلت هذه التجارب وتتبعتها كفنان وكناقد تشكيلي؟
ـ تصويريّا، ولعقود طويلة من الوقت، شكل الفضاء الصحراوي قبلة للكثير من الرسامين والفنانين الأجانب الذين افتتنوا بعادات وأعراف البدو الرحل، فجسَّدوا الكثير منها على القماش وداخل «دفاتر السفر» والمذكرات اليومية، وغير ذلك من الحوامل الجمالية التي أمست تشكل اليوم شواهد ووثائق ملموسة تقود إلى فهم سرائر وبهاء الصحراء التي جذبتهم وسحرتهم.. فإضافة إلى جمالية الصحراء وغواية باديتها العارية الأخاذة، عشق هؤلاء الفنانون جمال المسكن الصحراوي (الخيمة)، كما عشقوا قوافل الإبل والشاي وطقوسه والعادات الغذائية، واندمجوا بسرعة مع الاحتفاليات الاجتماعية عند مجتمع الصحراء بعد أن فكُّوا رموزها، إلى جانب تقديرهم للمرأة الصحراوية وإعجابهم ببدو الصحراء، المشهود لهم بالفحولة التي بزَّت فحولة الإفرنج ودوَّخت صناديدهم، بتعبير أحد الكتاب العرب. أذكر من بين الفنانين الذين رسموا الصحراء بكثير من العشق المصوِّر الرسام المستشرق جيل جيراردي، الذي أنجز رسومات عديدة حول الجنوب الجزائري، حيث مشاهد الصحراء والواحات وقوافل الإبل، إلى جانب مواطنه الفنان الرّائد إتيين دينيه، الذي استقر في صحراء الجزائر حتى رحيله سنة 1929، وتحديدا في بوسعادة، وهي واحة تقع جنوب الجزائر العاصمة. هناك، بدأ عمله الفني وتزايد ميُوله نحو الاستقرار الدّائم في الجزائر منذ سنة 1904، ولم يذهب إلى باريس إلّا في مناسبات استثنائية. كان يرسم بحسٍّ إثنوغرافيٍّ نادر،ٍ ولوحاته عبارة عن مشاهد واقعية معاصرة تصوِّر في مجملها مظاهر الحياة والعيش في صحارى الجزائر، إلى جانب أخرى تتناول بعض الرياضات والألعاب الشعبية الشائعة عند بدو الصحراء. ثمَّ هناك الفنان جاك ماجوريل، الذي ترك أعمالا تصويرية كثيرة رسم فيها مشاهد مستوحاة من الجنوب المغربي (الأسواق، القصبات، النساء…)، إلى جانب أخرى عكست اهتمامه بالتراث الصحراوي في منطقة وادي نون، كاللباس التقليدي والحلي والأعراس والفنون الشعبية المحلية. ثمَّ الفنان غاستون مونتيل الذي يعد أبرز الفنانين الذين اختصوا في رسم رقصة الڭـَدْرَة في منطقة وادي نون، وقد زار مدينة كَليميم ومكث فيها وعاش رفقة ساكنتها لسنوات. خلَّد الكثير من التصاوير التي تتمحورها هذه الرقصة الشهيرة، مستعملا في ذلك تقنية الصباغة المائية والأحبار والإسكيزات السريعة التي تبرز مهارته المتقدّمة في الرسم والتلوين. أضيف إلى ذلك، التجربة المتفرِّدة للرسامة أوديت دي بيغودو التي أنجزت مؤلفا مهمّا يرصد الحياة لدى بدو الصحراء في موريتانيا، بين سنتي 1934 و1960. وهذا الكتاب – المدعَّم برسوم وإسكيزات إيضاحية – ظهر سنة 2002، وأيضا سنة 2006 عن دار النشر Ibis press قبل أن يُطبع في حُلَّةٍ جديدة بعنوان «فنون وأعراف البيضان» ضمن منشورات نشر الفنك في الدار البيضاء سنة 2009، دون نسيان زميلتها ماريون سينون، إلى جانب ما أنجزه الباحث الإسباني خوليو كارو باروخا من رسومات وإسكيزات البعض منها تعزَّزت به دراسته الأنثروبولوجية التوثيقية حول مجتمع الصحراء الكبرى «دراسات صحراوية». هذا المؤلف نقلته إلى الفرنسية الباحثة مارييلا فيلاسنت دي بوفي اعتمادا على نسخة 1990 الصادرة بمطابع خوكار Jugar في مدريد… وغير هذه النماذج كثير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية