التشكيلي المغربي محمد كريش: التجسيد الفرح لجلال الضوء

تعود صلتي بتجربة الفنان التشكيلي محمد كريش، إلى أواسط سبعينيات القرن الماضي. يومها كانت مدينة فاس إحدى أهم العواصم الثقافية الأكثر انصهارا في بوتقة الحلم المستقبلي، الذي كان يراود النخب، واعدا بتحقيق انقلاباته الجذرية في مختلف القطاعات السياسية والإبداعية، على أرضية تحديث عنيد ومشاكس، لا يتوانى في مواجهة التحديات السلطوية التي دأبت وبتعال ممنهج على إجهاض هذا الحلم، بكل ما توافر لديها من ترسانة قمعية وعدوانية متعددة الاختصاصات.
فيما كان علينا وفي خضم هذه الأجواء العاصفة والمريبة، أن ننصهر ودون هوادة في نشوة تدمير الوثن، سواء داخل الحلقات المفتوحة أو المغلقة، حيث كانت الاختيارات المغايرة، تحفر مساراتها المتعددة والمتنوعة في مخيالنا، ضدا على عين الرقيب المتمرسة بمطاردة ما يحدث، وما لم يحدث بعد، ببؤبئها المعدني المجرد من ومضه البشري.
الفنان محمد كريش كان هناك أيضا، وعلى طريقته، محفوفا بأطيافه التشكيلية، ومحروسا بفيض ألوانه التي هي خلاصة أعراس المكان وجنائزه، يتردد علينا حيث نحن، بحثا عما قل من دفء الكلام، بالوتيرة نفسها التي نتردد نحن عليه، بفضاء مرسمه، بحثا عما قل من نقاء الصمت، هكذا إن أمكن القول، كانت لقاءاتنا: رؤية مشتركة لنخبة قادمة من المستقبل، مشوبة باختلاف إيقاعاتها. فثمة شعر طالع من خيمياء اللون، سرد يتدفق من مرتفعات الفكر. وكذا، رفض راعف يجوب هسيسه أراضي السؤال. فيما الفنان محمد كريش داخل خلوته المكشوفة والمعلنة في آن يمارس بيننا، كما بين أطيافه اللامرئية طقس الرؤية والإنصات، بروح عفوية لها ظل فرشاة حائرة على سديم القماش. هو الحريص على تملك جوهر الشيء، خاصة منه ذلك الذي يبدو مجبولا على ممارسة لعبة الجموح، بما تعنيه فكرة التملك من هتك لسلطة المسافة، كي لا يظل «الما يبدو» ملكا لانفصاله وتمنعه، وكي يتجاوز التفاعل حد الرؤية إلى حد الاحتواء الفعلي للممكن كما للمستحيل.


تلك هي تقريبا الطريق المفضية إلى رحاب التجربة التشكيلية التي انقاد محمد كريش لغوايتها، تحييد حجاب قول يتلذذ بطمس ملامح الشي، من أجل استعادته كاملا غير منقوص، عساه يصبح خلسة في متناول اليد المرئية والخفية، التي يعتد بها كل تملك سعيد بقبضه الفعلي على طرائده، ولو كانت من جنس سديمي لا تطاله أيدي اللغات، هي إذن بعض رهانات فعل التشكيل عند محمد كريش، عدم الاكتفاء بتثبيت المتحرك، عبر الانكباب اللامشروط على حتمية تظهير، يرقى إلى سلطة التملك، حيث ما من فراغ ثمة يزدهي بتموضعه الماكر بين الرؤية والمرئي.
تحجيم سلطة الفراغ الكامن بين الما بين، هو دليل الفرشاة إلى استكناه الحقيقي، وقد غدا بفعل حميمية روحية، طريدة مكتملة الشروط مستسلمة كلية لقدر الأخذ. بمعنى، أن هذا الشيء القابل لأن يتجسد بمقدار ما في الكون من ذرات لا يحدها التوصيف، والذي هو الآن قبالة عماك ليل نهار، يطيل تحديقه فيك، كما لو كنت الواحد الأوحد الذي يتربع أرجوحة الرؤيا. هذا الشيء البسيط العادي إلى أقصى حدود التداول، يحتاج من وجهة نظر محمد كريش، إلى كون كامل من العيون، من أجل فك ما تيسر من غموضه، هكذا إذن لن تكون الفرشاة بأدنى حاجة لإغماض العين، أملا في تخيل الأشكال المقيمة خارج مجال أشكالنا، ولربما كان ذلك هو سبب ولعه بجلال الإضاءة الذي كان يباغت به الأشكال المتناسخة في الجمهرات المحتفية بمعيش الروح، كي تكون أكثر سفورا، وأكثر استعدادا للجهر بما يقودها إلى هودج التملك، جلال الإضاءة هذا،هوالرهان الشخصي الذي تحتفي الفرشاة بتعاليه، من أجل تغريب سطوة الألوان، حيث لا حق للون هنا كي يأخذ بيد الشكل، ما دام الفضاء مشمولا تماما بجلال إضاءة، مشعة من قلب ذلك التذبذب الحائر بين صدى القول، وصمت الصدى.
ذاك ما قل من تجربة الفنان محمد كريش التي نذر لها جماع غبطاته القديمة والجديدة، توشك أن تبوح بما سها القول عن تنضيد حروفه، وما سها الصمت عن تنضيد ظلاله، كي تسبح باسم هذه الإضاءة التي سيكون على عين الرائي أن تهتدي لأسرارها. وهذا بعض من بوحها الذي لا تني الفرشاة تترنم بإنشاده:
نعمة هي الرؤية التي تحظى بها العين الرائية، القادرة على رفع الحجب الرمزية والمادية، بقوة ما تمتلكه من بصيرة، وذلك هو السر في هيمنة العمى على أعين المقيمين والمرتحلين داخل ظلمات فجاجه وخارجها على السواء. أقول العمى، وأعني به هذا القرار الذي هو الآن أمامي، بصيغة جمع لا يحده العدد، والخبير بتقنية الدفع بقطعانه، حيث تنتشر عشوائيا تلك الشعاب اللامتناهية، التي لا تتوقف عصاه عن هندسة تخومها، كي تكون على مقاس هوس القطيع بمعايشة تيهه القدري في سجف الضياع.
العمى ولا شيء عداه، سيد اللغات كلها والإشارات كلها، سيد الأمر والنهي، والذي بمشيئته يستسلم نهر الكينونة لمجراه، دون أن يتلفت جهة الـ «هناك» أو الـ»هنا»، ما دام القصد والغاية والمبتغى الحالة في دواخل القطيع والممسكة بتلابيبه، هي في الأصل رهن إشارة السيد العمى منذ طلائع البدء، إلى دياجير المنتهى. طبعا، قد تكون للعمى نعمته التي لا تقل شأنا عن نعمة الرؤيا، فأنت حين لا ترى ستكون حتما متحررا تماما من قيد الفعل الذي تقتضيه توابع المرئي، وبالتالي ستكون مجبرا على تقبل ما سيمليه على حيرتك صوت العمى، الذي هو صوت عماك المقيم فيك، كي تكون أو لا تكون داخل فعل آخر، غير الفعل الذي وضعتك فيه شوائب المرئي. إن عنف اليومي نادرا ما يعترف بحق الذات في انتقائها لما ينبغي لها أن تراه، إنه وبحكم عدوانيته، يجنح تلقائيا إلى تضييق دائرة الإبدالات، حيث ليس للذات ما يكفي من الشروط للبحث عن مؤجل ما خارج حالة التضييق، وفي ظل إكراه المتاح، تكتفي الذات المتيبسة بالتقاط الجاهز في غياب تام للرؤية، بعيدا عن هاجس تجريب نعمة النظر. وللجاهز هنا أكثر من صورة، بها يتبدى الشيء للعمى كي يمد يده إليه.
يتعلق الأمر بصورة القول، بصورة المعنى بصورة الكأس، أو صورة الجسد، بصورة الحكمة، أو صورة الجنون، أي بكل الدلالات التي يتقمصها الشيء الجاهز، والمستجيب أيضا لحاجة اليد إلى محنة الإمساك بالجاهز. ذاك الذي لا راد لسلطة واحديته. ضمن جبروت هذه المفارقات القدرية، المراوحة بين فتنة الرؤية وجحيم العمى، تزج إضاءة محمد كريش بشعوب أنوارها في فضاءات الشيء، حتى لكأنها من فرط ما تقاس به من هيبة، لن يكون بوسع اللون سوى أن يخفف الوطء، وهو يترنح على أديم القماش.

شاعر وكاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية