باريس ـ أحمد صلال: تقوم الهوية التشكيلية للوحة الفنان التشكيلي السوري حمود شنتوت على استحضار الذاكرة المكانية وإضفاء امتزاجاته اللونية ضمن رؤيته وقراته اللونية لتشكل الواقع المعاش والواقع المفترض والواقع المتخيل أو إعادة تشكلهم، والمرأة بصفتها جوهر اشتغالات غالبية التشكيلين تجد حضورها اللافت مثلما حال الطبيعة الصامتة في جوهر موضوعات معرضه الأخير في غاليري ‘أوربيا’ بالعاصمة الفرنسية باريس.
لا إغراق في الشخوص، شخص واحد تجده حاضر في اللوحة ومتوحد مع المكان الهادئ الكاره للتفصيلات الكثيرة، شخص مستوحى من ذاكرته السحيقة أو البعيدة على حد سواء، وأحياناً شخص مفترض، شخص منسجم لونياً مع درامية التلقي البصري، شخص دائماً ما تجد شيئاً يشدك إليه الحزن، أحياناً الحزن وفي أحايين أخرى الفرح وفي ثالثة الألم، ذاكرة شعبية متوحدة مع الذاكرة المكانية من أجل خلق هذا التشكيل الدرامي.
هذا ما يكسب مشروع شنتوت تفرد تشكيلي في مشهد سوري مغترب في غالبيته عن محيطه الشعبي، معتمداً على خاصية التلقي الشعبي التي تناسب مستويات التلقي في حالاتها النخبوية والنموذجية والعادية على عكس حالة التلقي النخبوية التي لا تناسب ذائقة التلقي في مستوياتها الثالثة سالفة الذكر.
التموضع السابق تموضع ناجح تجد غالبية لوحات شنتوت تتمرس ضمنه، شاعرية تتجسد قصيدة لونية لا يكل خالقها من إعادة ولادتها البصرية، ربما ركون شنتوت لشهادة أستاذه في كلية الفنون الجميلة في دمشق ونقيب الفنانين التشكيليين آنذاك فاتح المدرس حينما وصفه نتاجه التشكيلي بالقصيدة الشاعرية، إحدى المرتكزات التي وجدها التلميذ النجيب موضوعة يجب أن يشتغل عليها باستمرار حتى الثمالة التي لا تعرف الارتواء.
الفنان الذي يتجنب التجريب والحداثة وما بعد الحداثة والتجريب خارج سياق تجربة جيل الرواد الذي تتلمذ على نتاجهم وأنتهج خطى مشروعهم التشكيلي، وكل الحالات التي لا تجد طريقها إلى متلقيه الافتراضي، وهو متلقي شعبي بسيط تربطه بالبيئة علاقة أبدية، ولكن تصوير هذه البيئة تصويرلا يركن للتصوير السطحي الساذج ولا يطرب للتحايل البصري الغامض.
بل هوتصوير مرهف وحساس يحاول أن يخلق مساحات لونية ذات علاقة شاعرية بين المتلقي واللوحة، طبيعة ضاجة بالألوان تحدث قطيعة مع صمتها الواقعي، حيث وجود الطبيعة في جانب آخر من اللوحات بالمعرض، وجود متصالح جداً مع متلقيه الافتراضي، ضمن حساسية لونية رفيعة المستوى طالما ميزت نتاج شنتوت التشكيلي.
إنها واقعية لا تحبذ الاستتباع التوصيفي ضمن اصطلاحات النظريات الكلاسيكية، إنها واقعيته التي يحب أن يصورها لمتلقيه كما يحب ويرينا ما يحبه في كل معرض كي لا ننسى تأكيداته المستمرة لما يحب ويعتقد جازماً أننا نحب هذه التأكيدات المتواترة وينكر علينا حقنا في إبصار التجديد المشروعاتي في مشروعه.
العلاقة المتجذرة مع المرأة لا تعتمد التجسد الجسدي بقدر ما تعتمد على حساسية لونية مستقاة من متخيلة تربط التجسد بالواقع عبر ضربات ريشة تحاول أن تتملص من التفصيلات المرئية نحو التفصيلات الغير مرئية، هي إحدى اللوحات التي تجسد الألم السوري، ألم تجده تسلل خلسةً إلى إحدى اللوحات التي أحدثت قطيعة مع انسابية الذاكرة اللونية الصافية في غالبية اللوحات المعروضة، ألم لا يحدد هوية الجلاد والضحية، بل يكتفي بالتوصيف الحيادي مع حرية التلقي البصري.
‘خمسة وثلاثين لوحةً بقياسات مختلفة هي ما قدمت في هذا المعرض، اشتغالات تقوم على موضوعات بسيطة تستقي مادتها من الموضوعات الصوفية والشرقية’ بهذه الكلمات تحدث الفنان التشكيلي السوري حمود شنتوت إلى جريدة ‘القدس العربي’ في افتتاح معرضه. التكنيك والمضمون هي المتغيرات في اللوحة التشكيلية أما الذاكرة والمكان والطبيعة الصامتة هي ذات الموضوعات الثابتة التي يشتغل عليها الكل، بالتعبيرات السابقة رد شنتوت على انتقادات تطال اشتغالاته البصرية وتصفها أنها تعتاش على موضوعة أثبتت نجاحها ويكررها في سبيل الاعتياش على أمجادها في كل مرة، متجنباً خوض مغامرة جديدة، وأكمل شنتوت منافحاً عن لوحته معتبراً أنه جوهر اشتغالاته الأساسي يقوم على الصدق مع اللوحة ومدى تعبيرها عن صدقه.
ليست وظيفة الفنان أن يقدم موقفه السياسي بمباشرة فجة، السمو بالتعبير والأدوات التعبيرية الرفيعة هي سبيله للتعبير عن موقفه السياسي، الرد السابق جاء في سياق السؤال عن ذاكرته الصافية التي لا تجد الأسود ينزح إليها في معرضه كثيراً مثلما حال الواقع السوري اليوم، وأشار شنتوت إلى أن جرعات الألم المتواجدة في كافة لوحاته تعكس ما يعيشه في جوانيته ويختزنه من ألم، مشيراً إلى لوحة الأمومة التي تعبر حسياً عن كلامه السابق.
جماليات لوحة الفنان شنتوت في معرضه الأخير حال معارضه السابقة، تعكس تراكمية خبرات ومعارف وزخم إبداعي، لا يمكن لأي متلقي أن ينكرها، ولكن هذه الجماليات تطرح في نفس الوقت أسئلة وإشارات استفهام حول أسئلة التجديد في مشروعه الذي لفرط ما كرر موضوعاته أصبح مضجراً بشكل لا يطاق، ويعكس مشهدية التأزم التشكيلي السوري، وخاصةً في الآونة الأخيرة سواء على صعيد النتاج التشكيلي أو على صعيد النتاج النقدي المفترض أن يتوازى معه، وكلاهما يعيش أزمة جمعية-عدا عدة فردانيات لا ترقى لمستوى تشكيل ظاهرة جمعية- مما يظهر سهولة التفرد في مشهد تشكيلي لا كبار كثر فيه.