التشكيلي فاضل ضامد: العراق لم يحتضن مبدعيه والنقد يتعامل بسطحية مع العمل الفني

علي لفته سعيد
حجم الخط
0

ربما يكون هو الفنان الأكثر مخيلة ومزجًا للألوان منذ أن جلبت له طفولته تلك اللوحات العتيقة والمعتّقة، لتضعها أمام عينيه فينبهر بها، ويسعى في حلمه أن يشكّل مثلها في مخيلته. إنه الفنان التشكيلي العراقي فاضل ضامد، الذي عبّر عن سحر تلك اللحظات الأولى التي تشكّلت بعد ولادته الرسمية التي كانت عام 1957 في كربلاء، من خلال الأنشطة المدرسية، ليحصل بعدها على بكالوريوس أكاديمية الفنون الجميلة عام 1980، ويقيم عددا من المعارض والمشاركات داخل العراق وخارجه، منها معرض التخرج الذي نظمته الأكاديمية، ومعرض “أربعة في معرض” عام 2004، ومعرض ملتقى المثقفين العراقيين عام 2005، ومعارض مشتركة أخرى أحدها في منيسوتا الأمريكية عام 2006.

الطفولة وعدواها

يقول عن تلك اللحظة التي جعلته أسيرها إنها عدوى الطفولة الجميلة، أحدهم يكبرني بقليل من الشهور، كان يمضي مع الأوراق واللّون ساعات طوال ليرسم شجرة أو بيتا أو بحرا. يمتلك القدرة على رسم تلك الأشياء لكنني أجد رسمه ضعيفا ولم يصل إلى المستوى الذي أحمله في مخيلتي. ولم أنفذ رسما واحدا حتى المتوسطة، ويبدو إن التنين خرج إلى الواقع وهو ينفث نار الرسم، الرسم على الورق ثم الزيت. ضامد متأثر بمعلمه الأول عبد الجبار حسن أستاذ السيراميك، حيث كان يقول لهم إن الرسم يشكّل أول ملامح الكتابة لدى الإنسان الأول الذي أراد اكتشاف ذاته فكانت الرسوم هي محطاته الأولى لفهم الكون.

تلمس المعنى

 

في لوحاته ثمة علامات يمكن تلمسها بدقّة، وهي الانغمار في اللون الواحد، سواء كان الأزرق أو الأخضر، أو سيطرة لون واحدة على رقعة اللوحة الفنية، وكذلك الاهتمام بالخطوط التي تتلّمس طريقها نحو الحرف، أو المكان. فيقول، في الرسم تجد عادات تسحب باتجاه الأسلوبية، ويبقى الفنان خاضعا لها، وتظهر اليوم في أساليب بعض الفنانين وكأنه يرسم لوحةً واحدة. والفنان ضامد يدرك أن هذا الموضوع مع تغيير ثقافات الناس ووجود التقنية السريعة قد ينقل الفنان من بعدٍ إلى آخر ومن شكلٍ إلى آخر ليكثر في التنوعّ مع وجود بصمته، وهي التي تميزّه عن الآخرين من الفنانين، ولكن المهم في الفن هو التميز واختلاف البصمة من فنانٍ إلى آخر، كون الأسلوبية كنز للفنان عندما يأتيه واعز الرسم. ولذا هو يسعى لأن يضع في أعماله ما يشي بتوحّدٍ متوازنٍ بين الألوان، ويحاول في بعض الأحيان أن يجعل اللوحة تنطق، ليأتي بعض الحروف كدلالات لتحفيز ذاكرة المتلقّي للوصول إلى المعنى، لكنه يجد في داخله إنه مع الأرقام أكثر تجانسًا، يقول: إن حبّي وشغفي بالرياضيات تجد في لوحاتي بعض الأرقام وهي تشبه التواريخ والمعادلات الرياضية والنواتج والنهايات واللاشيء أجد الأرقام دلالات لمكانات وهي إزاحات زمنية، توحدت كوني ملهما بالرياضيات، المستقبل والماضي صيغة واحدة للحاضر.

الهجرة وشهرة التقنيات

ويعتقد ضامد في أن بعض الفنانين العراقيين سافروا وهاجروا خارج البلد للمكان الملائم للإلهام وللاستفادة من التقنيات وتطوير الذات. فليست هناك مشكلة بين أن تكون خارج العراق وداخله فكلنا نعمل والشهرة مقبلة، لكل مبدع طموحاته. لكن الحقيقة هي غير ذلك، فهناك تفاوت في الخبرة اكتسبها من هاجر لأنه اطلع وعرف طرق استخدام التقنيات الحديثة والمدارس الفنية، وكانت له تجارب مع فنانين عالميين، وهذا مهم جدا لمستقبل الفنان، والفرق يكمن في استغلال اللقاءات، الاطلاع، الإعلام، المواظبة، التفرغ. وهو موجود خارج العراق أكثر منه في الداخل. لكن ضامد يرى أن التأثر في الداخل وما تفرزه المعاناة والمتغيّرات، يمنح طاقةً إضافية محلية بما يعيشه البلد. لكن هناك ما هو غير مألوف في عملية الصراع في الداخل العراقي، صراع من نوع آخر أفرزته الظروف ذاتها، التي تجعل من الفنان الحقيقي أكثر إبداعا. ويقول: هناك بعض الفنانين من لم تكتمل قدرتهم، ولكنهم أكثر شهرة من المبدعين الكفوئين. ويعتقد أن هذا يضعف بنية تاريخ الحركة التشكيلية في العراق، واللوم يقع على عاتق المثقف الآخر، من الإعلامي والشاعر والكاتب والناقد، لأنه يجامل الطارئين على حساب القدرات، حتى الناقد اليوم جذوره من أرض أخرى، وبالتالي تكون قراءته للأعمال قاصرة، هو لا يفهم كثيرا في التقنيات والتعامل مع المواد، وبذلك لا يفرق بين لوحة ذات تقنية عالية، وأخرى متدنية، إلا أن قراءته تصبح سطحية ليتعامل مع ما يراه من ألوان ورموز.

متاحف ونهب وتدمير

 

إن هذا الأمر ربما لن يكون محصورا في الواقع التشكيلي العراقي، فالمتغيّرات تنتج ما هو غير مألوف، بحكم الفراغ أو حكم كثرة العاملين من الطارئين، ولهذا فإن الفنان ضامد يرى واقع الفن التشكيلي بعد عام 2003 على إن العمل الفني هو مجمل المشاعر وسجّلات الروح وتاريخ الأفكار وموروثات الشعوب، ولو تصفحنا تاريخ الفن العراقي لوجدنا أعدادا لا تحصى من الأعمال الفنية الرائعة، أنجزها فنانون عراقيون، رغم التحديات الاجتماعية والسياسية، وهي تزيّن متاحف العالم ودور العرض، باختلاف تبعيتها المدرسية، وأخرى دمرت ونهبت وبيعت خارج العراق، وأخرى من الموضوعات المؤلمة وعدم الاكتراث لأهمية تلك الأعمال وبعدها الحضاري، ناهيك عن توقف الفنان كمنتج لضعفه الاقتصادي وعدم قدرته على الاتصال مع الآخر لجني ثمار الثقافة الجديدة، وتجديد أفكاره وزيادة خبرته المعرفية والعملية، وبالتالي حدث إرباك في النتاج الفني لدى أكثر الفنانين.

الفنان العراقي اليوم

 

الشيء الجديد في الواقع العراقي الآن، أن هناك دائما من يشتكي. يقول ضامد: إن هذا الأمر يحتاج إلى دراسة ليست فنية وحسب، بل حتى نفسية، ولكن الشكوى التشكيلية، إن جاز التعبير، هي وجود إهمال خاص اتجاه الفنان. وهو يؤكد ذلك ويقول نعم هناك إهمال ولفرط الإهمال غاب عن الساحة الفنان التشكيلي بعد التغيير مباشرة، ولانشغاله بهمومه اليومية وتأثير المتغيرات في البلد، بقي الفنان ينتظر أو يتفرج، أو هاجر، وهاجس الهجرة جاء مرادفا لأفكار الفنان حتى قبل التغيير. ويرمي اللوم على البلد كونه لم يستطع احتضان مبدعيه، وأن يكوّن قاعدة تحركهم، واختفت الحاضنات الرئيسية والمؤسسات الثقافية والجماعات والجمعيات ودور العرض الكبرى، بسبب التخريب أو الإهمال. ويضيف أن سني الجدب الفني في الساحة الفنية، خلقت فراغا مشهديا للأعمال الفنية، وكانت قراءة المتلقّي لها واهنة، والناقد الفني تراجع مع حتمية سلطة الفراغ، ولكن الخلق والإبداع لم يتوقّفا فما زال هناك رافد الأفكار والإيحاء والذات المشبعة بالرغبة بالاستمرار، كلها تعتبر نسغا صاعدا إلى الخلق وإيجاد المحور الحقيقي لبلورة أفكار الفنان وتصعيد الجانب الثقافي من أماسي ومحاضرات وعروض تشكيلية، وما زال الفنان يحاول أن يصنع من خلطة مجتمعه والصراعات الدائرة جوا ملائما للعمل، وأن يرسل رسائله بشكل يسير لحثّ الآخر على الاجتهاد وإعطاء فرصة للفنانين لتأسيس مكون لهم للقاءات لتحقيق حضورهم كمبدعين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية