تقوم سرديات الكتابة الروائية أساسا على تقانة التخيّل، والبحث عن وجه آخر للحدث أو للتاريخ، إذ تنشغل هذه التقانة باعتماد معالجات فنية ومقاربات إسلوبية لإبراز فاعلية التشكيل السردي، والتعاطي مع إحالاته، ومع رؤيته التي ترصد تحولات الحادثة في المبنى السردي للمكان والشخصية والحدث.
رواية «طابق 99» للروائية اللبنانية جنى فواز الحسن الصادرة عن منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف تجد في سردية (ماوراء الأحداث) إسنادها الدلالي في التعبير عن تمظهرات التشكيل السردي، إذ تقارب من خلالها عالما ضاجا بالصراعات الداخلية، وهواجس ما تعانيه شخصيات ما بعد الحرب اللبنانية، تلك التي تعيش رهاب ما تركته الحرب من ندوب نفسية ورمزية وأوهام ومن خنادق، مثلما ترسم لنا الكثير من السمات العالقة بسرديات الوقائع والسير الذاتية للشخصيات، حيث تكشف عن انفعالاتها، وعن بنية المفارقة في صراعاتها في تيه وجحيم هذا (الما وراء) بوصفه زمنا إشكاليا، زمنا تعمد الكاتبة الى توظيف تقانة التوازي للتعاطي مع المفارقة، ومع الكشف عن مستويات التشكيل السردي للرواية، إذ يتحول الزمن الى تعبيري لاستعادة ذاكرة الإثم، مثلما يتحول الى باعث لمراجعة الكثير من سرائر ما تستغرقه تلك الأحداث بين عامي (1982وعام 2000) في عوالم الشخصيات وأمكنتها المقترحة سرديا ما بين نيويورك والمخيم، باتجاه التعرّف على أوهامها وضحاياها وأسرارها ومشعلي حرائقها.
هذه الراوية لا تصنع تاريخا بديلا، لكنها تحاول أن تقترح قراءة مضادة له، أو ربما تحبيك أحداثه من خلال اصطناع سيناريو آخر للمسرود الحكائي لتلك الحرب، أو حتى لتبرير ما جرى- من وجهات نظر مختلفة، أو أصوات متعددة- إذ تخصّ الحرب هنا الجميع بوصفهم ضحايا.. مثلما هو الفقد الذي خص الجميع أيضا، لاسيما جيل الحرب الذي خرج منها بخسارات وتشوهات كبيرة، حيث يفقد البعض أرضه وهويته، والبعض يفقد اطمئنانه، والبعض يفقد عقله أو أبيه أو أمه أو ابنه أو اسمه، كما فعل محسن/مايك.
إنها لعبة الحرب الفادحة، تلك التي توهب شخصياتها الخسارات، والتي تسحبهم إلى نوع من الاغتراب الوجودي، اغتراب التطهير، واغتراب الجسد، والبحث عن أمكنة اُخرى لممارسة نوع من سايكولوجيا التعويض، المضادة لوهم المحو، وتصغير الأشياء التي تتركها الحرب في الأثر وعلى الجسد، لكن الدال النرجسي للعطب والجرح هو الهاجس الذي يذكّر الشخصيات دائما برعب محنتها المستعادة، إذ يتحول الجرح إلى عطب نفسي عميق الغور، وبما يجعله جزءا من جرح الذات والهوية (والدك، على حسب ما تحكي عنه، كان يريدك أن تتعافى، لكن أنت لا تريد أن ترضيه، تريد أن تحتفظ بهما وشما على جسدك، وشما من الوجع) ..ص 150.
علاقة (مجد) الفلسطيني بـ(هيلدا) اللبنانية المسيحية هو محور التشكيل السردي في الرواية، فهي توظفه لصالح إبراز فاعلية تقانة التبئير في صناعة المشهد الروائي، وفي تقديمه كحساسية لمواجهة الذات، ولتركيب الأحداث ضمن مستويات الحكي، أو ضمن سياق زمكاني يؤطر علاقة النص السردي بما يوازيه من التاريخ، أي تاريخ أحداث الرواية وشخصياتها، وتاريخ صراعاتها واستلاباتها في الذاكرة والهوية.
عتبة العنوان تقصدت الإثارة وتحفيز النظر إلى حمولتها الرمزية، من خلال استكناه ما تحمله من بواعث نفسية لمفهوم العزلة بمعناها الفلسفي، أو بمعناها التطهيري. فهل أن «الطابق 99» رمز للعزلة حقا، أو للاغتراب عن ذاكرة الأمكنة؟
هذا السؤال يستدعي قدرا كبيرا من القراءة والتأويل، ليس لأنه عتبة للكشف، ولاستنطاق الأحداث، بقدر ما هو باعث أيضا على تشكيل (رمز سماوي في مبنى إمباير ستايد) للإيهام بالخلاص من بشاعة (الرمز الأرضي) حيث خطيئة الحرب، ولوعة الذاكرة المفجوعة بالموت العلني في مخيم صبرا وشاتيلا، وذكرى الأم القتيلة، والعطب في الساق والندبة على الوجه، مقابل محنة الهوية التي تعيشها هيلدا، وذكرى العم القاتل والمنتحر، والأب الحزبي المليشاوي.. كما أن رمزية «الطابق 99» في التشكيل السردي ليست بريئة، إذ لا يمكن فصلها عن التعالق بالمكان المديني الذي تمثله مدينة نيويورك بحمولتها الدلالية والتغريبية «من هنا، حين كنت أشاهد العالم من شرفة مكتبي الواقع في الطابق 99 من المبنى، بدا المخيّم غير موجود. وبدت فلسطين كبلاد ضائعة في الزحمة، بلاد لن يبلغني نداؤها، إن تجرأت على مناجاتي» (ص25).
ثيمة الجسد في الرواية تمثل العتبة الثانية في التشكيل السردي للرواية، فهو يجسد الرغبة، مثلما يجسد الوجود، إذ يتبأر عنده الكثير من سيرورة الأحداث، تلك التي تصطنع لها الروائية مقاربات سردية مفارقة، وإيهامات حسية تعويضية لترميم العطب الأرضي.. الحرب هي الذاكرة المضادة للجسد، فضلا عن كونها المقابل لسيرة الحدث العميق عبر ما تسرده الشخصيات وعبر ما تستعيده ذاكرتهم، وهي كذلك البؤرة المولدة لما هو تعبيري وإيحائي، وما هو سيونوغرافي ساند لتصميم المشاهد على مستوى بنية الفعل السردي وتنامي ثيمتها..
هيلدا المسيحية تهرب من البيت ومن الذاكرة لدراسة الرقص في أمريكا، والذي يمثل- سيميائيا- شكلا من أشكال الرفض الذي يمارسه الجسد على ذاكرته، وعلى عزلته، وهو في هذا السياق يعني العودة إلى الذات الفاعلة، مثلما هي ممارستها للحب مع مجد أمام المرآة لتحقيق نوع من حضور الإشباع الرمزي، والتمرأي بشفرة اللذة التي تعني عودة تعويضية لفكرة ما يعانيه الجسد من اغتراب.. كما نجد- بالمقابل أن نجاح مجد في عمله في أعمال الفيديو وبذخ حياته المادية، يمثل هروبا باتجاه تعويضات رمزية، بدءا من صناعته لمشهد المرآة في اللحظة الحسية الإيروسية مع هيلدا، وتلذذه بوهم الاكتمال بـ(صيانية) الجسد إزاء رمزية عطبه وندوبه، وانتهاء بتجاوز العصابي الراكز في ذاكرة المخيم الأرضية..
كما يمثل التاريخ العتبة الثالثة في الرواية، ولعلها العتبة الأخطر، لأنها تقارب محنة الشخصيات، وسيمياء ما تتمثله من تموضعات سردية، تلك التي يقوم بتشكيل تقانتها الراوي العليم، والراوي الداخلي، الذي يقدم لنا هذا التشكيل بوصفه مقابلا تعويضيا عن المرجعية التاريخية، والذي تقدمه لنا الروائية بوصفه مصدر إحالة لتقصّ بيوغرافي للشخصيات، وللإيهام بغربة الجسد، بوصفه الجسد الضحية، ومقابل اصطناع حافزه للبحث الدائب عن التعويض والحرية والإشباع والاكتمال.. وحتى وجوه الحرب القديمة تلبس قناعا جديدا، عبر محاولة لمحو ذلك التاريخ، وعبر التموضع- من جديد- في السلطة، لاسيما بعد الإعلان عن استيزار الأب الميليشياوي في نهاية الرواية.. تلك السلطة التي قد تصنع تاريخا آخر قائما على فكرة مراوغة لتأهيل الذاكرة التي تبحث عن راو آخر.
ويمكن أن نقترح ثيمة الاغتراب بوصفها عتبة رابعة في الرواية، إذ تنفتح هذه الثيمة في التشكيل السردي على تحولات عميقة لما تسرده الشخصيات الرئيسية، من خلال التعرّف على رهاب اغترابها الداخلي، وكذلك اغترابها عن أوهام المكان والجسد، فهيلدا تعيش هواجسها القلقة والشائهة وهي مدفوعة بالبحث عن معنى لوجودها ولتاريخ عائلتها الحزبي، مثلما يمثل فقدها عذريتها في المقعد الخلفي للسيارة نوعا من الاغتراب الأخلاقي عن ذاكرة المكان، وذاكرة الجسد الشرقي، أي أن الجسد الغربي الذي يضحك على عذريتها وهي في الرابعة والعشرين من عمرها شكلّ هنا نوعا من صدمة الاغتراب القائم على أساس الصراع ما بين الامتلاك الذي يمثله الغرب، وبين الإشباع الذي تحسه مع مجد/ رمز الجسد الشرقي العصابي بندوبه وقلقه..
وكذلك شخصية مجد المسكون باغتراب الذاكرة، واغتراب الجسد الفاقد للاكتمال، الذي يضعه أمام الكثير من الأفكار الفاجعة «منذ تلك الليلة، تغير أمر ما في المعادلة. وصرت لا أراها كحبيبتي بل أرى فيها ظل امرأة مسيحية. ليس لدافع ديني بل لأنني متأكد أنها حين ستعود إلى الهناك، ستخشى أن تقول لأمها إنها تحب رجلًا فلسطينيًا مسلمًا» وكذلك شخصية الصديقة الأمريكية ماريان التي تعيش اغترابا عميقا بعد غياب زوجها أو مقتله في حرب العراق، فضلا عن اغترابها الجنسي بعيدا عن الرجال الذين تحاول أن تعاشرهم «حاولي أن تقيمي علاقة، أقله إرضاءً لجسدك، قلت لها ولكنني أشعر بأن الجنس سلاح ذو حدين، إما يتركنا نشعر بالامتلاء، وإما يصيبنا بعده بخواء ما بعده خواء، في حالتي، لن يشبعني الجسد. سيخدر وجعي، ولكنه لن يعطيني الراحة التي أحتاج».
كما نجد مايك/ محسن ضحية تراجيدية لاغتراب التسمية، واغتراب الوجود، فضلا عن شخصية حبيبته إيفا المتمردة والصاخبة وصاحبة الذاكرة المفجوعة باغتصاب زوج الأم، والتي توهمه بإسقاط طفله كتعبير عن نوع احتجاجي من الاغتراب الوجودي الصادم والمفارق…
رواية «طابق 99» سردية مفتوحة على الأحداث والصراعات، لكنها وضعتنا أمام هاجس قرائي مفتوح، ورغم لغتها الاستطرادية والبسيطة، إلاّ أنها تمكنت من أن تضع حكايات الشخصيات، كلعبة سردية ماكرة في مواجهة صادمة مع تاريخ مسكون بالرعب والفجيعة، تاريخ جماعات وضحايا وأبطال وأوهام..
وعلى المستوى الفني اعتمدت الرواية تقانة التداخل الزمني، وسيناريو النص الذي يربط عين الكاميرا بحركة الشخصيات، مثلما وجدت في المستوى اللساني- لهجة الحكي- تعبيرا عن خصوصية الهاجس النفسي لما تبثه هذه الشخصية أو تلك، وبعيدا عن التوصيف الواقعي للرواية، فإن استغراقها في العوالم الجوانية لتلك الشخصيات يكشف لنا في جوهره عن سيمياء (الضحية) تلك التي حاولت أن تقدمها لنا الروائية، حيث أن كل ضحايا هذه الحروب هم ضحايا تاريخنا ووعينا المأزوم، وأن هروبهم للعزلة، وللأعلى، أو حتى عودتهم للبحث عن الهوية (القاتلة أو المقتولة) لا يعني سوى البحث عن الذات/ الضحية، الذات المسكونة بفكرة الفقد والاغتراب.
كاتب عراقي
علي حسن الفواز