التشكيل الشطرنجي للثورة المصرية

حجم الخط
0

عناية جابراللحظة الراهنة هذه، هي التي تُحرّك العالم العربي، تنبش في رقاده، فلا تبدو الثورات (الثورة المصرية تحديداً) جزافاً، بل هي إستجابة لفعل بدا في ما مضى، ميؤوساً منه ومستحيل المنال.ما يجمع هذه الثورات، ليس فقط الحاجة، او الفضاء، او الشباب، ولكن علائق ضمنية تحتاج في كل ثورة على حدة، الى فكّ وتأويل كما هو الحال في الشعر تماماً .في التشكيل الشطرنجي للثورة المصرية نضيع أحياناً في الأولويات كما لو طلاسم، لكننا نعرف أننا نصل الى نهاية السرداب. الثورة المصرية الى حد كبير، جاهزة لكي تنجح (بُذلت من اجلها أرواح وبطولات) لكنها تُصنع بأقل التفنن والإبتكار. يعوّل شباب الثورة المصري على بداهة وسلمية أشكال التظاهر، بداهة لاتتجلى في وضوح مراجعها ومثولها فحسب، ولكن أيضاً في تكرار أساليبها الطقسية. بداهة سلمية الثورة المصرية، كشعار وممارسة، يرخيان روحاً وطنية عالية، وحملاًً ثقيلاً في آن !!يمكننا هنا أن نتكلم عن الخديعة، وضغينة رجالات النظام السابق وأولهم الرئيس المخلوع وولديه، كذلك الدور الحاذق الذي تلعبه القوى الدينية المسيطرة الآن في مجلس الشعب، واللعب الخطير الذي ينتهجه العسكر، لكن هذه ليست سوى أمثلة على سقوط هؤلاء أو تشبيهات لما يمكن ان تكون عليه نهايتهم في ما بعد .يصنع شباب الثورة المصري إشاراته ببطء ويمتحنها. في الحقيقة هو يؤّكدها في التكرار.. صنع إشارة الإعتصام في الميدان، وإعادة هذا الإعتصام في شتى المفاصل الضرورية الحرجة. هنا تبدو الزاوية التي يحشر فيها شباب الثورة المصرية ثورته، ضيقة. إنهم كما لو يسعون أكثر فأكثر الى الإشتراط على ‘سلمية’ ثورتهم وعلى إنضباطها. أنهم لايفعلون سوى درء التهم الكيدية عنهم ومجاراة أخلاقيتهم المتجّذرة فيهم، وثورتهم هي تماماً هذا الدفاع المتصل، وهذا السعي (غير الواعي) الى تجريد الثورة من ثوريتها كما لو يؤثرون على التظاهر المدّوي، اللجوء الصامت الى قاعدة أكيدة، ليتربص بسلميتها الكثير من رجالات النظام السابق، في ظنّ هؤلاء أن إسقاط الثورة هو البديل عن السجن، البديل عن القصاص، وهو الحرية الوحيدة الباقية أمامهم. هل كانت الثورة المصرية جرأة في غير أوانها؟ كانت جرأة أجل، لكنها متأخرة عن أوانها. لانتخطى هنا زمن الغضب، لانزال في ربيع الغضب، وحيث أن آداء قوى الثورة دون ذلك الغضب، فلابأس، لايزال في الوقت متسع، وحده التصميم والحنكة والكرامة الغاضبة ومتنّفس الذات الجريحة يحققون الحلم .لاتزال ثورة مصر في بدايتها وأمامها الكثير: الحلم بكامل وعده، الحرية بكامل مداها، والأرجح أن أغلب الشعب المصري هو الآن مستودع هذا الحلم. الحرية هنا لاتزال أمامنا. حالة من الشعر في الثورة لاتزال أمامنا. ثورة بدون زهو ولا تصريح، ثورة صامتة وكأنها نوع من التعبّد. ليست الثورة المصرية تكرار ثورات منفصلة. إنها ثورة بذاتها تُشبه ذاتها تحكمها الشعارات المهذبة، ولكن أيضاً الصمت والرشاقة الخالصة، وتبدو بشكل عام كمن تتجسّس على المستقبل، او تتلصّص على الغد، وتحاذر العاصفة. ثورة شباب مصر هي نوع من سرى ليلي ومن إنسياب حذر. ثورة فيها رمل وملح وحب، ودائماً يحكمها وتر أكثر عذاباً من أي عذاب . قد تبدو الثورات تغيير ومصالحة مع العصر. هذا صحيح هنا وهناك، لكن الثورة المصرية خلاصة نقد للإستبداد، وتأسيس لديانة الحرية. شباب مصر في الميادين لايتخطون هذا بل لايقاربونه، وهم إذ يجمعون ويصالحــــون، يعرّضون حريتهم للخطر. هكذا يرأفــــون بالشر والأشرار تاركين لهــــم أن يمــــوتوا بأنفسهم بدل ان يمارسوا عليــــهم فعــــل القصاص العادل الذي يقرب الموت. لقد آذوا مصر طويلاً ويستحقون قصاصهم . لا نجد حركات ثورية واضحة هنا، بل ‘سلمية سلمية’ كمصداق يُذكرّ ببداية الثورة وبداية الخير والحلم، حتى أننا مع المتربصين بهذا الحراك الرفيع، نجد ذلك هروباً ممّوهاً بأسلوب لائق، وما نقع عليه، تعدّد ثورات وأصوات ومعان وتدوير معان خارج التحديد، والنتيجة بالطبع رسالة حافلة بالإلتباسات، بل هي رسالة ثورة بلا حماية، ذاهبة في التلعثم وليست بعيدة أن تضرب في دروب التعثّر . بعض التضحيات التي قدّمها هؤلاء من شهداء وممن ما زالوا على قيد الحياة والثورة، هدّمها أعداؤهم بالشك والسخرية والإفتضاح، بل يستعد النظام الفاشي وسواه الى مزيد الهدم. ولعل الشعب الطيّب البسيط يُساعد في الهدم على طريقته كأن يرفّض عن مؤازرة هذا الحلم الذي لم ينبلج عليه صباح بعد، بل نالهم منه حتى اللحظة مزيد من البؤس ممّا لاقدرة لهم على إحتماله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية