التشكيل المغربي بين المغامرة وحنين البدايات: أسئلة الهوية والشكل والعلاقة مع العالم
حسان بورقيةالتشكيل المغربي بين المغامرة وحنين البدايات: أسئلة الهوية والشكل والعلاقة مع العالمنظمت جمعية قرية محترفات الفنانين المعرض الوطني الكبير للفنون التشكيلية، في دورته الثانية، بكاتدرائية الدار البيضاء، ما بين تشرين الثاني ( أكتوبر) و كانون الاول (ديسمبر) 2005، كما أقيمت علي هامشه ندوات علمية لتأمل الحصيلة الفنية بالمغرب، فتحت حوارا لبلورة أسئلة يُعتبر التشكيل المغربي في أشد الحاجة إليها لفتح آفاق نظرية وعملية في ما يقوم به التشكيليون بحثا وتأملا.. وقد جاءت هذه الدورة في ظل خرائطية الأسلوب.. عندما تتنقل في هذا المعرض، بين هذا العدد الوافر من الأعمال التي تترجم، من مناحي شتي، المجهود الذي يبذله الفنانون من أجل تطوير وتوسيع المشهد التشكيلي في المغرب، ستلاحظ أن هذه الأعمال، باختيارات أصحابها، تقول (هي) أن الأسلوب ـ كل أسلوب ـ موقف إزاء الحياة؛ كما ستلاحظ أيضا، أن من بينها يخرج الفكرُ ـ والعبارة لمرلو بّونتي ـ من العينين كي يذهب للتجول بين الأشياء علي شكل رنين، الرنين الذي لا يصدر عن الأشياء التي شوهدت، إنما عن أشياء قالتها الأشياءُ التي شوهدت فكونتْ خيالنا، ذلك أن الأعمال الفنية تفكر أيضا، ولأنها تفكر، فإنها لا تفعل ذلك لتستأ صلنا من العالم، بل لكي ترده إلينا مغايرا، مختلفا، مُضاء ومُشاهَدا علي نحوٍ جديدٍ.تمثل محاور الاستئناس المقترحة في الموضوع، من طرف الجمعية، انشغال عدد من الفنانين والنقاد وأصحاب أروقة العرض والفاعلين في سوق الفن وجمّاعي التحف وغيرهم؛ كما تمثل بتداخل عناصرها خلفيةَ الجدارية التي يساهمون جميعا في إنجازها… فهي إذن حاضرة في وعيهم وأثناء عملهم وإن كان كل منهم يعبر عنها بلغته الخاصة… وقد استنتجت علي مدي شهور من خلال الحديث مع عدد من الفنانين والنقاد وغيرهم، بعض الملاحظات، منها:1 ـ أن علينا أن نفكر مرة ومرات فيما يتعلق بسؤال الحكم علي مسألة الفن التشكيلي، لأن الأسبقية تبقي لهذا الأخير مقارنة مع أي نوع من أنواع الخطاب التي نجريها عليه… ذلك أن المكتوب لا يأخذ قيمته الحقيقية إلا من الأثر الفني الذي يلهمه، باعتباره جوهر الفعل الإبداعي نفسه. لذا علي السؤال أن يظل مفتوحا، وعلي الإصغاء أن يكون للفنانين أولا، وأن يُقام حوار مزدوج بين ما يرسمون ويقولون، وكيف يفكرون في المسار النقدي المتعلق بالتشكيل عموما.2 ـ غياب العلاقة اليوم بين الفني والتشكيلي، بحيث أن لقاء الكتاب والشعراء بالتشكيليين في السبعينات، سواء في المدرة البلدية للفنون التشكيلية بالدار البيضاء، أو نسبيا بتطوان، قد قدم دعما لوجيستيا للفنانين، خصوصا في مجلات: أنفاس، أنتغرال، لاما ليف، الثقافة الجديدة، الإشارة.. وغيرها، حتي وإن كان ذلك علي حساب الشكل، لأن شعارات المرحلة كانت سياسية أكثر من كونها جمالية.. مرحلة لم تولد تشكيلا أدبيا أو معرفيا تظلله خلفية فلسفية أو فكرية هامة تذكر، مثلما حصل بين سيزان أو رودانْ وريلْكه، فْرانسيس بيْكون وجيل دولوز، بْرام فان فيلدْ وبيكيت، جياكوميتي وجان جونيه، فريدا كالو وكارلوس فْوينتس، ورسامين آخرين أمثال بّول كْلي، طابّييس، فان غوخ، بيلاسْكيث ..وغيرهم.3 ـ أن غياب المنشورات والدوريات والمجلات واللقاءات السمعية والبصرية التي يمكن أن تعني بالتشكيل ومتابعته، خلق نوعا من الرتابة والتشابه في الإنتاج، ويقينا في التعامل مع الأشكال، وأحيانا نوعا من التخبط بين الأساليب لدي الفنان الواحد، ترتب عنه تشوشٌ في الرؤية وحدوث قطائع غير مبررة تخلو من كل معرفة أو تأمل… باستثناء بعض المحاولات التي تقوم بها اليوم جمعيات فنية أو اتحاد كتاب المغرب أحيانا.4 ـ أن الحساسية التشكيلية اليوم، في أغلبها، ما تزال تتراوح بين أفلاك متباينة فيما يتعلق بسؤال الإبداع، الراهن والذات. بعضها الأول يرتحل إلي تراث فني يعيشه من دواخله ويبعث معه مناخه الثقافي والفكري ونمط اللغة المحيطة به ووعي أصحابه الفني. من هنا قلّ هاجس البحث عن أساليب تشكيلية كفيلة بخلق جديد يقوم علي هدم وإعادة بناء، وتفكير يردم الهوة بين التراث الجماعي ومتخيله وبين الحداثة الفنية كما فعل الفنان عباس صلادي مثلا.. وهنا أريد أن أستعير جملة لأحد الفنانين عن هذا النوع ، إذ يعدّه شكلا تعبيريا عاجزا عن التطور علي الصعيدين الجمالي والفكري، أي أن الموضوعة التي يدور عليها، مثل مظاهره الشكلية، قلما يعاد التفكير فيها أو تجاوزها من طرف الرسام .. البعض الثاني يجد ضالته في تراث الغير، في التجارب الغربية، معتبرا إياها منجما إنسانيا مشتركا يمكن الاستعارةُ منه والاقتباس من أساليبه وأشكاله، لكن لوحاتنا تتحول هنا في الغالب، إلي صدي لهاته التجارب، تطفو عليها أصوات الغير وتهاجر إليها ذاكرات بصرية غيرية عبر الأثر والعلامة والبصمة، يصعب معها التحرر من عقلية المريد أو التلميذ.. وهذا ما أشارت إليه جريدة لو موند في إحدي مقالاتها المنشورة إبان سنة المغرب في فرنسا، رابطةً بين إقامة بعضهم في حي الفنون وبين تقليد رسامين فرنسيين معاصرين..وهو تنبيه لأن يختار الفنان بنفسه مادته وأسلوبه، وأن يحدد أفقَ وانغراسَ أثره الفني المستقبلي، والأمثلة لا تعدم من المشهد التشكيلي المغربي عن أولئك الذين حاوروا الفن الغربي وغيره كما حاور فنانو الغرب وغيرُهم ألقَ سماء وروحانية الشرق وبعض بلدان شمال المغرب العربي والعمق الإفريقي. البعض الثالث، والذي يمثل مركز توازن مهم في سياق التطور التشكيلي في المغرب، اهتم أساسا بالفضاء، بالسطح، الامتداد البصري، المواد، الألوان والصور. ولديه نكتشف شعريةَ مكوناتِ الأسلوب (عبر الذاكرة والنسيان) والجسد (عبر ماديته وأحلامه وإكراهاته).. ومعه أصبحت اللوحة مادةَ معرفةٍ وموضوعَ متعةٍ ضد كل جرحٍ أو مصادرة أو تحريم. نفهم ذلك من كتاباتهم أو ممارساتهم الفنية أو حواراتهم ومما ألّفه كتاب وشعراء حول أعمالهم وسيرهم الفنية، أمثال الطاهر بنجلون، إدمون عمران المليح، عبد الكبير الخطيبي، محمد الأشعري، محمد برادة، مصطفي النيسابوري، طوني ماريني، السجلماسي، ادريس الخوري، حسن نجمي، محمد الواكيرة، موليم العروسي، فريد الزاهي، آلان ماكير، فرانسوا وول، فْلينْت.. وغيرهم، أو أصحاب أروقة العرض مثل مرسم، ندار، ألف باء، المنار.. وأخري تم استحداثها في السنوات القليلة الماضية. وبين هذه الثلاثة يتصلب مفهوم الهوية الفنية بين حنين البدايات والمغامرة؛ بين التشبث بها علي أنها شيء ثابت لا حياة فيه، وبين اعتبارها دائمة التحول تنبني مع ما يبنيه أصحابُها.5 ـ نجَم عن هذه الملاحظة الأخيرة، سؤالُ ما المغربيَّ في لوحة مغربية؟ وإن وجب علي الفنان المغربي أن يكون مغربيا صرفا؟ وهل الفنان فنانٌ من حيث ما يضيف أم من حيث ما يكرر ويعيد؟ أسئلة ربما غير مهمة أهمية الانشغال بخلق لوحة أو منحوتة أو تنصيب يمكنهم أن يكونوا حدثا وقطيعة علي الصعيدين العملي والنظري، آثارا فنية تجرّ وراءها سلسلة من الأعمال الجديدة والأسئلة الجديدة، تبدأ من مجابهة واقع مجهول يدفع الفنانَ إلي خلق الفراغ فيه هو أولا، بتحرره مما سبق له أن أنجز ومحوِ ما توصل إليه، ويُخرج عمله من اللغة المفاهيمية إلي لغة تأملية، أيا كان العمل، تجريديا أم تشخيصيا، فلا تعارض بينهما عندما نعي أن الشكل في الرسم ليس الصورة، إنما المادة، لا مادةَ شكلٍ معينٍ مُزادة، بل شكل مطلق في حد ذاته، أي ما يسميه طابّييس بلغز لامادية المادة. وهو ما عبر عنه فرانسيس بايكون في أحد حواراته مع سيلفستر، قائلا: أبدأ بتشكيل لوحة، ثم تمر علي لحظة أكون فيها بحاجة إلي تجلي الصدفة ، ويقصد بذلك الرسم التخطيطي غير التام: يأخذ فرشاة أو خرقة ويمحو بعض ما توصّل إليه، وانطلاقا من النتيجة تحصل الصدفة، يتحول العصفور إلي مظلة.. والمهم في الأمر هو الإحساس بأن تصبح هذه العملية ضرورةً: كيف غدت اللوحة التي كادت أن تمّحي إلي لوحة أخري، وأن تمسي حقيقةُ التشخيص كامنة تحت التشخيص، كي لا يقول الفن أو الرسم حقيقةً كونية، إنما واحدة من حقائق الرسم وكفي. ثم عندما كان كل من شاغال وروثكو يرسمان، لم يكونا منشغلين بمدي حضور هويتهما الروسية قدرما كان انشغالهما كبيرا بأن تعلن لوحاتهما حقيقة تنتمي إلي الرسم.. وبذلك حقق روثكو، علي وجه الخصوص، في تجربته حدا فاصلا في تاريخ الرسم، بجعل اللون نفسه منتج النور في اللون.. لذا أري أنه في التجربة المغربية، تبدو أسماء مثل الشرقاوي، عزيز أبو علي وصلادي علي سبيل المثال أقرب إلينا اليوم من أسماء ما تزال غارقة في نفس الأسلوب والتجربة ونمط التفكير من سنوات طويلة..6 ـ أن ثمة قلق لا مبرر له لدي الفنان الذي يخال أنه وجد أسلوب عمل معين؛ قلق ناتج عن الخوف من فقدانه إن هو تقدم خطوة في بحثه.. يخاف من أن تضيع العلامة الدالة علي اسمه لدي اصحاب الأروقة والنقاد والمقتنين.. والمعروف أن الفنان ليس من يخلق اللوحة تلو اللوحة دون رابط جمالي أو رؤية للعالم، ففنان مثل بْرام فانْ فيلْد لم يرسم في حياته سوي لوحات معدودة، لأنه فرض علي نفسه أن يضيف إلي شجرة أنسابه وقبيلته الفنية لغة تشكيلية غير اللغة التي اخذها عنها في مستهل مسيرته الفنية.. في كتاب كلام مترحل يقول الفنان محمد قاسمي: في لحظة تاريخية معينة، علي المرء أن يمتلك جرأة تدميرِ واختراقِ عدد من العقائد غالفنيةف للوصول إلي ما وراء وضعية صارت رسمية (…)، لإقامة إطار اجتماعي وفكري يوافق تطلعات راهنة. ولا يمكن لهذا أن يتحقق إلا بفعلٍ إبداعي يتجاوز مرحلةَ الحنين والحفاظَ علي مسافة معينة مع المؤثرات الآتية من الآخر / ص 17. وقبله قال الغرباوي في شهادة وردت في كتاب عبدالكبير الخطيبي الفن العربي المعاصرـ مقدمات ، ترجمة فريد الزاهي، ما يلي: لقد شكّل التراث بالنسبة لي رافدا بصريا أكيدا. فلا يمكننا أن ننفلت من بيئتنا. لكننا لا يمكننا دائما وصف ما نحمله في داخلنا. لقد ظل عملي الشخصي دائما مجهودا باتجاه المجاوزة .. يؤكد هذا أن علي الفنان المغربي ألا يمعن في ترسيخ أن الفن المغربي المعاصر يفتقر إلي إشكاليات وإلي توازنات تجدِّد دمَه؛ وألا يحافظ علي وضعيته في إطار تمزقات الأصالة والمعاصرة، الماضي والحاضر والمستقبل، التي بإمكانها أن تحوله إلي فنان إطفاءٍ لإخماد نيرانها؛ عليه أن ينحت فنا آخر، مخالفا، فنَّ قطيعةٍ ورؤية جديدة للعالم (قاسمي)..7 ـ أن تاريخ الفن هو تاريخ قطائع. وقد تحدثت طوني ماريني، في مقال لها بعنوان من يهاب الفنانين؟ عن حصول قطيعة من هذا النوع علي صعيد الفن، بدءا بالأعمال التي أنجزها الرعيل الأول في الستينات من القرن الماضي، علي مستوي منبع الأفكار التي شرع بها هؤلاء ورشهم الإبداعي، وتعاملهم الشغوف مع المواد والتقنيات والأساليب والطرائق الجمالية للفنون التقليدية، والشعبية منها بخاصة.. غيرأن التجربة توقفت عند هذا الحد وتوقف أغلب أصحابها عند الخطوط الأولي من اكتشافاتهم… ولأن كل ما ننجزه في الفن وفي الحياة هو نسخة ناقصة مما فكرنا في إنجازه ( كما يقول فرناندو بّيسوا )، فإن علينا اليوم أن نخرُج من الرسم المعرَّف إلي رسمٍ نكرةٍ، رسمٍ يحمل قدَرَ خيالنا، لأن الشر المطلق للإبداع، يكمن في التكرار، تكرار الأشكال والأساليب، دون أن يكون ذلك ضرورة جمالية. إن الانطلاق من نقطة معروفة في البداية إلي نقطة نهاية معروفة يمكن أن يكون خط حافلة، لا عملا إبداعيا.. لقد كان التخيل الإنساني دائما وليدَ تعبٍ وحاجةٍ إلي هواء وديكور جديدين، وأظن أن فننا يجب أن يصدر عن تعب الأشكال والأساليب والمواد، وأن لا يكون له تعريف واحد، وأن يكون بطبعه مدمِّرا وناتجا عن ذهنِ مدمر يفسح المجال، ينأي ويرتحل إلي الهامش بعيدا عن الإجماع وعن كل مؤسسة تدعي المطلقية والمركزية، كما فسر ذلك إدمون عمران المليح في كتابه العين واليد ، أن يخرج فريدا كما خرج ضون كيخوته إلي العالم من البوابة الخلفية، لزرع الاحتمالات والريبة واللايقين، كي يكون بمثابة فعل يؤكد انتصار الحرية في العمل علي الضرورة، لأن الإحساس بخلق شيءٍ مّا حيٍّ، أهم من الجمال أو القبح. وربما كان هذا هو المبرر الذي يجعلنا نبحث في الفن عن وجهنا، عما يعكس المجهول الثاوي في دواخلنا، علي شكل مقاومة واعية، إرادية ولعِبِيَّة مع المتواضَع عليه والجاهز الذي يشكل نظاما في مجالٍ لا يقبل النظامَ. إن الرسم يوجد هناك، في مكان مّا، كما قال بّول تْسيلان عن الشعر، وهذا أصعب قانونٍ متاهيٍّ يخضع له الفنان، لأن اللوحة العظيمة محلوم بها فقط، كما يُحلَم بالمدن الجميلة… هذه المغامرة المتواضعة والسامية، التامة واللانهائية، هي المغامرة التي يجب أن تُنْقَشَ في قبّةِ سماءِ رسمنا، بين ما هو عليه وبين ما يصبو إلي أن يكونه، يقاوم الفنان ضد نفسه، متعطشا أبديا، ومحكوما عليه بإعادة تشكيل العالم وتعداد احتمالاته، حتي يتمكن من الاستراحة هنيهة في عمله السيزيفي الإرادي. في سياق كلامه عن فنانين مغاربة، في فصل المتفردون في الفن أمثال الشعيبية ومولاي أحمد الإدريسي، يقول عبد الكبير الخطيبي متحدثا عن صلادي الذي كان الأقرب إلي هذه الصورة: … ونحن لانزال نذكره كرجل هجره الزمن. فكما عاش كان يعيش أعماله التشكيلية. وما ينقطع عن الرسم حتي يستبد به الصرع مرة أخري. ظل صامتا ومنقطعا عن الحركة، بحيث كان من اللازم الرجوع معه إلي فجر الكلام ، ص 75. الشغف بالشكل هنا، يتطابق و الإمساك الخفي بقوي الخارج وبالرغبة في ابتكار الحياة علي نحو أحشائيّ يسِم الحياة بـ إرادة القوة التي تميز الأعمال ذات التجربة الحدّية والقاطعة في تاريخ الفن، حيث توظَّف منابع غامضةٌ بأقصي قسط من الوضوح كما في لوحة الملاك الجديد لبّول كْلي، التي خصص لها الفيلسوفان فالتر بنيامين وثيودور أدورْنو صفحات عديدة.. بهذا الذي سبق، يكون الرسم احتمالا لا يقينيا، بعيدا كل البعد عن الاطمئنان والذوق العام والركون إلي ما تم اكتشافه من الأشكال والمعاني التي صارت مطروحة في الطريق ، والتي تنمّي الإحساس بالنفور من كل تشكيل فني جديد، إلي درجة أنها تصبح تقعيدا وهيمنة علي اليد والعين وفيــضا بلا أبعاد تأملية وتسـاؤلية، بهما يغدو الرسم تزيينا لا طعم ولا ذ وق ولا رائحة له، أي رسما بلا أسلوب ولا شكل، بالمعني الذي يفهم أن الشكل هو الدلالة، وهو المضمون الذي يصعد إلي السطح (هوغو).. ودون ذلك يكون التشكيل باهتا، حنينا بلا هويةِ صيرورةٍ، أي رسما بلا رسام. أخيرا، يبدو أن الخاصية المشتركة بين الأعمال الإبداعية الكبري، حتي الشعرية منها والروائية والقصصية والفوتوغرافية والمعمارية والموسيقية، هي شكلُها وأسلوبُها المختلفان، لأنها عندما تولد يضاف معني جديدٌ للحياة والعالم، نابع من النظرة المختلفة للمشخَّصات والألوان والمواد والأشياء المجردة والمحسوسة؛ ذلك أن الشكل والأسلوب ليسا إطارا أو إناء ثابتا، بل مفجِّر علاقات بين اللون واللون، اللون والشيء، الأنا والعالم؛ إنه جدولٌ دائم البحث والجريان والحركة، انقلابٌ معرفي، محاولةُ رسم ما لم يُرسم، قطعُ الطريق علي ما تقدم من الأشكال والأساليب والثقافة الجمالية السائدة لغةً وممارسةً.. وحنينٌ غامض مجهول إلي المستقبل. كاتب وفنان تشكيلي من المغرب0