الناصرة ـ «القدس العربي»: طيلة أيام كان أقطاب حكومة الاحتلال يتحدثون عن رغبتهم إغلاق الحرم القدسي الشريف أمام اليهود والسائحين في العشر الأواخر والسعي لتهدئة الأوضاع، لكن على الأرض كانت القدس تشهد المزيد من التصعيد والإصرار على مواصلة المحاولات لكسر روح الفلسطينيين وتثبيت السيادة الإسرائيلية فيها حتى بثمن اقتحام الأقصى وإلقاء القنابل الغازية والصوتية داخله. وبعد يوم الجمعة الثالث في رمضان توقف المستوطنون عن الاقتحام لكن مئات الجنود قاموا بذلك واعتدوا من جديد على المصلين من مسنين ونساء وصحافيين وكل ذلك بذريعة مكافحة الشغب ومنع أتباع حركة حماس من التظاهر والقيام بعمليات «استفزازية». وأمام تساؤلات دولية عما يفعله جنود الاحتلال داخل مكان مقدس، وأمام خسارة الاحتلال في المعركة على الرواية والوعي في العالم بفضل أشرطة فيديو لا تكذب وتوثق هذه الاعتداءات التي وصفتها الحكومة الفلسطينية بالبربرية، استل وزير خارجية الاحتلال يائير لابيد تفسيرا غريبا غير مسبوق مفاده أن إسرائيل تعمل على تأمين حرية العبادة ومنع الشباب المشاغبين من تنغيص مشاعر المصلين من خلال مظاهراتهم مع التشديد اللفظي أن إسرائيل لا تريد تغيير «الوضع الراهن» في الحرم، بعكس الوقائع على الأرض. ورغم الانتقادات والتساؤلات في العالم عن هذه الاعتداءات المتكررة على المدنيين الفلسطينيين والصحافيين والعبث ببرميل بارود كامن في الأقصى لم تتوقف «حكومة التغيير» عن الانتهاكات التي حذرت من تبعاتها بعض الجهات الإسرائيلية غير الرسمية. ويبدو أن قادة هذه الحكومة باتوا يدركون أن أيامها باتت معدودة بعدما انتقلت رئيسة الائتلاف الحاكم النائب عيديت سيلمان من يمينا حزب رئيس الحكومة نفتالي بينيت إلى صفوف المعارضة لتسود حالة تعادل داخل الكنيست الإسرائيلي 60 مقابل 60 ما يعني أن الحكومة أصبحت «بطة عرجاء» غير قادرة على تمرير مشاريع قوانين وتفقد شرعيتها الجماهيرية يوما بعد يوم. وما زاد من محنتها مزاودات المعارضة عليها واتهامها بالعجز والضعف في مواجهة التحديات الأمنية خاصة بعد سلسلة عمليات فلسطينية جعلت أوساطا إسرائيلية واسعة متعطشة للانتقام ولتقاسم الأقصى مكانيا وزمانيا وهذا ما تبوح به بعض الأوساط الصهيونية المتشددة وهذا ما يفسر ارتفاع شعبية رئيس المعارضة بنيامين نتنياهو في الشهر الأخير.
عريس الغفلة
تزامنا مع العمليات الفلسطينية تفاقمت مزاودة المعارضة على حكومة الاحتلال والاستخفاف برئيسها نفتالي بينيت وتصويره بصفة «عريس الغفلة» من مسرحية عادل إمام، لأنه يترأس حزبا صغيرا جدا، أعضاؤه بعدد أصابع اليد الواحدة ولا يملك السيطرة عليهم وهذا ما يدفعها للتصعيد واستخدام قوة مفرطة تكاد تكون غير مسبوقة مع المدنيين الفلسطينيين فقتلت منذ عملية تل أبيب 26 فلسطينيا واعتقلت المئات على طرفي الخط الأخضر. ولم تأبه للاحتجاجات الأردنية والإماراتية والعربية فأقدمت حكومة الاحتلال على ضرب المصلين الفلسطينيين في الحرم القدسي الشريف في رمضان ومهاجمتهم بالقنابل الغازية من خلال طائرات مسيرّة وتقييد حركة الفلسطينيين المسيحيين الراغبين بالصلاة في كنيسة القيامة خلال عيد الفصح ما دفع بعض الأوساط المسيحية للتوجه لمحكمة العدل العليا فيما دعت بطريركية الروم الأورثوذوكس للنفير للقدس والصلاة في كنائسها بدون اهتمام بالتقييدات على الحركة المفروضة من قبل الاحتلال.
الجمعة الثالثة
ورغم كل ذلك أكد الفلسطينيون أنهم مرابطون ومتمسكون بالأقصى بكل ثمن، فصلى فيه يوم الجمعة الأخير نحو 150 ألفا من الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر وفقا لتقديرات دائرة الأوقاف الإسلامية. وأفادت بأن قوات الاحتلال فرضت إجراءات مشددة في محيط الأقصى، وأغلقت كافة الشوارع والطرق والأحياء المتاخمة للبلدة القديمة في القدس، حيث انتشر الآلاف من عناصرها على بوابات البلدة القديمة والطرقات والشوارع المؤدية للمسجد، وعلى بواباته الخارجية، وأجروا عمليات تفتيش لأغراض المواطنين، وفحص هوياتهم الشخصية، كما شهدت الحواجز العسكرية الثابتة المقامة على المداخل الرئيسية لمدينة القدس ازدحاما واختناقات كبيرة. وكان آلاف المواطنين أدوا صلاة فجر الجمعة الثالثة من رمضان في المسجد الأقصى، تلبية لدعوات نشطاء مقدسيين، قبل أن تقتحم قوات الاحتلال المسجد وتعتدي على من فيه بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط وقنابل الصوت والغاز، ما أدى إلى عشرات الإصابات بعضها وصفت بالخطيرة حيث أصيب عشرات المواطنين بالاختناق، بينهم 9 أطفال، في تجدد المواجهات عقب صلاة الجمعة، داخل باحات المسجد الأقصى المبارك وذلك حسب الهلال الأحمر الفلسطيني. وأفادت جمعية الهلال الأحمر في القدس بأن طواقمها تعاملت من خلال عياداتها الميدانية مع عشرات الإصابات بحالات اختناق، جراء إطلاق قنابل الغاز على ساحات المسجد الأقصى. وانطلق المصلون عقب انتهاء صلاة الجمعة، في مسيرة جابت باحات المسجد الأقصى، تنديدا بالعدوان الإسرائيلي، مرددين الهتافات والشعارات، ورفعوا العلم الفلسطيني. وخلال المواجهات، اعتقلت قوات الاحتلال العشرات من الفلسطينيين كما اقتحمت بلدة جبل المكبر جنوب شرق المدينة، واعتقلت ستة من شبانها وفي بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، اعتقلت قوات الاحتلال شابين من حي راس العامود.
المعايير المزدوجة
من جهته ندد رئيس الوزراء محمد اشتية بجرائم الاحتلال وكرر مطالبة المجتمع الدولي، بكسر المعايير المزدوجة في التعامل مع القانون الدولي، وتوفير الحماية لشعبنا الفلسطيني، مع استمرار العدوان عليه ومصادرة حقوقه المشروعة. وأدان اشتية، التصعيد الممنهج لدولة الاحتلال في القدس وقطاع غزة، مؤكدا أن إرهاب الدولة المنظم وفائض القوة العمياء، لن يفلح في ثني شعبنا عن مواصلة نضاله لتحرير أرضه، ونيل حريته، وإقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس. وأشار إلى أن استهداف أهلنا في قطاع غزة بالغارات وانتهاك حرمة المسجد الأقصى بتكرار الاقتحامات ومواصلة عمليات القتل والاجتياح للمدن والقرى والبلدات في جميع الأراضي المحتلة، يحمل نذر تصعيد مبيت لمحاولة فرض وقائع زائفة على الأرض بالقوة ضد شعب أعزل، إلا من إرادة الصمود والتحدي في مواجهة الاحتلال وممارساته، حتى تحقيق آماله بنيل حريته واستقلاله على كامل تراب أرضه المحتلة.
الرئيس عباس
وبعد تصاعد التوتر والاعتداءات تلقى رئيس دولة فلسطين محمود عباس، اتصالا هاتفيا من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وثمن الرئيس عباس الجهود الشخصية التي يقوم بها الأمين العام، مقدرا الجهود الكبيرة التي تقوم بها مؤسسات الأمم المتحدة لدعم القضية الفلسطينية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني. ووضع أبو مازن الأمين العام، خلال الاتصال الهاتفي، في صورة الاعتداءات الوحشية لقوات الاحتلال الإسرائيلي ومجموعات المستوطنين المتطرفين التي تقوم بشكل يومي باقتحام المسجد الأقصى في مخالفة صارخة للوضع التاريخي والقانوني؛ الذي يؤكد وجوب تنسيق الزوار الأجانب من غير المسلمين من خلال دائرة الأوقاف الإسلامية. وأشار الرئيس إلى أن هذه الاعتداءات تسببت في جرح واعتقال المئات من أبناء شعبنا الفلسطيني، مؤكدا الرفض الكامل لأي تغيير للستاتكيو التاريخي. وأكد عباس على أهمية خلق الأفق السياسي بما يؤدي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض دولة فلسطين بعاصمتها القدس الشرقية، ووقف الأعمال أحادية الجانب، والالتزام بالاتفاقيات الموقعة، محذّرا من أن استمرار الاقتحامات للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وأعمال القتل لأبناء شعبنا وغيرها من الاعتداءات الوحشية، ستؤدي إلى تبعات وخيمة لا يمكن احتمالها أو السكوت عنها. وكان قبل ذلك استقبل في مقر الرئاسة في مدينة رام الله، مبعوثي الإدارة الأمريكية يائيل لامبرت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي، وهادي عمرو نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي. وطالب الرئيس عباس، الرئيس بايدن وإدارته، بالتدخل الفوري والعاجل لتحمل مسؤولياتها نظرا لخطورة الأوضاع جراء الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية كافة وخاصة القدس والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة.
فلسطينيو الداخل
وتتعامل الشرطة الإسرائيلية بمكيالين في القدس المحتلة، فهي تقمع الفلسطينيين وتهادن المستوطنين واليمين المتطرف. فقد سبق وأجرت مفاوضات مع المنظمات الفاشية، مثل «ليهافا» و«عوتسما يهوديت» التي يقودها عضو الكنيست إيتمار بن غفير، حول مسار «مسيرة الأعلام» الاستفزازية في القدس المحتلة ورضخت لبعض طلباتهم. كذلك تتعامل الشرطة بعدوانية مع المواطنين العرب في أراضي 48 وتتعامل معهم على أنها شرطة أمنية وترى بهم أعداء لا مواطنين تماما كما حددت لجنة التحقيق الرسمية في أحداث أكتوبر عام 2000 يوم فتحت النار على المتظاهرين داخل أراضي 48 وقتلت 13 منهم وأصابت العشرات بالرصاص. وكررت الشرطة دعايتها التحريضية بأنها تستعد «لأعمال شغب» في المدن والبلدات العربية. وقالت في بيان «ليس سرا أنه نشرنا آلاف أفراد الشرطة في أنحاء البلاد، ونحن جاهزون بقوات معززة من أجل الحفاظ على أمن الجمهور ومنع الإرهاب من رفع رأسه ثانية». وتكرر الشرطة الحديث عن اعتقال عشرات المواطنين العرب بزعم أنهم قاموا بـ«أعمال شغب» إلا أن قسما كبيرا من هذه الاعتقالات كانت عمليا قمع حريات، إذ اعتقل ناشطون لدى توجههم إلى تظاهرات سلمية احتجاجية.
شاؤول أرئيلي
في المقابل يوجه بعض خريجي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية انتقادات لحكومة نفتالي بينيت لكونها لا تترك للفلسطينيين أي أفق سياسي أو أمل بتسوية الصراع وتغيير الأوضاع المأزومة. من هؤلاء الجنرال في الاحتياط الباحث شاؤول أرئيلي الذي يحذر من خطورة الأساطير الإسرائيلية القائمة على بذرة من الحقيقة مغلفة بطبقات سميكة من الكذب مثل أسطورة عدم وجود شريك فلسطيني للسلام. في مقال نشرته «هآراس» أمس قال أرئيلي إن «وراء كل أسطورة يوجد هدف سياسي، كلما كان أبعد من الواقع فسيصغر عامل الحقيقة الموجود في الأسطورة ويزيد فيها عامل الاختلاق، الذي يخلق غلافاً من الادعاءات والتفسيرات المنحازة، ويسمح للأسطورة بأن تنقل رسالة اجتماعية-سياسية بصورة مثيرة للمشاعر التي لا تصمد أمام اختبار الحقائق». كما قال إنه «كلما كان الهدف السياسي ملحاً أكثر فإن أتباع الأسطورة سيحاولون تطويرها بصورة أشد» وتابع «لا يوجد مثل التقرير السنوي لمجلس الاستيطان مع المعطيات الديموغرافية عن الإسرائيليين الذين يعيشون في الضفة الغربية من أجل أن يثبت ذلك. يريد التقرير الإشارة إلى ازدهار إسرائيل في الضفة من أجل ترسيخ أسطورة أن المستوطنات حولت حل الدولتين إلى أمر غير ممكن، والآن بعد فترة قصيرة سيكون بالامكان ضم المنطقة دون المس بالحلم الصهيوني حول دولة ديمقراطية مع أكثرية يهودية. يوجد لهذه الأسطورة نجاح كبير في روح المجتمع الإسرائيلي – 80 في المئة من مؤيدي حل الدولتين يعتقدون أنه غير ممكن بالأساس بسبب نجاح مشروع الاستيطان».
وجود «الهيكل»
من جهته يقول الكاتب الصحافي الصهيوني عامي ميتاف إن بقاء الوضع الراهن داخل الحرم ينفي وجود «الهيكل» داعيا للمزيد من الخطوات التي تعزز تسليم الفلسطينيين والعالم بأن المكان مقدس لليهود أيضا. وتساءل في مقال نشرته صحيفة «يسرائيل هيوم» ما الذي يحصل في الحرم؟ لماذا يصعب الوصول إلى تسوية؟ هل ستستمر طقوس الإخلال بالنظام؟ وهل تفقد إسرائيل السيطرة في الموقع الأكثر تفجراً في الشرق الأوسط؟ وأمام سؤال المكان لماذا لم يعد المكان الذي يسميه المسلمون «بيت المقدس» و«هيكل سليمان» هو المكان الذي كانت فيه الهياكل اليهودية؟ الجواب: «الوعي». ويمضي في مزاعمه بالقول «يبين البروفيسور إسحق رايتر في كتابه (صخرة وجودنا، صخرة وجودهم) بأنه على مدى نحو مئة سنة، منذ عهد المفتي الحاج أمين الحسيني، بدأت خطوة وعي ناجحة لتغيير الفكرة التاريخية التي كانت مقبولة بين علماء الإسلام وتقول إن الحرم كان مكان الهيكل اليهودي منوها ان القصة التي يرويها المسلمون اليوم هي أن مكان الهيكل اليهودي كان في موقع آخر».