الناصرة-“القدس العربي”: يواصل الجيش الإسرائيلي اتخاذ تدابير جديدة في ظل تصاعد التوتر في الجبهة الشمالية وتحسبا من قيام إيران بالانتقام للضربات التي تعرضت لها قواتها في سوريا. ويتجلى ذلك بنصب المزيد من بطاريات الصواريخ في شمال البلاد وجنوبها بما في ذلك محيط تل أبيب وبرفع درجة التأهب بشكل عام. وتنقل مصادر إعلامية عن جهات عسكرية إسرائيلية قولها إنها رفعت درجة تأهب القوات الجوية لأعلى درجاتها وتأخذ بالحسبان كافة التهديدات. لكن هذه المصادر لا تأخذ على محمل الجد تهديدات جهات سورية بالرد على ضرب مواقع في محيط مطار دمشق مجددا بهجمات على مطار اللد لأن بشار الأسد يدرك أي ثمن سيسدده عندئذ. وترجح المصادر الإسرائيلية أن الجيش السوري غير راض من السلوك الإيراني في بلاده لأنه هو من يدفع ثمن الهجمات الإسرائيلية المتتالية. ويأتي التصعيد الإسرائيلي في سوريا على خلفية محاولات إيرانية متزايدة لاستغلال إعلان الولايات المتحدة الانسحاب من سوريا من أجل زيادة هيمنة نفوذها واستكمال بناء “الهلال الشيعي” في المنطقة وفق تأكيدات إسرائيلية. ولا شك أن قيام إسرائيل بإعلان مسؤوليتها عن ضرباتها المتزايدة في الشهور الأخيرة أجّج حالة التوتر في شمال البلاد لأن تبديد سياسة الغموض والضبابية يحرج إيران وسوريا وربما يحثهما للرد كما حذر رئيس حكومة الاحتلال السابق إيهود أولمرت. وبذلك انضم أولمرت لأوساط إسرائيلية أخرى سياسية وعسكرية تحفظت من إعلان إسرائيل مسؤوليتها عن هجماتها في سوريا محذرة من أن التباهي المتعجرف بها سيؤدي للمزيد من التوتر وربما لانفجار خطير. وتتهم بعض هذه الجهات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بمحاولة تحقيق مكاسب سياسية وشخصية في ظل انتخابات قريبة وجدل متصاعد حول فضائح الفساد التي تهدد عرشه وهناك من يرى أن نتنياهو يحاول صرف الأنظار عنها بتوتير الأوضاع في الشمال وبالتلويح مجددا بالفزاعة الإيرانية في رغبة منه للظهور بصورة القائد المقدام ورجل الأمن الأول. بالمقابل ترجح تقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن جولة الهجمات الحالية بين إسرائيل وإيران قد انتهت، وأن فرص التصعيد إلى درجة الحرب باتت منخفضة، بيد أنه يتوقع أن تصعّد إيران بشدة أكثر من السابق مستقبلا ردا على هجوم إسرائيلي، في ظل توزيع النفوذ المتوقع في سوريا مع انتهاء الحرب الأهلية، وإعلان الولايات المتحدة أنها ستسحب قواتها. كما تشير التقديرات إلى أنه رغم أن الأوضاع الاقتصادية في إيران، وتدخلها في الحرب في اليمن، أدت إلى خفض تواجدها في سوريا، فإنها لم تتنازل عن رغبتها في تثبيت سيطرتها. ومع ذلك، تشير التقديرات الأمنية إلى أن جولة الهجمات الحالية بين إسرائيل وإيران قد انتهت، وإن فرص التصعيد إلى درجة الحرب باتت منخفضة. ونقلت صحيفة “هآرتس” عن مصادر إسرائيلية قولها إن حجم القوات الإيرانية في سوريا قد تراجع إلى النصف. وإلى جانب ذلك، فإن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تعتقد أن إيران لم تتنازل عن رغبتها في السيطرة على سوريا، وأن العام الحالي سيكون حاسما من هذه الناحية. وترجح أنه بعد انتهاء الحرب، فإن السيطرة على سوريا سوف يعاد تقسيمها مجددا بما يتلاءم مع رغبة الدول الفاعلة فيها وهي روسيا وتركيا وإيران. كما ترجح هذه الجهات الإسرائيلية أن إيران سوف تغير طبيعة نشاطها في سوريا تمهيدا لهذا التقسيم وأن الظروف في سوريا، التي كانت سائدة منذ العام 2013 قد تغيرت. كما ترى أن مستوى المخاطر الكامنة في الاستراتيجية الإسرائيلية حيال سوريا قد ارتفع. ويعتبر الباحث في “معهد دراسات الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، رون تيرا أن هدف ما تسميه إسرائيل بـ”المعركة بين الحروب” (أي العمليات والغارات الإسرائيلية ضد أهداف في سوريا بزعم أنها رادعة وتبعد حربا شاملة) قد تغيّر وأن “هدفها حاليا منع إقامة منظومة سلاح دقيق لإيران وحزب الله في الدائرة الأولى لإسرائيل ومحاولة وضعها بين فكي كماشة. ويعتقد أنه من الصواب تحمل مخاطر جديدة ومواصلة المعركة، ولكن من خلال ملاءمتها للهدف والظروف المستجدة”. ويشير تيرا أن من ضمن أهداف “المعركة بين الحروب” السعي لـ “إحباط نقل أسلحة متطورة إلى حزب الله، ولجم تموضع إيران في سوريا، ومنع محاولة تموضع حزب الله وإيران والميليشيات الموالية لإيران في الجانب السوري من هضبة الجولان وتحويلها إلى حدود ساخنة ومشروع إنتاج صواريخ دقيقة من قبل حزب الله”. ويعتقد أنه رغم أن إسرائيل طورت منظومات لاعتراض الصواريخ، مثل “القبة الحديدية” و”العصا السحرية”، إلا أنها غير قادرة على إغلاق مطلق ومنع سقوط صواريخ دقيقة في حال اندلاع حرب. كذلك يشير إلى أن مشاريع استراتيجية حيوية، مثل محطات توليد كهرباء وتحلية مياه وأنابيب نقل الغاز ومطارات موجودة في مناطق متفرقة عدة في إسرائيل معرضة للخطر. ولذا يقول إنه “حتى التهديد الذي يشكله عدد قليل من الصواريخ الدقيقة التي ستدخل رغم الدفاعات الإسرائيلية، قد تكون غير مسبوقة”.
وتتطابق هذه التحذيرات مع تحذيرات أوساط داخل المؤسسة الأمنية التي تتحدث عن خسائر بشرية ومادية هائلة بحال اندلعت “حرب الشمال الثالثة ” مع إيران وسوريا وحزب الله. ويرى أيضا أن إقامة منظومة سلاح دقيقة في “الدائرة الأقرب لإسرائيل” بأيدي إيران وحزب الله، من شأنه أن يمنحهم قدرة على توجيه ضربة تسبب في شلل منظومات مدنية وعسكرية معينة، وإلحاق أضرار هائلة وتغيير المعادلة الاستراتيجية في المنطقة. ويخلص لتقديم اقتراح مغاير بالقول إن “فئة تهديد جديدة، وبسبب خطورتها، ينبغي أن تكون هناك استراتيجية مانعة مقابلها، وليس تأجيلا أو احتواء أو هجوما استباقيا أو دفاعا فعالا”. ويرى أن “الاستراتيجية الإسرائيلية في السنوات 2013 – 2017 سقطت ضحية نجاحها، فقد كانت دقيقة لدرجة أن تأثيرها الاستراتيجي كان محدودا، ويتضح هذا الأمر من أنها لم تدفع اللاعبين ذوي العلاقة إلى إعادة النظر في سياستهم تجاه هذا الموضوع”. ويعتقد تيرا أن الاستقرار في سوريا سيقلص الهجمات الإسرائيلية في أراضيها لأنها ستصبح أخطر ويتابع “ستبقى إيران حاضرة في سوريا بهذا الشكل أو ذاك، وستكون لديها قدرة للوصول إلى المطارات، ويبدو أنه مع الانسحاب الأمريكي من سوريا سيكون المحور البري عن طريق العراق فعالا أكثر. ولذلك، ستكون لإيران وحزب الله القدرة التقنية لمواصلة نقل أسلحة نوعية إلى سوريا ولبنان”.