التصوف فى زمن الثورة بين التلاعب والمعرفة

حجم الخط
0

حسام ابراهيمسؤال الصوفية مطروح بشدة فى اللحظة الراهنة والصراع على وداخل الطرق الصوفية فى بلد كمصر تنويعة على لحن رئيس يتردد الآن فى العالم العربى-الاسلامى وسط نوايا ظاهرة ومضمرة للتلاعب والتطويع والتوظيف والتقسيم واحداث قطيعة نهائية فى الادراكات والتصورات بين المنتمين لأمة واحدة.

نعم التصوف فى بؤرة التطورات الخطيرة التى جرت وتجرى فى العالم العربى-الاسلامى ومجرد نظرة سريعة على الساحة المصرية تكشف فورا ان نذر الصدام تتصاعد بين المتصوفة والجماعات السلفية كما يحتدم الصراع فى كل المجالات بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة ليكشف التاريخ عن قانونه الصارم الذى يفعل فعله متجها الى الآمام عبر دروب معقدة والتواءات وحتى منحنيات ومرتفعات جدلية هى سنن الله الفاعلة فى الأرض والكون.

وبين الرغبة فى التلاعب بالمتصوفة كرقم يعتد به فى المعادلات السياسية الراهنة لتحقيق مصالح المتلاعبين واجهاض احلام الثوار فان المعرفة وحدها يمكنها فتح ثغرات فى جدار تزييف الوعى بقدر ماتشكل هذه المعرفة جزءا من مقاصد التصوف الحق بابداعاته التى عرفتها شعوبنا بأحلامها واشواقها والامها واحزانها وتوقها الأبدى للوعد الحق ويوم مفعم بأفراح العدالة والحرية لكل المعذبين فى الأرض.

ان هناك حاجة ماسة لتأمل الصورة الحقيقية للصوفية بكل زواياها وعمقها التاريخى واستخدام ادوات معرفية عربية-اسلامية فى التفسير والتحليل والتنظير بدلا من الاعتماد المخجل على ادوات الباحثين فى الغرب ناهيك عن ان هذه التبعية تؤدى لمزيد من الهيمنة الغربية والتشوهات البنيوية والضلال المعرفى وهى مسألة مختلفة عن التواصل المطلوب والانفتاح المنشود من موقع الندية لا التبعية وبادراك اصيل للحقيقة المتمثلة فى ان اى نص يتكون اصلا فى مجال ثقافى هو بدوره جزء من بنية مجتمع. ويدرك الغرب الساعى للتلاعب بالثورات العربية ان التصوف جزء اصيل فى نسيج العالم الاسلامى ومن ثم فهو احد العوامل المؤثرة فى تشكيل الخطاب الثقافى والعلاقات الدولية واللافت بالفعل ان التصوف الاسلامى امسى موضع دراسات متعددة فى جامعات الغرب وتتردد هناك مصطلحات مثل سياسات التصوف وانعكاساتها على الأوضاع فى منطقة الشرق الاوسط كما تتردد اسماء الطرق والجماعات الصوفية فى هذه الدراسات مثل النقشبندية والجيلانية والقادرية. بل ان الباحثين فى الغرب تتضمن دراساتهم امكانية استغلال الطرق الصوفية لكبح جماح الحركات السلفية المسلحة مثل حركة طالبان فى افغانستان وذلك من منظور وتصورات العداء التقليدى بين الصوفية والسلفية تماما كما سعى الغرب لاستغلال الطرق الصوفية التى احتفظت بحيويتها داخل الاتحاد السوفييتى السابق حتى فى المرحلة الستالينية وفى حقبة الحرب الباردة التى انتهت بدخول الاتحاد السوفييتى فى ذمة التاريخ.

ومن المثير للتأمل ان السلطات السوفيتية كانت تحجم عن قمع الطرق الصوفية من منظور ان هذه الطرق تشكل ترياقا يحول دون تنامى الحركات الأصولية للاسلام السياسى وهى النظرة ذاتها التى تبنتها الأنظمة الشمولية فى جمهوريات اسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفييتى. ومن الذى بمقدوره ان ينكر دور الحركات الصوفية فى نشر الاسلام فى افريقيا وبآسيا الوسطى ووصولا لنهر الفولجا فى روسيا وحتى تخوم الصين وان الصوفية فى جوهرها كما اشار الامام ابو حامد الغزالى منذ القرن الحادى عشر الميلادى هى علاقة بالغة الخصوصية بين العبد والرب ويمكن الانطلاق من هذا التوصيف للقول بأن التصوف الحق يوسع من نطاق الحرية الانسانية ويخدم قضية الحرية فى مواجهة كل اشكال الطغيان. وهاهى نفحات ابداع صوفى تلهم روائيا وباحثا مصريا مميزا بترسيخ الواقعية السحرية فى الرواية العربية المعاصرة عبر الابحار فى هذه موجات ابداعية ومعرفية متشابكة ومعبرة عن الابعاد الثقافية للتصوف بجذوره العميقة فى الوجدان العربى-الاسلامى وكأن الدكتور عمار على حسن فى روايته الجديدة ‘شجرة العابد’ يسعى للاجابة عن أحد الاسئلة الكبرى لثقافة التصوف كجزء من التقاليد المعرفية الاسلامية ككل وهو:’كيف السبيل للمعرفة الحقة وماالذى نستطيعه ويجوز لنا معرفته كبشر؟’. واذا كان عمار على حسن الذى عرف باهتمامه بالدراسات عبر النوعية والعلاقات بين الظواهر المختلفة والانساق المعرفية المتعددة منطلقا من علوم السياسة قد حصل على اطروحة الماجستير بدراسة عن ‘التنشئة السياسية للطرق الصوفية’ ثم الدكتوراه بدراسة عن القيم السياسية فى الرواية العربية فهاهو ينتقل لغصن اخر فى شجرة المعرفة الوارفة ويحط على فرع ابداعات التجليات الروائية للثقافة الصوفية ‘بشجرة العابد’ ليتجول فى فضاء بأكمله من الواقعية السحرية وشخوص من عالم الانس وعالم الجن ورحلات مثيرة بين الارض والسماء والشك واليقين.

وتحققت الاصالة والجدة عبر صنع هذا الفضاء الواقعى السحرى من التراث العربى-الاسلامى بنبعه العذب وحده دون اى مؤثرات دخيلة او منابع غريبة على مدركات رجل الشارع العربى فهنا النسيج الروائى مصرى-عربى بالكامل واسماء مثل عاكف وبرسوم وحفصة وبهى القناوى وابن رشد وابن حزم وابن خلدون الذى ورد اسمه فى الرواية كنموذج للفهم الانسانى.

لعل الدكتور عمار على حسن فى روايته كما فى دراساته عن الصوفية يقدم النموذج المنشود للبحث والابداع على ارضية عربية-اسلامية ومن منظور الولاء للوطن والانتماء للشعب الذى صنع فى مصر ثورته المجيدة كما يصنع اشقائه فى العالم العربى-الاسلامى ثوراتهم للاطاحة بالطواغيت مؤكدا بالبحث والابداع ان التصوف الحق ثورة انسانية ولايمكن للمتصوف الحقيقى الا الوقوف فى معسكر الثوار والأحرار. عرف الادب العالمى روائيين يشار لهم بالبنان وخاصة فى امريكا اللاتينية ابحروا بعمق فى مجرى الواقعية السحرية مثل الروائى الكولومبى وصاحب جائزة نوبل جابرييل ماركيز برواياته التى تزول فيها الحواجز بين الواقع والخيال ولكنها روايات تأتى فى سياق ثقافى مغاير للسياق الثقافى العربى-الاسلامى الذى كان ينتظر واقعيته السحرية الخاصة به فى الرواية المعاصرة. ومن المفارقات الدالة وحسن الطالع ان رواية شجرة العابد التى ترسخ روائيا لواقعية سحرية عربية وتدور زمنيا فى مصر المملوكية تأتى لكاتب مصرى مخلص للمعرفة ومسكون برعشة الفن الأصيلة بعد ان كان الباحث جيمس ونستون موريس المعنى بدراسات التصوف فى جامعة هارفارد قد لاحظ بأسف ان جمهرة الباحثين الذين تعرضوا للجوانب الثقافية للتصوف لم يدركوا بما فيه الكفاية ان قاهرة المماليك اسهمت بفعالية وبطرائق وسبل متعددة فى التجليات الابداعية للثقافة الصوفية بما فى ذلك الفن والعمارة.

واذا كان صاحب رواية شجرة العابد فى مصر الذى يبغض الفصل والانشطار المعرفى والتقوقع داخل خانة ضيقة فى بحر المعرفة ومحيطات الابداع فقد حق له فى روايته ان يعبر بالفن عن الشمول المطلق لعمليات وانشطة الحياة الروحية الانسانية ونموها والضاربة بجذورها فى اعماق وعى كل انسان او ‘الطاقة المطمورة’ عند بطل الرواية والتى حلقت به فى النهاية لتجسيد الحلم الانسانى فى السعادة المطلقة التى لاينالها الا اصحاب العزم واولئك الموعودين الذين بمقدورهم تفجير الامكانية والوصول للطاقة المطمورة عبر المجاهدة والمجالدة والصبر والنمو الروحى المتواصل. ان عملية النمو الروحى هذه بكل مجاهداتها ومجالداتها هى اختيار للانسان بكامل حريته وملء ارادته ولايجوز فرضها من خارج الانسان ولاموضع فيها لنفاق او مراءاة ومن ثم فهى ‘عملية ديمقراطية تماما’ ولا يمكن ان تتحقق دون هذا الشرط الديمقراطى او ممارسة الانسان الموعود لحريته فى مواجهة الحكام الظلمة وجور الأنظمة الكارهة للعدالة والحرية.’ مدير تحرير بوكالة انباء الشرق الأوسط- مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية