التصوف والسلطة بالمغرب الموحدي: مساهمة في دراسة ثنائية الحكم والدين في النسق المغربي الوسيط (2 ــ 3)

حجم الخط
0

الخوف من عقوبة الموحدين دفع ببعض المتصوفة إلي التزام السرية في نشاطاتهم وحلقات الذكرالعلاقة المتسمة بالنفور بين الأولياء والسلطة ادت لمواجهات مسلحة كما في ثورة الرجل الغامض عتاب

محمد الشريفيتضح من القرائن المصدرية، ومن مختلف الدراسات القطاعية الحديثة المتصلة بتاريخ الغرب الإسلامي، أن التصوف شكل أحد أبرز الحساسات الدينية داخل مجتمعاته، وأحد مقوماتها الدينية والروحية والثقافية والاجتماعية، بل وحتي السياسية والاقتصادية. فهو أحد أبرز عناصر التراث الإسلامي التي كان لها تأثير عميق في مجري الحياة اليومية لمغاربة العصر الوسيط.

ولئن كانت بدايات التصوف المغربي ـ مثلها مثل بدايات التصوف المشرقي والأندلسي متواضعة، متمثلة في الممارسات الزهدية التي كان يحياها بعض النساك والمتعبدين، كما تخبرنا بذلك مختلف كتب التراجم المغربية والأندلسية، فإن التصوف سرعان ما اكتسح النسيج المغربي بمركبيْه القروي والحضري، وأخذ يتسلل حتي إلي أوساط عامة المثقفين وخاصتهم، وأصبح قوة اجتماعية وسياسية فاعلة. بل استطاع المتصوفة -لأسباب متعددة- أن يفرضوا وجودهم علي الدولة المغربية منذ نهاية القرن السادس للهجرة/ الثاني عشر للميلاد. فقد بلغوا من القوة شأوا، بحيث أصبح ثقلهم الاجتماعي والسياسي أمرا يستوقف الباحث. ويكفي أن نتصفح بعض المؤلفات المناقبية، مثل كتاب المستفاد لمحمد التميمي، أو السر المصون لطاهر الصدفي، أو التشوف لابن الزيات التادلي، أو المقصد الشريف لعبد الحق البادسي، لنقف علي حقيقة تغلغل التصوف ورجاله في النسيج المجتمعي المغربي، وانتشار رجاله عبر مجموع المجال المغربي، شمالا وجنوباً، بادية وحاضرة، وكذا علي مختلف الأدوار والوظائف التي أنيطت بهم في سياق التفاعل الاجتماعي خلال تلك الأعصار.

ولا يتسع المجال، في هذا التقديم المقتضب، للوقوف عند الأسباب التي مهدت لذلك الاكتساح وواكبته، ولا لضبط خلفيات الإقبال الشعبي الواسع علي التصوف الزهدي. لكن لا مندوحة من الإشارة إلي قضية أساسية في تقديرنا: إن تغلغل هذه القوة الاجتماعية الدينية في المجتمع، وانتشار المريدين، وتوزع الأولياء وشيوخ التصوف، أصحاب الزمان، بحسب بعض التسميات، كان من شأنه أن يفرز سلطة رمزية، قادرة علي أن تنازع أصحاب السلطة الفعلية علي النفوذ السياسي، أو علي الأقل، علي السيطرة علي قسم أو علي فئة من العامة. فقد جسد الوليّ بسلوكه المميَّز، وبتأطيره لفئات عريضة من المجتمع، ومن خلال الوظائف والأدوار التي اضطلع بها داخل مجتمعه، وبالخصوص وقوفه إلي جانب الرعية ضد تجاوزات الحُكام وأعوانهم، نوعا من الحَـكـَم – البديـل للسلطة القائمة. ألمْ تصبح الطرق الصوفية في فترة لاحقة، شريكة في بعض الأحيان للنظام السياسي الفاعل علي أرض الواقع؟ واللافت للانتباه هو أن المعارضة الدينية- السياسية ضد الموحدين، والمذهب الموحدي، قد اصطبغت طيلة القرنين السادس والسابع الهجريين/ الثاني عشر والثالث عشر للميلاد بهذا اللون الصوفي، فتزعمها أفراد ليسوا فقهاء محترفين وإنما هم زهاد وعُـبّاد ومتصوفة قضوا معظم حياتهم العملية بالأرياف والجبال والرباطات النائية، أو حمل لواءها بعض المتنبئين الطامحين إلي الحكم، معتمدين في ذلك علي استثمار الموجة الصوفية أو ادعاء المهدوية.

المراقبة الصارمةإن الإستراتيجية التي سار علي هديها الخليفة عبد المؤمن تقوم علي المراقبة الصارمة، واتخاذ الإجراءات ذات الطابع الاحترازي والتمهيدي ضد أتباع التصوف. ولم يكن الموحدون أول من سنّ مثل هذه السياسة الحذرة الاحترازية تجاه المتصوفة. فالمصادر تشير بوضوح إلي سياسات مماثلة اتخذتها مختلف السلطات بالغرب الإسلامي. فقد حذر أحدهم أمراء الطوائف بالأندلس من مخاطر الزاهد والمتصوف بقوله: ولا يغُرَّنَّكَ ما تري فيه من سَمْتِ الوقار ولزوم الدار ومداومة التسبيح والاستغفار، فتحت الرغوة مَذْق، وكتب المعز صاحب القيروان قائلا: إن أهل الزهد والوعظ وتأليف العامة وإقامة المجالس أضر الأصناف علي الملك، وأقبحهم أثراً في الدول، فيجب أن يتدارك أمرهم ويبادر إلي حسم الأذي منهم. وقبل الموحدين كانت الدولة المرابطية قد فرضت مراقبة صارمة علي كل من اشتبه في أمره من المتصوفة، فصارت تلتقط أنفاسهم.

ويبدو أن ريبة الخليفة عبد المؤمن بن علي من موقف بعض المتصوفة قد أفصحت عن نفسها مبكرا، حتي قبل استيلائه علي عاصمة المرابطين. إذ خلال محاصرته لمراكش سنة 540 هـ /1145م استدعي عبد الجليل بن ويحلان، وهو من متصوفة أغمات، إلي جبل اجيليز، ولما اعتذر للمكلفين باستقدامه بكونه مريضا، أجبروه علي النهوض، قائلين له: ولو حملناك علي نعش، وكان هدف الموحدين من استقدام ذلك الولي وإصرارهم علي ذلك هو وضعه تحت مراقبتهم المباشرة ومنعه من تأليب الناس عليهم، أو علي الأقل، الحد من تحركه المحتمل ضدهم.

وضمن هذه السياسة الاحترازية نجد أن أحد الإجراءات التي اتخذها الخليفة عبد المؤمن بعد الاستيلاء علي مراكش سنة 541 هـ/ 1147م، هي استدعاء رمزي المتصوفة آنذاك للقدوم إليه وهما: أبو شعيب الآزموري وتلميذه أبي يعزي. وتتفادي المصادر المناقبية الإشارة إلي الطابع السياسي لهذه الدعوة، وتؤولها كدعوة للخليفة عبد المؤمن من دون خلفيات، الغرض منها معرفة حقيقة بعض الاتهامات الموجهة للشيخين المتصوفين، خاصة ما تعلق منها باشتغالهما بعلم المكاشفات، ومعرفة علوم الغيب. إلا أننا نرجح أن تكون دواعي إشخاصهما إلي مراكش ذات طبيعة سياسية قبل أن تكون دينية. وذلك ما يستشف، علي الأقل، من خلال الاستنطاق الذي أخضع له أبو شعيب. فقد أشخصه عبد المؤمن بن علي، فلما رآه شاب اللون أشفق عليه، ثم أراد أن يناظره، فهابه لما رأي منه بعض المكاشفة، فصرف مناظرته إلي بعض المتجزئين من أصحاب الإمام المهدي، فسأله عن حقائق التوحيد المصطلح عليه، فأجابه بجواب السلف بالآيات القرآنية. وواضح أن المقصود بـ المناظرة هو الاستنطاق الذي أخضع له الشيخ علي يد أبي محمد وأسنار، حاجب ابن تومرت السابق، للتأكد من موقفه تجاه أحد المبادئ الأساسية للمذهب الموحدي، ألا وهو مبدأ التوحيد، واختبار مدي إخلاصه للسلطة السياسة الجديدة بالمغرب.

ويبدو أن السلطة الموحدية لم تغض الطرف عن نشاطات أبي شعيب أيوب، ووضعته، هو وأتباعه، تحت المراقبة الشديدة. بل إنها لم تتورع عن التنكيل بهم في بعض الأحيان، كما يستشف من موقف والي أزمور تجاه اتباع هذا الولي. فقد أمر الوالي يوما بإحضار جماعة للقتل، ففزع الناس إلي أبي شعيب، فأخذ في البكاء، فقال لهم: والله ما ابتليتم بهذا إلا من أجلي، ولو مت لاسترحتم مما نزل بكم.

وبخصوص أبي يعزي، يبدو أن شعبيته الكبيرة بين سكان نواحي فاس ومكناسة، وكذا الاستقلال النسبي الذي كانت تتمتع به نواحي تاغية، قد أثارت ريبة الموحدين الذين رأوا فيها بؤرة محتملة لمعارضة سلطتهم. فقد استدعاه الخليفة عبد المؤمن بن علي إلي مراكش عام 541 هـ 1146 ـ 1147 م، وتم حبسه في صومعة الجامع أياما ثم أخلي سبيله، وذلك عقب وشاية بالشيخ تحذره من كثرة الجموع التي تقصده، والتي يخاف علي الدولة منها ناهيك عما شاع عنه من المكاشفات ومواصلة الإخبار عن الغيوب. ولم يكن إطلاق سراح أبي يعزي فاتحة عهد حرية مطلقة له، بل إن عيون الموحدين ظلت ترمقه بحذر وريبة شديدين، ونجد أن أحد أشهر قواد الموحدين، وهو أبو عبد الله بن صناديد، قد قام بزيارة مفاجئة لأبي يعزي في أربعين فارسا من فرسان الموحدين. ومع تصاعد شهرته وازدياد الإقبال عليه، إذ طبق ذكره أقطار المغرب، وبسبب ما نمي إلي مسامع الناس ورجالات الدولة من الغيوب التي تؤثر عنه من المكاشفات، تم استدعاؤه مرة ثانية من قبل الخليفة عبد المؤمن، علي إثر تخويفه من قبل بعض الحسدة من المتفقهة المنكرين لكرامات الأولياء، حسب ابن صعد. إلا أنه استطاع الانفلات من بطش الموحدين مرة أخري. بل يمكننا التأكيد علي أن السلطة الموحدية لجأت إلي أسلوب الاغتيالات والتصفية الجسدية لبعض رموز التصوف، مثل ما وقع لأبي عبد الله محمد بن الأصم، الذي قتل عام 542 هـ. فقتل هذا الرجل الذي كان من أكابر الصوفية بتلك الصورة التي توردها الرواية المناقبية، لا يدع مجالا للشك في أن السلطة الموحدية كانت وراء اغتياله. يقول ابن الزيات: مر رجل بأبي عبد الله الأصم وهو يتعبد فضرب عنقه. فمر به أحد أصحابه فقال: رحمك الله يا عبد الله، ولا رحم قاتلك. فدفنه من الخوف بين الديار، إلي أن يمكنه دفنه في المقابر. كما أخضع البعض الآخر للإقامة الجبرية بمدينته، كما هو الحال بالنسبة لأحد أكابر الأولياء الذي أمره بعض أصدقائه بالخروج من البلد خوفا عليه، وكان الحرس علي باب المدينة، فخرج عليهم ولم يشعروا به حتي بعد عنهم… فاشتدوا ليدركوه… فلم يدركوه… وسلم منهم. وحاول بعض المتصوفة الاختفاء من الملاحقة الموحدية حتي لا يطاله قمعها، كما هو الحال بالنسبة لأبي الفضل بن أحمد المتوفي سنة 542 هـ، فقد طلب فخاف علي نفسه فاختفي في جنة له وبقي بها الي أن أشرف علي الموت من شدة الجوع.

إن الخوف من عقوبة الموحدين دفعت ببعض المتصوفة إلي التزام السرية في نشاطاتهم. يستدل علي هذا بموقف الشيخ أبي مهدي وين السلامة ابن جلداسن (ت. حوالي سنة 560 هـ/1164م). فقد كان يتردد علي رباط شاكر، فقال له أحد وعاظ هذا الرباط: سيدي أبا مهدي، سمعت المريدين يتحدثون عنك بالعجائب. فطأطأ رأسه حياء، فقال له: أما تخاف من السلطان إذا بلغه ما يذكر عنك؟ فرفع إلي رأسه، وقال: ما ينبغي أن يخاف إلا من الله تعالي.

إننا نقف، فوق ذلك، علي إشارات أخري تؤكد تبني هذه السياسة الاحترازية ـ القمعية من طرف السلطات الموحدية ضد المتصوفة علي عهد عبد المؤمن. فهي لم تكتف بضرب بعض المتصوفة والتنكيل بهم، بل زجت بالذين اشتهروا بموقفهم الصارم ضد ممثلي السلطة وأعوانها في السجن. وأولي هذه الإشارات هي المتعلقة بالشيخ أبي الحسن علي ابن حرزهم (ت 559/1164م) الذي تم سجنه في مدينة فاس بأمر من القائد الموحدي أبي محمد الجياني، لأسباب لم يتم توضيحها، ولكن يسهل تخيلها إن نحن وضعناها في إطار القمع الشامل ابتداء من فتح مراكش وثورة ابن هود سنة 540 هـ /1145م. أما بخصوص الصوفي أبي إبراهيم إسماعيل الخزرجي، فإننا نعرف أسباب إيداعه بالسجن. فقد سيق مقيدا إلي السجن، و جعلوه في مطمورة عميقة عقب إلقائه خطبة وعظية يوم الجمعة في الجامع بحضور العامل الموحدي، فتكلم في حق العامل بكلام خاف منه الناس علي أنفسهم.

ويبدو أن هذه السياسة الاحترازية قد نجحت في لجم تطلعات المتصوفة السياسية فنجد أن رمزاً صوفياً من عيار أبي يعزي أصبح يدعو بالسمع والطاعة للأئمة والأمراء، ويخاطب الخليفة بـ أمير المؤمنين، ويعرض علي أرباب الدولة الوصول إلي منزله بحكم التشريف. كما أن متصوفة آخرين أصبحوا ممثلين في النسق البروتوكولي للموحدين، أو علي الأقل هذا ما تؤكده المصادر الموحدية شبه الرسمية، مثل كتاب المن بالإمامة الذي يصف الوفود التي قصدت الخليفة سنة 555 هـ/1160م، وهو بجبل طارق حيث أنالها من خيراته، وكانت تضم الفقهاء الكبار، والموحدين والأولياء الطهراء. بل إن المصدر نفسه يقول إن أبا يعقوب يوسف كان يذهب في زهده وورعه، وبسطه لعدله وسداده في فضله مذهب أبيه، أي الخليفة عبد المؤمن بن علي. إن هذه الصورة التي تجمع في نفس الشخصية صفات متناقضة مثل الصرامة إلي حد القسوة، وإراقة الدماء، مع الزهد والورع قد نجد تفسيرا لها إن نحن فصلنا الصفات الشخصية للحاكم وعزلناها عن ممارسات الدولة وتصرفاتها- كجهاز ونظام- تجاه رجال التصوف.

الخليفة أبو يعقوب يوسف:

صرامة مع نزوع نحو المرونة تجاه المتصوفةيبدو أن موقف الريبة والصرامة تجاه المتصوفة الذي أبداه الخليفة عبد المؤمن لم يتغير بصورة محسوسة خلال فترة حكم ابنه أبي يعقوب يوسف (558 ـ 580هـ 1163 ـ 1184م). وبصفة عامة، يمكننا التأكيد علي أن علاقات الموحدين مع أتباع التصوف خلال النصف الثاني من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر للميلاد، كانت متوترة بما فيه الكفاية. ولو أن الموحدين حاولوا كسب تأييد بعض أشياخ التصوف عن طريق مختلف الوسائل والإجراءات، فإن رفض التعامل مع السلطات الموحدية أصبح هو الميل العام خلال هذه الفترة. فالعداوة التي أبداها بعض المتصوفة تجاه السلطة الموحدية أدت إلي عدة صراعات، عنيفة في بعض الأحيان. وتذكر المصادر حالات من القمع الرسمي للمتصوفة، إلا أن معلوماتها تبقي مقتضبة جدا ولا تمكن من معرفة الأسباب التي دفعت بالسلطات إلي اتخاذ مثل تلك الإجراءات الردعية. ومع ذلك، يبدو جليا أن الموحدين حاولوا في بداية الأمر فرض قيود علي أنشطة بعض الشيوخ. ومن الأمثلة البينة والدالة، حالة أبي عبد الله محمد بن موسي الأزكاني (المتوفي بعد سنة 590 هـ/1194م)، فقد كان هذا الشيخ من متصوفة منطقة صفرو ويتردد علي رباط شاكر، وسمع كلاما عن يمينيه يقول له: خذ سلاحك ومر إلي صفرو. فأتي صفرو، واجتمعت له جموع كثيرة، وتاب علي يده مئون من الرجال، وتسامع الناس به، فجاؤوا من كل مكان، وتكاثروا، فسمع بذلك القائد ابن حسون، وكان واليا علي فاس، فخرج إليه في جمع كثير من الخيل والرجال، لإلقاء القبض عليه، وطلبوه طلبا شديداً. يمكننا ربط هذه الحوادث بما جري لأبي زكريا يحيي الصنهاجي الذي أمره بعض أصدقائه بالخروج من البلد خوفا عليه. وعلي خلاف سابقه، فإننا نجهل تماما أسباب ملاحقة هذا الصوفي. ومن المؤكد أن المعلومات المتعلقة بهذين الرجلين تشير إلي مناخ العداء الرسمي تجاه بعض المتصوفة.

وحري بنا أن نقف عند الانتقادات العنيفة التي وجهها أبو محمد عبد الله القطان للخلفاء الموحدين وممثليهم. فقد كان يصدع بالأمر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ويرد كلام السلاطين في وجوههم أقبح الرد. له صولة يرمي بها من شاء بالحق، ولا يبالي عرّض نفسه للقتل من كثرة سبه لأفعال السلاطين وما هم عليه من مخالفة الشريعة. ويذكر تلميذه محيي الدين بن عربي أن السلطان وجه فيه ليقتله، فأخذه الأعوان ودخلوا به علي الوزير، ولما أخبر هذا الأخير بقرار السلطان، رد عليه ابن القطان: أنت لا تقرب أجلا ولا تدفع مقدورا. فما كان للوزير إلا أن أمر أعوانه بسجن ابن القطان حتي يشاور السلطان في قتله. وأمر السلطان أن يحضر ابن القطان الذي يقول الحق ويظهر معاييب الموحدين وما همْ عليه من الجور والفساد بين يديه، وقام الخليفة باستنطاقه للتثبت خاصة من وفائه لمبدأ التوحيد. وأجاب ابن القطان ـ كما أجاب أبو شعيب الخليفة عبد المؤمن قبل هذا ـ بآيات من القرآن الكريم لشرح هذا المفهوم. واستمر ابن القطان في انتقاداته للسلطان، وفي المجلس الوزراء والفقهاء، ولم يجد الخليفة من مخرج سوي إطلاق سراحه، وكان يصيح ويرفع صوته أمام أرباب الدولة ويقول: هؤلاء الفجار بغوا في الأرض، (عَلَيْهِم لَعْنَةُ الله وَالْملائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعينَ خَالِدينَ فيها لاَ يُخَفّف عَنْهُم العَذابَ وَلا هُمْ يُنْظَرونََ) . وبصفة عامة اتخذت السلطة الموحدية موقفا مستريبا من رجال التصوف خلال هذه الفترة، واتخذت من المراقبة والتطويق والإشخاص وسيلة لخنق أنفاسهم. أما موقف رجال التصوف من السلطة وتمثيلها، فقد ظل محكوما بمبدأ الانقباض عن السلطان. ولذلك تكررت في كتب المناقب والتراجم الروايات التي تفيد باتخاذ المتصوفة لمواقف تتلخص في الإعراض عن الخلفاء وممثلي السلطة، والانزواء عنهم، ومحاشاتهم وعدم مداخلتهم إلا عند الضرورة وفي بعض الظروف الاستثنائية، كظروف الجهاد بالأندلس ـ كما سنري جليا مع الخليفة المنصور خاصة.

ويمكننا إعطاء بعض الأمثلة المعبرة عن هذا الموقف. يؤكد ابن عربي مثلا أن أبا يعقوب يوسف بن يخلف الكومي الذي كانت له في الطريقة قدم راسخة قد عرضت عليه ولاية فاس فأبي. ومثال مشابه هو الذي يقدمه الشيخ أبو محمد عبد العزيز البغاني. فقد بعث إليه قاضي القضاة أبو يوسف حجاج بن يوسف التجيبي ليجبره علي قضاء أغمات. فقدم مراكش واستعفاه. فلم يعفه، وقال له: لا بد لك من ولاية القضاء. فقال له عبد العزيز: والله لو نشرت بالمنشار من قرني إلي قدمي ما قبلت هذه الولاية.

وبعث نفس القاضي حجاج بن يوسف إلي الفقيه العابد أبي عبد المالك مروان بن عبد المالك اللمتوني (المتوفي سنة 571 هـ/ 1175 م) بفاس ليقدمه علي خطة الحسبة بمراكش، وعند قدومه إلي عاصمة الموحدين زار رجلا من الصالحين يعرف بأبي عبد الله الصوفي بأحد مساجد المدينة، فرأي الناس يزدحمون عليه ويقبلون رأسه ويده. فقال: هذا رجل أمي لا علم عنده ويعظمه الناس هذا التعظيم، وأنا لم ينفعني الله بشيء مما تعلمته، والله لا أتولي ولاية ولأنقطعن إلي الله تعالي. أما ابن المجاهد المتصوف الإشبيلي الشهير (المتوفي سنة 574هـ/1179م)، فقد كان مباعدا للملوك مع شدة رغبتهم فيه، منافرا لهم، لا يقبل منهم كثيرا ولا قليلا. وقد عرضت عليه أوان طلبه ولاية القضاء بشريش فنفر من ذلك وامتنع، حتي أعفي. وينقل ابن صعد حكاية تعطينا صورة معبرة عن موقفه من رجال السلطة الموحدية، يقول: قدم إشبيلية أحد أمراء الموحدين، فاستُدعيَ الشيخ ابن مجاهد مع علماء وقته لحضور مجلسه كي يشاركهم في بعض أمور المسلمين، فلما انصرفوا من عنده قال ذلك الأمير لمن حضر من أصحابه: أما هذا الزاهد، ابن مجاهد، فما لأحد فيه طمع، أما رأيتموه حين دخل منزلنا، قدم رجله اليسري، فلما خرج قدم رجله اليمني.

كما ظل الأولياء علي موقفهم المبدئي الرافض للتعامل مع السلطة وهبات أرباب الدولة ومشاركتها طعامها. فنري مثلا أبا داوود بن علي، يرفض صلة الخليفة يوسف بن عبد المؤمن بن علي، علي الرغم من أنه تجشم عناء السفر من بلاده بطيوة بالساحل المتوسطي حتي العاصمة مراكش لعلاج أحد أبناء الخليفة من داء البرص.

ويبدو أن السلطة الموحدية، التي كانت واعية بحقيقة تغلغل رجال التصوف وازدياد قوتهم، قد عملت علي مراجعة موقف الريبة والصرامة تجاههم وانتهاج نوع من المرونة مع أتباع المذهب. ونجد بعض الإشارات حول الانفراج النسبي الذي طبع علاقة السلطة الموحدية بالمتصوفة. وكمثال علي ذلك يمكن الإشارة إلي تعيين بعض المتصوفة في مناصب إدارية، راتبها يؤدي مبدئيا من الخزينة العامة للدولة، مثلما نجده مع الفقيه أبي محمد يسكر بن موسي الجراوي الذي تصفه المصادر بكونه أحد أشياخ المغرب في الدين والفضل والزهد والورع والمجاهدة والتقشف والإيثار. فقد تولي منصب الخطابة بجامع القرويين بفاس بعد وفاة سلفه، أبي الحسن بن عطية سنة 558 هـ/1163م. وكان أبو محمد الجراوي تلميذا لأشهر متصوفة فاس، مثل أبي خزر يخلف الأوروبي، وأبي الحسن علي ابن حرزهم. من جهة أخري كان الجراوي أحد فقهاء فاس القلائل الذين صدحوا بتأييدهم للشيخ أبي يعزي، في وقت كانت أنشطة هذا الأخير فيه قد استنكرها فقهاء المدينة. ومن المحتمل أن وضعيته كمتصوف ـ بالإضافة إلي موقفه المساند لأبي يعزي ـ قد جلب عليه سخط والي المدينة الموحدي الذي كتب رسالة للخليفة أبي يعقوب يوسف يكشف فيها عدم إخلاص أبي محمد الجراوي للسلطة الموحدية، بدعوي أنه يستنكف من الدعاء للخليفة في الخطبة الجمعية. وعندما وصل الخبر للخليفة، بعث من حينه بأن يشخص الجراوي إليه. وحسب الجزياني الذي يورد هذه المعلومات، تراجع الخليفة عن قراره القاضي بمعاقبة الشيخ، بعد أن أشار عليه أحد الصلحاء، ممن حضر عنده، من سوء عاقبة قراره، فتاب من ذلك وبودر برد الذي بعث لإشخاصه. وقد تم عزل أبي محمد الجراوي من الخطابة بعد ذلك وتعويضه بالفقيه أبي عبد الله محمد بن زيادة الله المزني. ولم تؤثر هذه التنحية سلبا علي موقف الجراوي من الموحدين، لأنه ظل يشغل منصب الإمامة في نفس الجامع. ومن جانب آخر لا ندري إلي أي حد نجحت سياسة السلطة الموحدية في إدراج ممثلي الأولياء ضمن وفودها الرسمية، لأننا نجد إشارة إليهم ضمن الوفد الذي دخل علي الخليفة لتهنئته بعيد الأضحي لسنة 566 هـ 1170 ـ /1171م، إذ تقول الرواية شبه الرسمية علي لسان ابن صاحب الصلاة: وأدخل الوزير أبو العلي إدريس […] بن جامع إلي المجلس الأعلي من تقدمت عادته بالدخول من أشياخ الموحدين الكبراء […] والفقهاء والقضاة والكتاب والأولياء وأهل الوفود… . وكان من الطبيعي أن تؤدي العلاقة المتسمة بالنفور بين الأولياء والسلطة الموحدية في تلك المرحلة، إلي مواجهات مسلحة بينهما كما تجسد ذلك ثورة غامضة، نرجح أنها اندلعت أواخر عهد الخليفة أبي يعقوب يوسف، بقيادة أحد المتصوفة الذي لا نعرف عنه سوي إسمه: عتّـاب. وابن الزيات التادلي هو المؤلف الوحيد الذي يشير ـ باقتضاب شديد – إلي هذه الثورة. فهو يشير إلي الثائر عتاب في مناسبتين، وبالذات في ترجمة متصوفين عانيا ـ بسبب انخراطهما في هذه الثورة – من قمع السلطات الموحدية. أولهما هو أبو وازاغار تيفاوت بن علي المشنزائي (المتوفي سنة 603 هـ/1206 م) الذي فر من المغرب إلي المشرق وذلك حين طلب أشيـــــــاخ المريدين بسبب ما نسب إلي عتاب حين قيل إنه يطـــلب الملك فقتل وطلب أصحابه. أما المتصوف الآخر الذي يظهر أنه شارك في هذه الثورة، فهو أبو محمد تيلجي بن موسي الدغوغي (المتوفي سنة 605 هـ/ 1208 م)، وكان واعظا برباط شاكر، وقد طلب في أيام عتاب طلبا شديداً، واقتفي أثره فرسان الموحدين، واختفي في خيمة ولو وجد لقتل. شخصية عتابوما تزال شخصية عتاب ـ مثلها مثل ثورته ـ غامضة. أما محاولة بعض الباحثين لاستجلاء طبيعتها، فلا تعدو أن تكون مجرد تأويل لإحدي الفراغات التي تركتها الإستوغرافية الموحدية. ومن المؤكد أن حركة عتاب ما كان لها أن تقوم دون دعم المتصوفة والمريدين الذين كانوا يجتمعون موسميا برباط شاكر علي ضفة وادي تانسيفت، ذلك أن المتصوفة الذين عانوا من القمع الموحدي ـ بسبب دعمهم لعتاب ـ كانت لهم علاقة مباشرة بهذا الرباط الذي أصبح آخر القرن السادس الهجري يشكل مركز اصطدام حاد بين الأولياء والمريدين من جهة، وممثلي السلطة الموحدية من جهة أخري خاصة بعد استحواذ الخطباء من الأولياء المتشددين علي منبر شاكر، أمثال أبي محمد تيلجي، وأبي محمد موسي الدغوغي (ت. 605 هـ 1208 ـ 1209 م) الذي كان واعظا بالرباط، في وقت لا يصعد منبر شاكر إلا الآحاد. وقد حارب بعض الفقهاء عادة الارتياد السنوي علي هذا الرباط، فضلا عن استهجانهم للموسم الذي يقام به ولحفلاته. وإذا كانت السلطة الموحدية قد فرضت رقابة مستمرة علي بعض أشهر أهل التصوف لتخوفها من نشر تعاليم معارضة لها، فليس من الصعب الجزم بالريبة التي كان الموحدون يرمقون بها الأعداد الكبيرة للمتصوفة الوافدين علي رباط شاكر. وإذا كان أتباع الثائر عتاب يتكونون من الأولياء والأشياخ والمريدين الذين كانوا يفدون علي هذا الرباط طيلة السنة، فإن الموحدين استغلوا ذلك لخنق الرباط وتحييده بشكل عنيف، باعتباره بؤرة محتملة لمعارضة سلطتهم.

إلا أن المكون الصوفي الذي يسم ثورة عتاب لا يسفر لوحده القمع الرسمي الذي تعرض له أتباعه. وقد يكون للعصبية القبلية دور محتمل زاد من تأجيج هذا الصراع، خصوصا وأن جميع القبائل الساكنة بمنطقة تادلة هي من قبيلة صنهاجة، والموحدون وصلوا إلي السلطة بدعم من مصمودة. هذا ما يطرحه الأستاذ أحمد التوفيق من خلال علاقة ثورة عتاب بظاهرة الجلاء الذي حكم به الموحدون علي سكان داي في منطقة تادلة.

إلا أن هذه العلاقة المفترضة لا تستقيم جيدا إن نحن أخذنا بعين الاعتبار تاريخ الجلاء، الذي جاء كنتيجة لحادثة غير معينة حدثت سنة 559 هـ / 1163 م، أي مباشرة بعد وفاة الخليفة عبد المؤمن سنة 558 هـ/1162م، وتاريخ ثورة عتاب، التي نرجح أنها اندلعت أواخر القرن السادس الهجري، بناء علي تاريخ وفاة المتصوفيْن المشاركين فيها: المشنزائي (ت 603 هـ) والدغوغي (ت. 605 هـ). أما الثورة الثانية التي اندلعت آخر عهد هذا الخليفة، واستمرت مشتعلة علي عهد خلفه، فهي ثورة علي بن محمد بن رزين المعروف بالجزيري. ويمكن اعتبار ثورته علي دولة الموحدين ـ وهي في أوج قوتها- آية في المغامرة والإقدام. وقد اتخذت شعارات دينية إصلاحية، إذ ثار علي الموحدين منكرا عليهم انحرافهم عن تعاليم المهدي. وعلي الرغم من أن المصادر الموحدية ترميه بالمروق والشعوذة وأعمال السحر، والتأثير علي السذج من الناس، فإنه لا يسعنا إلا أن نقر بأن الرجل قام آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر؛ فقد حز في نفسه المتصوفة ما شاهده من مظاهر انغماس أصحاب الدولة في الأبهة والترف، فثار وفي رأسه أن يُحيي سُنّة مهدي الغرب، أي المهدي ابن تومرت؛ لاعتقاده أن بني عبد المؤمن لما غيروا رسْمَ مهديَّهم، وصيّروا الخلافة ملكا، وتوسعوا في الرفاهية، وأهملوا حق الرعية. ونحن لا نستبعد أن تكون للثائر أهداف سياسية وتطلع إلي السلطة والملك. واشتهر أمره وعظم في النفوس خبره، واستشعر الموحدون خطره علي كيانهم، فوُضعت عليه العيون في جميع البلاد، وشاع عند الناس أنه يتصوَّر في صورة الحيوان مثل القطط والكلاب والسنانير؛ وهو الأمر الذي يؤشر علي قدرته علي التكتم والاستتار، وتمكنه من الانفلات من شباك الملاحقة الموحدية. فقد تنقل بين مراكش وفاس، وتمكن من عبور المضيق باتجاه الأندلس، وأرسلت أوامر إلقاء القبض عليه إلي جميع الجهات بصفته وأَمارته وهيئته… ووقع عليه في كل مكان وجعل الرقباء يتصفحون الصفات بالعيان، إلي أن قبض عليه بمنطقة مرسية، بعد ترصد وملاحقة عنيفة استمرت سبع سنين (من سنة 579 إلي سنة 586 هـ/1190م)، تخللتها حملات مداهمة واعتقالات واسعة، وإعدامات طالت كل من حامت حوله شبهات تسهيل هربه أو اختفائه. وقد صُلب، وحمل رأسه إلي مراكش. ومن المؤكد أن ثورة الجزيري هي تقليد لثورة المهدي ابن تومرت، مثلها في ذلك مثل ثورات ابن قسي وابن هود، وثورة ابن الفرس (الآتية الذكر) وغيرهم، ممن أغراهم النجاح السياسي لحركة ابن تومرت ودعوته، واتخذوا المهدوية سبيلا للوصول إلي السلطة. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية