التصوير باللّهجة الدارجة: الأدوات البلاغيّة الجديدة في الإعلام الجديد

حجم الخط
0

د. عبدالله الزين الحيدريمثّلت اللّغة، على امتداد تاريخ التواصل البشري الملاذ الأوّل للمستبعدين والمهمّشين، فهي أداتهم لتحقيق اكتشاف الذات وممارسة لعبة التفاهم والاعتراف. ونلاحظ اليوم، في مجال الإعلام الجديد أنّ منتديات الحوار وحلقات التواصل الجارية على شبكة الإنترنت تعتمد اللغة، واللّغة العادية اليوميّة بالخصوص وسيطا لإنتاج المعنى وتبادله، حتى أنّ هذه اللّغة العاديّة اليوميّة، في العديد من الفضاءات الثقافيّة، وبحجم تداولها وتزايد ‘شعبيّتها’، حوّلت، إلى حدّ كبير اللّغة الفصحى، عربيّة كانت أم غير ذلك، حوّلتها إلى منظومة غريبة لا تستجيب لشروط التواصل كتابة ونطقا. ولأنّها الأقرب لتحقيق الفاعليّة التواصليّة مثلما يشير إلى ذلك هابرماس، فإنّها، أي هذه اللّغة الشعبيّة، أصبحت قرينة للميديا بشكل عامّ، وظلّ من الشائع القول: ‘هذه لغة إعلام’، للدلالة على بساطتها وسهولة مفرداتها وخلوّها من التعقيد، والأهمّ من كلّ ذلك، تراكيبها ونحويّتها الخاطئة في الكثير من الأحيان، بل إنّها تسرّبت، في البلدان العربيّة، إلى قاعات التدريس المدرسيّة والجامعيّة، لتكون لغة تخاطب وتعلّم وتدريس بامتياز. وأذكر أنّ البعض من طلاّبي بإحدى الجامعات الخليجيّة، كانوا يتبرّمون من استخدامي للفصحى لغة للتدريس، حتى أنّهم كانوا يظنّونها لهجة عاميّة تونسيّة، غريبة عنهم بعض الشيء، بوصفي تونسيا قادما من تونس، فانتهى بهم الحال إلى توقيع عريضة رفعوها إلى عميد الكليّة يطالبون فيها بتغيير ‘ اللّغة ‘ أو تغيير الأستاذ. الاختفاء التدريجي لضوابط الكتابة الإعلاميّةلقد غمرت هذه اللّغة ‘السّهلة’ مساحات التدوين والمواقع الإخباريّة التي استقطبت جيلا بأسره، وجلبت إلى دائرتها منظومة إنتاج المعنى برمّتها سواء تعلّق الأمر باللفظ أو بالتصوير أو بغير ذلك من الأدوات البلاغيّة الأخرى. واختفى بمقتضى ذلك مشهد ضوابط الكتابة الصّحفيّة جزئيّا من دورة الإعلام الجماهيري ليظلّ السّمة البارزة للإعلام الفردي الجماهيري الذي أدّى دورا مركزيّا في التغطية الإعلاميّة للثورات العربيّة لاعتبارات عديدة، وبات المشهد المثير، تلفزيونيّا، ذلك الذي تنقله للجماهير ‘صور بالعاميّة’ نسمّيها ‘صورا باللّهجة الدارجة’، لأنّ العاميّة أو الدارجة ليست حدثا لغويّا يتجلّى في المنطوق من الكلام فقط، يوجد أيضا تعبير مرئي بالعاميّة عندما يصبح التصوير التلفزيوني بوصفه عملا إعلاميّا محترفا، قدرة عامّة، يقدر عليه كلّ من يملك آلة تصوير فيديو من عامّة الناس. فالصّور ‘ الدّارجة ‘ التي تعتمدها القنوات التلفزيونيّة الإخباريّة بالخصوص على مدار السّاعة في التغطية الإخبارية، ضعيفة فنيّا وفاقدة للجودة في أحيان كثيرة لأنّها التقطت بأجهزة شعبيّة غير حرفيّة، في سياقات لا معنى فيها لما يعرف في اللّغة السينمائيّة والتلفزيونيّة بزاوية التصوير، لأنّ كلّ الزوايا الممكنة هيّ زوايا ‘ صالحة ‘ لنقل واقع الأحداث طالما أنّ قضيّة النقل الأساسيّة هنا، هي في ذهن الباث، قضيّة مركزها الحدث الاجتماعي في حدّ ذاته الذي يبرز إيديولوجيا الهيمنة المتغلغلة في مفاصل المجتمع، خلافا للمعادلة التي تعمل بها وسائل الإعلام الجماهيري القاضية بإبراز إيديولوجيا السّلطة التي تخفي الحدث الاجتماعي. ويحتاج، في هذه الحالة، إبراز الإيديولوجيا إلى التحكّم التام في نحويّة الصورة Grammar of Image من اختيار لسلّم اللّقطات ولزوايا التصوير ولرموز الصّورة… لأنّ مدار الأمر كامن في ‘تحريف’ الواقع بما يناسب التوجّه الإيديولوجي للباث. وهذا هوّ النهج الذي نهجه الإعلام العربي الرّسمي في تغطيته لأحداث الثورات العربيّة. لقد كان واقع الأحداث الاجتماعي يختفي وراء ستار الأعمال المخبريّة للصناعة الإعلاميّة الواعدة بتبني ‘إيديولوجيا التغيير’ وتنفيذها ‘بالقسط’ أو دفعة واحدة عند الاقتضاء، والمندّدة كذلك بنظريّة المؤامرة: الرّؤساء الذين خُلعوا، والمهدّدون بالخلع كذلك، أجمعوا من دون استثناء على وجود مؤامرة خارجيّة محاكة ضدّ أنظمتهم. والدلالة الواضحة في هذا الإجماع المثير هو أنّ الإيديولوجيا عندما تتحرّك لتتصرّف في تشكيل الأجزاء السوسيولوجية للواقع الاجتماعي، إنّما تتحرّك باتجاه حجب الواقع الفاضح لعناصرها. التصوير بالعاميّة يسكنه الصّراع الاجتماعيلم تكن الصّور ‘الشّعبيّة’، في نقلها لأحداث الثورات، بحاجة إلى نحويّة مّا. إنّها كانت تتدفق كما يتدفق الملفوظ من الكلام في الخطاب اللّساني الشعبيّ واللهجات الدارجة المتحرّرة من القواعد النحويّة والصّرفيّة، لتثبّت التعرّف على الواقع الذي يعيشه المجتمع. فهي، كما يقول دانيال تشاندلر في حديثه عن التعرّف للمألوف، ‘تسهم خُفية في تشييد الذات’. ‘ فالصّور’ باللّهجة الدارجة ‘ إنّما تسهم أيضا في تشييد الذات، وليست الذات المقصودة في فكر ألتوسير (Althuer) التي هي صناعة ‘الأجهزة الإيديولوجيّة’ للقوى المسيطرة في المجتمع، إنّما الذات التي يتحدث عن اكتشافها شاتوبريان (Chateaubriand)، لذلك نجدها خالية من ألوان المزج والتركيب المعتمدة في البناء الإخباري، وهي بطبيعتها تلك تبدو أكثر ‘شعبيّة’ من اللغة الشعبيّة. ولكنها في واقع الأمر لا تخلو تماما من الضبط، لأنّ مجرّد بثها تلفزيونيّا يعني وجود ضوابط خفيّة موجّهة للمعنى، كأن يحكم المادة الإعلاميّة ترتيب للمضمون الإخباري وظرف زمني له دلالاته، وزاوية نصيّة، يعبّر عنها رولان بارت بالمتابعة عندما يرافق الصّورة نصّ يبرز الزّاوية التي ينبغي من خلالها قراءة الموضوع. ولكنها في المقابل وخلافا لطبيعة الصّور المخبريّة التي يجوز تسميتها بـ: ‘الصّور الفصحى’، تبدو مشحونة بما يعرف في الدراما بالتوتر الدرامي. فهي ميدياتيكيّا أكثر إثارة من الصّور المخبريّة التي تخضع إلى معالجة فنيّة ولسانيّة في آن واحد، ويعود ذلك لاعتبارها صورا مفتوحة وليست كما يصف أمبرتو إيكو نصوص الإعلام بأنّها مغلقة، إنها صور مفتوحة تنقل واقعا قابلا للفوضى في أيّة لحظة من اللحظات. إنّها صور متحرّرة من الاصطلاحات الأسلوبية والرّقابة بالخصوص، ممّا يجعل منها خطابا، على نحو ماركسي، يفسّر انطلاقا من الأحداث، الأيديولوجيا السّائدة في المجتمع، من دون أن تكون بذاتها الحامل المرئي لإيديولوجيا مضادّة.

ثمّ إنّ ‘ الصّور العاميّة ‘ أو ‘الشعبيّة’ تمنح الانطباع على صعيد بناء الواقع بوجود هويّة اجتماعيّة في الخطاب الإعلامي، فتتزايد أهميّتها عند الجمهور لا لكونها تنقل آنيّا واقع أحداث الثورة بشكل فجّ، سواء في تونس أو في مصر أو في غير ذلك من المواطن العربيّة الأخرى، بل لأنّها تنبثق كذلك من المألوف الشّعبي. ويجدر في سياقنا تمييز معنى ‘المألوف الشعبي’ عن بعض الدلالات الضمنية المقترنة به، كاعتباره واقع الطبقات الكادحة والفقيرة، الواقع البسيط والسّاذج أحيانا. إنّ المعني الذي نقصده من العبارة هوّ المتصل بالأبعاد الفكريّة والسوسيولوجيّة غير المعترف بها، الغائبة عن خطاب الميديا الجماهيريّة، والأبعاد المقصاة كذلك من خطاب السّلطة. ويحاذي هذا المعنى ما ذهب إليه جون بول غابيلليي (Jean-Paul Gabilliet) في تعريف الفن الشعبي Popular Culture الذي يعتبره جوهرا مؤلّفا من ميادين كثيرة غير معترف بها، فهو الفن الذي لا يحظى بعناية الثقافة الجامعيّة الكلاسيكيّة، معنى ذلك أنّه الأدب غير الأدبي، والموسيقى غير الكلاسيكيّة… إنّ المألوف الشعبي يسكنه تاريخ الصّراع الاجتماعي، الذي تجاهله الإعلام الجماهيري على امتداد عقود من الزمن، إلى أن توفّرت له آليات الاعتراف في الفضاء السيبرني، فظلّ كاشفا لما كان محجوبا أو مستترا، وناقلا لما كان محظورا أو مستعصيا. واستقطب هذا المألوف اهتمام الميديا الكلاسيكيّة التي شرعت في اقتفاء أثره واستثمار رصيده في الحالات الاستثنائيّة، إلى حدّ أنّ بعض القنوات الإخباريّة العربيّة، توجّهت إلى نقل ما يبثّ من صور شعبيّة على بعض المواقع الإلكترونيّة لتغطية ما هوّ جار في المواقع الجغرافيّة الحقيقيّة. وظلّ الوصول إلى الحدث في الميدان يتحقّق عبر المرور بالمواقع الاجتماعيّة في الفضاء السيبرني المدوّنة للمألوف الشعبي، والحاضنة للصّراع الاجتماعي بكلّ أصنافه.

إنّ نقل وقائع المظاهرة المشار إليها في الحالة المصريّة، تمّ بأسلوب شعبي على نحو اختفت فيه القاعدة الصحفيّة، وتدفّقت فيه ‘ الصور الدّارجة ‘ كما يتدفق الملفوظ من الكلام في حلقات التواصل الاجتماعي اليوميّة، لأنّ الغاية المركزيّة من النقل، وإن كانت لا تخلو في كلّ الحالات من أمر الصّناعة الأسلوبيّة والفنيّة والتدبير البلاغي، لا تكمن في صناعة الواقع بالمقاييس الإعلاميّة الحرفيّة، التي إذا ما طابق بعضها البعض آلت إلى الكشف عن وجه جديد للواقع، لأنّ الواقع يتغيّر، كلّما تغيّرت قواعد إنتاج المعنى، إنّما القصد من النقل كامن في إعادة إنتاج الواقع بالمقاييس النفسيّة الذاتيّة، كشكل من أشكال التصدّي للألعاب البلاغيّة واللّغويّة التي يمارسها الإعلام المؤسّسي في صناعته للواقع، لأنّ الواقع يتغيّر كذلك كلّما تغيّرت الألعاب اللّغويّة.

يبدو، في هذه المضمار، وكأنّ عدم الانضباط في الكتابة الإعلاميّة، والتخلّي عن القواعد الصّحفيّة، في منظومة الإعلام الجديد، إجراء يجعل الواقع أكثر قربا للإدراك، لأنّ التقيّد بالقواعد والالتزام بالضوابط التعبيريّة عمل قد يبعد السبل الموصلة إلى الكشف عن الواقع أو قد يقود إلى تعدّديّة المعاني Polysemy في إدراكه. ونفهم حينئذ كيف تكون اللّغة العاديّة محدّدا جوهريّا للتفاعل في الأنشطة التواصليّة، لكونها الوسط الذي يكون فيه الاهتمام بالواقع شأنا مباشرا، ولكنّه مهيّأ للتحرّف كلّما كان الحرص على احترام القواعد هاجسا يسكن القائمين بالإعلام والاتصال، لأنّ الاهتمام بالواقع في هذه الحالة، يمرّ عبر الاهتمام بضوابط الكتابة وقواعد التعبير الفنّي. أستاذ علوم الإعلام والاتصال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية