التضاد المفتعل بين العروبة والتشيع

حجم الخط
0

رائد عرفاتمن غير المفهوم كيف انتهى الأمر بالتشيع ليصبح مقترنا بالجارة المسلمة إيران، فلقد نجحت إيران الى حد كبير بتنصيب نفسها ممثلة للمذهب الشيعي في العالم، وترتب على ذلك اتهامات بولاءات مزدوجة لبعض المواطنين العرب من الطائفة الشيعية الكريمة.

واذا درسنا التوزيع الجغرافي لمراقد الأئمة فان واحدا فقط من اثني عشر مرقدا يتواجد في إيران، وهو مرقد الإمام الثامن، الإمام الرضا، كما أن الحوزة العلمية التي تعد أعلى مرجعية شيعية في العالم موجودة في النجف الاشرف، ولكن بالطبع نلاحظ وباستغراب ضعف العنصر العربي في الحوزة العلمية. ومن الملاحظ أن التيار الإيراني يسيطر على مفاصل الحياة الدينية في النجف الاشرف بما في ذلك المرجعية العليا، بالطبع كان هناك استثناء خلال فترة الإمام محمد صادق الصدر الذي كان عربيا وعروبيا في نزوعه العاطفي، ولقد استطاع من خلال شخصيته القوية والشعبية التي تمتع بها وسط أتباع الحوزة ان يعزز العنصر العربي في الحوزة، وأعاد الاعتبار لصلاة الجمعة في النجف الأشرف، بل أن نشاطه امتد للخطابة في مساجد السنة عندما أصبح له مريدون من أتباع المذهب السني. لقد كانت الفترة التي قاد خلالها الإمام الصدر الحوزة العلمية من الفترات الذهبية فيما يخص التقارب بين المذهبين السني والشيعي في العراق، وانتهى الأمر باغتيال الصدر في ظروف غامضة، واتهم البعض قيادات دينية إيرانية بالوقوف وراء مقتله بعد أن شعرت بتفوق التيار العروبي في قيادة الحوزة، بعد ان شهدت فترة ولاية الصدر على الحوزة الكثير من الشد والجذب مع القيادات الدينية الإيرانية. وأجهض الصدر كل المحاولات الإيرانية لنقل الحوزة المشرفة الى قم المقدسة، ومحاولات الإيرانيين لم تتوقف طوال عقود لترحيل الحوزة والاستيلاء عليها، ويذكر المقربون من الصدر انه كانت له جولات مع المرشد الأعلى الإيراني، حيث كان الصدر يخاطب المرشد الأعلى بوصفه وكيلا له على خراسان. نسوق هذه التداعيات لإيضاح أن هناك تيارا عروبيا خالصا في الحوزة، ينتمي بإخلاص إلى عروبته، ويعتقد جازما ان التشيع هو ظاهرة عربية خالصة، قامت من اجل محاربة الظلم والفساد والنهب والقتل والزنا الذي شاع في عهود طويلة في الدولتين الأموية والعباسية، ولقد قاد الأئمة خلال تاريخهم الطويل صراعا مريرا ضد الفساد ونهب المال العام. وتبقى ثورة الحسين عليه السلام هي الأعظم في تاريخ التشيع، فلقد هب الإمام الحسين بوجه الطاغوت يزيد عندما حرف الرسالة الإسلامية عن مسارها الصحيح.

إن كافة عناصر القوة الموجودة في المذهب الجعفري يجب ان تكون ملكا لأمة العرب وليس سيفا مسلطا عليهم، لقد قدم حزب الله العقائدي نموذجا ممتازا للمقاومة ناتجا عن اندماج مجتمع الجنوب اللبناني الشيعي مع قيادة الحزب. ويؤكد هذا أن مسألة التضاد بين التشيع والعروبة هي مسألة مفتعلة روج لها مندسون، إن سب الصحابة عبارة عن بدعة حديثة روج لها بعض الحاقدين من أعداء العروبة، وهي لا تمت بصلة إلى جوهر التشيع ولا تعد احد أصوله كما يوهمنا بذلك المرجفون، ولو راجعنا كتابات كبار الأئمة الشيعة لما لاحظنا أي إشارات لسب وتكفير الصحابة، ولقد قرأت كتابا لأحد أقطاب التشيع كتب قبل مئة عام لا يذكر عمر بن الخطاب إلا بالتقديس والفضل.

إن التجييش الطائفي الذي تقوم به الماكينات الإعلامية هو الذي خلق هذا التضاد بين المذهبين الشيعي والسني، ورأينا بشيء من الاستغراب شخصية دينية كبيرة مثل الشيخ يوسف القرضاوي ينجر وراء هذا التجييش ويحذر من الخطر الشيعي. إن التشيع هو عروبي إسلامي في جوهره، فهل يحذر القرضاوي العرب من إخوانهم العرب، أم يحذر المسلمين من إخوانهم المسلمين، ان الفتنة الطائفية هي بمثابة حصان طروادة الذي يستعمله أعداؤنا لسحقنا، إن الفتنة الطائفية هي التي جعلت احتلال العراق ممكنا، وجعلت الاستمرار في احتلاله سهلاان وجود قيادات دينية وطنية مخلصة في الأوساط الشيعية كفيلة باسترداد تيار التشيع الى حاضنته العروبية، وعلينا الاعتراف بان التشيع قد سرق من امة العرب واستخدم في أزمان مختلفة كسلاح ضدهم.

ونود التأكيد ان أي دين تعتنقه أي مجموعة بشرية يجب أن يكون منسجما ومتناغما مع أحلام وطموحات ومصالح هذه الطبقة، هكذا جاء الإسلام ورفع من شان العرب، والتشيع ليس استثناء، فمن البدهي ان يكون هذا المذهب على وفاق مع تاريخ العرب وحاضرهم ومستقبلهم. وإذا كانت موازين القوى العالمية حتمت على تيار التشيع العربي أن يتحالف مع إيران المسلمة في أزمان مختلفة، فان هذا التحالف يجب أن لا يكون على حساب مصالح العرب.

والتحالف القائم بين حزب الله وإيران هو تحالف بناء، أدى إلى نشوء قوة مقاومة عربية أدت الى تحرير الجنوب من العدو الصهيوني، كما أنها استطاع الاحتفاظ باستقلال لبنان وتحقيق نصر على العدو في حرب تموز، ولكن علينا الانتباه أننا لسنا مرغمين على الانصهار في البوتقة الإيرانية من اجل كسب التأييد الإيراني لقضايانا. ومن الملاحظ أن الخطاب الإيراني الحالي هو خطاب قومي فارسي واضح المعالم، اذ كان هناك في فترة الثمانينيات تيار اسلاموي في إيران حاول أن يعطي لإيران هوية إسلامية مستندة إلى المبادئ الأساسية للمذهب الإمامي، ولكن حصلت تحولات مهمة في طبيعة الهوية الإيرانية وصولا إلى تكريس الهوية القومية الفارسية في الأمة الإيرانية، وعلينا الانتباه أن الهوية القومية العروبية تتقاطع في مواقع عديدة مع الهوية القومية الفارسية، وان كانت تلتقي معها في الخطاب الإسلامي والخطاب التحرري والخطاب المقاوم للاستعمار الأجنبي، موجز القول أننا يجب أن نتعامل بوعي مع القوى والتيارات السياسية والدينية في إيران، منطلقين في ذلك من مصالحنا العروبية.

ان الأحداث الطائفية التي عصفت بالعراق من قبل القوى الطائفية جعلت العراقيين يتنبهون إلى خطر الطائفية المستوردة، فمن المعروف أن الشعب العراقي قد تجاوز المسالة الطائفية في سياق تحديث المجتمع وانتشار الوعي بين طبقاته، ولكن مشروع الاحتلال أعاد الطائفية إلى الواجهة وعمل على تمزيق البنية الاجتماعية. إن العنف الذي ساد العراق قاد إلى بلورة تيار مهم في العراق يدعو إلى نبذ التطرف بشقيه الصفوي والوهابي، والذي ولد العنف والعنف المضاد، التشيع بشكله الصفوي فيه الكثير من التناقض مع النزوع العربي، وعلينا أن نكون متيقظين من هذا النوع من التشيع الذي يتقاطع مع مصالحنا ومستقبلنا كأمة عربية.

كانت هناك محاولات ممتازة لصياغة خطاب إسلامي عالمي في مواجهة قوى العولمة، وأهمها بالطبع الجهد الممتاز الذي بذله المفكر محمد اركون الذي أراد صياغة نموذج إسلامي متعال على الإقليمية والعصبية والمذهبية. ويبدو ان الغرب لم يرق له هذا التوجه، وتم الاستغناء عن خدمات محمد أركون من جامعة السوربون. وعلى فرض ان هناك عناصر قوة في الخطاب الإسلامي الشيعي في عالمنا المعاصر في ظل موازين القوى الحالية، فان هذا الخطاب يجب أن تقوم على بلورته قوى ثقافية ومجتمعية وسياسية عربية يأخذ بعين الاعتبار المصالح المشتركة للشعوب المستهدفة من هذا الخطاب سواء كانوا إيرانيين او أفغانا او أتراكا.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية