بعد مجازر الكيان الصهيوني ومحارقه المتتالية بحق الإنسان الفلسطيني منذ قيامه وإلى اليوم، وصولا إلى محارق غزة الثلاث الأخيرة (2008 – 2012 – 2014) وقف الشعب الفلسطيني ومعه شعوب الأمة والإنسانية جمعاء على مشهد مجزرة كاملة بحق العمران في القدس إثر قيام قوات الاحتلال بهدم عشرات المنازل دفعة واحدة وتهجير سكانها في مشهد نازي بربري يدين الضمير العالمي.
المجزرة العمرانية الجديدة وغير المسبوقة الحجم والبشاعة، تأتي كثمرة مباشرة لاستحقاقات لما بعد توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أشهر على قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس باعتبارها العاصمة الأبدية للدولة اليهودية الخالصة، وتدشين مقر السفارة في حفل أسطوري بإشراف مباشر من إيفانكا ترامب وجاريد كوشنر ومعهما وجوه المسيحية الإنجيلية ودهاقنة الحركة الصهيونية فضلا عن قيادات الكيان الصهيوني. وهو القرار الذي تلاه بأشهر قرار ثان باعتبار هضبة الجولان المحتل أرضا “إسرائيلية” بل وتدشين مستوطنة صهيونية جديدة تحمل اسم “ترامب” فضلا عن مشاركة السفير الأمريكي لدى الكيان في الافتتاح الميداني لأحد الأنفاق في القدس العتيقة.
كل هذا وغيره لا يمكن أن يتم فصله عن شيء أساسي وحاسم في المجزرة التهويدية للقدس، وهو مرور القرار العربي الرسمي؛ والخليجي تحديدا؛ من مستوى التطبيع السري إلى شعار التطبيع المعلن بل والحديث المنتشي عن أفق “التحالف العربي مع إسرائيل” ضد محور إيران في المنطقة مع تقديم ذلك تحت جوقة من العناوين والكبسولات الدعائية التي تعمل على شيطنة الفلسطيني وتهويل تكلفة الاستمرار في شعارات العقود الماضية مقابل تقريب الصهيوني من الوجدان الخليجي وتسويق عناوين التنمية والازدهار كما هو شعار ورشة الخيانة في البحرين برعاية جاريد كوشنر تحت عنوان ما يسمى “صفقة القرن”.
إن الهرولة التطبيعية الجديدة اليوم لعدد من العواصم العربية وانتشار ماكينة الدعاية لها، هي التي تشكل الدرع الحامي لجرائم العدوان الصهيوني على القدس وتنزيل مخططات التصفية النهائية للوجود العربي الإسلامي والمسيحي فيها، بما يجعل من هذه الجرائم جرائم “عربية” بنسبة الشراكة التطبيعية فيها، حتى أصبحنا نسمع تقارير موثقة عن حضور المال العربي النفطي في تنزيل عمليات التهويد والاستيطان.
يبقى أن هذه الهجمة “الصهيو -عربية” على منازل القدس وأهلها بقدر ما هي تعمق من جرح فلسطين النازف منذ 70 عاما، بقدر ما هي تسرع بمنطق الدورة الحضارية التاريخية الأكبر نحو نهاية الكيان الصهيوني نفسه باعتبار فقدان أنظمة العواصم الصهيو-مطبعة لشرعياتها السياسية ودخولها في بوتقة الانحلال لتراكم مزاج السخط عليها من قبل شعوبها وتراكم أخطائها الكارثية في عدد من النقاط الساخنة في المنطقة من سوريا إلى اليمن إلى ليبيا إلى مصر، عبر رعاية أجندة الخريف العربي وإجهاض نهضة الشعوب التي تجتمع كلها على اعتبار فلسطين بوصلة البوصلات في حراكاتها.