التطرف ومسؤولية الحكومات الاردنية: المعركة ليست في ترويض المواطن العربي

حجم الخط
0

د. لؤي منور الريماوي التدهورالاقتصادي هو ظاهرة عالمية أدت إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، والتضخم العالمي ومشاكل حادة في الائتمان المالي (الدولي والمحلي) من خلال عدد أقل من القروض ومتطلبات أكثر تعقيدا. ولكن كان تأثيرها على البلدان العربية أكثر صعوبة بسبب الفساد الداخلي، والمحسوبية المفرطة وانعدام سيادة القانون. ومن الصعب إقناع المواطنين العرب قبول تدابير التقشف عندما فقدت المليارات من خلال انعدام المساءلة الدستورية والافتقار إلى الحكم الرشيد. يضاف إلى هذا التجاهل لحقوق الانسان العربي من قبل الأنظمة العربية، والتي في مناسبات عديدة أثبتت عدم قدرتها على فهم التطلعات العربية، من كرامة المواطنين وحقهم في حياة كريمة. ما الذي يدفع شباب العرب لحرق أنفسهم بسبب إغلاق كل باب في وجوههم؟ هل هو لتمكين القادة العرب واتباعهم في الفساد والمحسوبية من السيطرة على عالم الأعمال في الدول العربية ومجالس إدارة المؤسسات العامة والخاصة، بينما يتم خطف التعيينات من قبل النخب السياسية من خلال انتهازية رخيصة بعيدا عن الجدارة ونبض الشارع العربي؟ فلماذا لم نشهد أي زعيم عربي يقف على قدميه على ارض عربية ورأسه في السماء بجانب خزان للنفط يقول بكل ثقة ان النفط هذا هو لحرق أعداء هذه الأمة، وأولئك الذين سرقوا مواردها… فهو الضوء لمستقبل هذه الأمة وليس أبدا وسيلة للانتحار؟

ما حدث في تونس هو أوضح مثال على ذلك. ومن السخف أن القادة العرب يدعون أنهم لا يعرفون مستوى الفساد والمحسوبية والظروف اللاإنسانية التي دمرت حياة الملايين من العرب بطريقة أو بأخرى. فهناك حاجة إلى إصلاح شامل في جميع البلدان العربية من أجل معالجة العديد من الاختلالات. واذا تعذر ذلك، فان الأغلبية الساحقة من الأنظمة العربية ما زالت لا أكثر ولا أقل من ديناصورات سياسية ترعى في ظل ناطحات سحاب. ونحن في الأردن لسنا استثناء، ولا تزال هناك حاجة ماسة لإصلاح جذري يمس تفكيرنا كحكومات وكأدوات تنفيذية. هذا ما قلناه في تموز من العام الماضي في صحيفة الاندبندنت البريطانية في سياق دفاعنا عن الملك: ‘لا يوجد شك في أن أي وطني أردني سيقول ان الاردن يعاني من المحسوبية المفرطة وعدم وجود سيادة القانون. وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة لحشد مسيرة وطنية أردنية هادفة’. ولكن في الوقت نفسه يجب أن ننظر إلى نقاط القوة عندنا. فقوات الأمن لدينا على درجة عالية من الانضباط ومعظم ضباط الأمن الأردني على درجة عالية من التعليم والالتزام. و في هذا الصدد يجب على وزارة الداخلية الأردنية ان لا تلجأ للقوة بطريقة سادية، وأن تواجه جميع المخالفين (بغض النظر عن رتبهم) بإجراءات قانونية وتأديبية وانها في حين ستضرب بيد من حديد ضد أولئك الذين يهددون وحدتنا الوطنية والدستورية، ففي الوقت نفسه فان دور رجال الأمن سيكون أيضا حماية المواطنين الأردنيين عند التظاهر.

ينبغي كذلك أن يكون هناك المزيد من الانفتاح الأردني فيما يتعلق بالتعاون المزعوم مع وكالات الاستخبارات الأجنبية عند مواجهة الارهاب الدولي باسم الاسلام. هذه العمليات الارهابية، القتل الجماعي والتطرف لا تمثل القيم الحقيقية للاسلام. المواطن الأردني هو ذكي وقادر على فهم مخاطر الارهاب، لا سيما وقد أدى هذا الارهاب لتدمير الصورة الحقيقية للاسلام، وخلق مئات الملايين من الأعداء للاسلام ولقضيتنا العادلة. فما الهدف من الارهاب الدولي باسم الاسلام الذي نجح فقط في تعزيز قوة اليمين السياسي في أوروبا وقدم وصمة عار لم يسبق لها مثيل إلى الاسلام كدين للسلام واحترام الانسان. لم تكن هذه الخدمة لتتحقق حتى من خلال الجهد المكثف لأعداء الاسلام والأمة العربية على مدى عقود عديدة.

الأردن ليس بحاجة لاخفاء مثل هذا التعاون المزعوم طالما هو ضمن مصالح الأردن في ظل القانون الأردني (الذي ينبغي أن يخضع لمراقبة مجلس النواب الأردني) والقانون الدولي (الذي يحدد معايير واضحة وتحتوي على مجموعة كاملة من المعاهدات الدولية والقوانين المتعلقة بالكرامة الانسانية والحماية القانونية للمقاتلين). بلا شك أن التطرف غدا مشكلة كبرى تعاني منها منطقتنا العربية في زمن الحداثة والذي يجب أن يكون عنوانه استيعابٌ أكثر شمولية ومنهجية منفتحة لا مغلقة. ولكن الملاحظ أن الحديث غائب عن تحديد مسؤوليات الحكومات أو الفئات الحاكمة لهذه التراجعات الخطيرة والتقصير في العديد من الجوانب والتي تدفع المواطن الى أحضان الفكر التطرفي المتشدد.

فكل الذي نشاهده ونسمعه هي تصريحات حكومية من هنا وهنالك وكأنها تأتي من أبراج عاجية تتعامل مع التطرف كما لو أنه مرض مستورد من ذلك البلد أو تلك القارة النائية، دونما تواضع في الطرح من حيث محاسبة الذات والاعتراف بأن هنالك أخطاء حكومية كبيرة في التعامل مع المواطن وفهم أولوياته الوطنية وبشكل يسمح بالتعلم من هذه الأخطاء ومحاسبة المقصرين من الجانب الحكومي. المشكلة ليست في التضييق القانوني والدستوري على الجماعات الوطنية ومحاربتها من خلال محاولة تصفيتها من خلال تغيير أو التلاعب بقوانين الانتخاب وغيرها، فهذه الممارسات هي ما يؤصل التطرف والشغل الشاغل للحكومات الأردنية يجب ألا يكون في كيفية ابتداع وسائل اجهاض هذه الحركات وشل حقها في ممارسة عملها سواء أكانت يسارية أو اسلامية أو قومية.

والمعركة ليست في ترويض المواطن العربي وبشكل يُرضي المنهج الأمريكي والأوروبي و ليست في قتل التطلعات الوطنية للمواطن البسيط والتي غالباً ما تدور حول محاربة الفساد والتسلط الداخلي وتحقيق حد أدنى من الكرامة الوطنيّة. المعركة تكون في تفهّم أعمق من الفئات الحاكمة لهذه التطلعات النبيلة والمساهمة الايجابية والفعّالة لتحقيقها. فدور الحكومات لا يجب أن يكون مقتصراً على ‘محاربة’ كل تطلع وطني تحت راية التطرف أو الاصولية، بل السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه للجميع هو أي اتجاه يمكن أن يخدم الأمة أكثر؟ وكيف؟ ولماذا؟ الوسيلة يجب ألا تكون قمعية أو تسلطية بل في المنافسة الشريفة بين الحكومة وكل الجهات التي تريد أن تخدم الوطن وتحقيق الأمثل.

فالمسألة ليست مسألة تصفيات بل في المنافسة في خدمة الوطن ورفع شأن مواطنه البسيط وعدم الالقاء به الى أحضان التطرف والأصولية كملجأ من تقصير الحكومات وتخاذلها وتعاليها عن اعترافها بهذا الكم التراكمي الهائل من الأخطاء في التعامل مع العديد من القضايا العامة والحساسة.’ استاذ زائر في جامعة كامبردج

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية