بيروت ـ «القدس العربي»: يعتبر فن التّطريز أحد ميادين العمل والإنتاج للمرأة الفلسطينية في لبنان وهو أيضا أحد ركائز التراث الفلسطيني الذي لا تزال اللاجئة الفلسطينية وبعد أكثر من سبعين عاماً على النكبة، متمسكة به.
لقد نشأ فن التطريز الفلسطيني وترعرع في بيئة الفلاحين، عاش معها من خلال أصابعهم وأخيلتهم، فجاء بسيطا كحياتهم جميلا كبيئتهم وصادقا كصدقهم وفيه الأصالة والعمق والتعبير الحضاري الممتد الجذور في تاريخ هذا الشعب العريق.
وانتشر التطريز وتوسع أكثر خلال السنوات الماضية في أوساط اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث أُنشئت مؤسسات تهتم به كجزء من التراث الفلسطيني وتحث على أهميته والتأكيد عليه حتى لا ينسى الفلسطينيون أنهم أصحاب أرض ووطن وهوية وثوب وقطبة فلسطينيين.
ولعل أبرز ما يميز التطريز الفلسطيني أنه مستوحى من البيئة، ومن الأرض والحياة الفلسطينية، حتى لكأنه لم يكتف بتصويرها وإنما عمد إلى رعايتها واحتضانها.
وأكدت ألماظة الشرقاوي مديرة مركز البرامج النسائية في مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا اللبنانية أن التطريز فن عريق مارسه أهل فلسطين، وقد استخدموا اللون بطريقة عفوية بدهية، والخيط بدل القلم للرسم والتعبير الصادق عن دفء الشمس. وتتكون الوحدات الزخرفية من حركة أو مجموعة حركات ولكل منها معنى خاص وهي تختلف من قرية إلى أخرى من ناحية توزيع الوحدات الزخرفية والغرز المستعملة.
وقالت لـ»القدس العربي» إن الشعوب الواعية بفنونها الشعبية، كشفا، وصيانة، ورعاية، وتطويرا، تقيم لها المعارض الدائمة والمؤقتة، وتخصص لها أقساما أساسية من قصور الثقافة، وهي ترى الباحثين والمتخصصين وتوفر لهم ما يحتاجونه من ميزانيات واعتمادات وتدرك ما لهذه الفنون من قدرة على تطوير حياة الشعب العميقة وخصائص مزاجه وتكوينه النفسي والروحي، وما لها من أثر في صيانة وحدته وتدعيمها وبلورتها.
وأضافت «الإنسان الفلسطيني بما عرف عنه من حيوية، ونشاط وأصالة، أبدع ألوانا من التطريز الفني شديد الخصب، والعمق والصدق والتنوع. ولئن استهدفت العواصف كيان الشعب الفلسطيني، ومنجزاته الحضارية والفنية فقد حفظت أصول قويت على الإعصار وبقيت آثار تمردت على الاندثار بما تحمل في طياتها من خصائص وبما تحتفظ به من قيم جمالية ممتعة وموحية».
والتطريز بأنواعه الطبيعية والهندسية، والمتداخلة متعددة الألوان والأشكال، متنوع في غرزه ووحداته الزخرفية، وتشكيلاته وألوان خيوطه وهي جميعها قادرة على الصمود.
وإلى جانب تعدد الغرز وتنوعها تعددت الوحدات الزخرفية الأساسية وتنوعت، ويمكن حصر تلك الوحدات في الطبيعية والهندسية واشتمل كل نوع منها على أعداد كثيرة ومن تداخلها وتآلفها أمكن تكوين وحدات زخرفية عديدة.
ومن هذه الوحدات الزخرفية تشكلت موتيفات فنية مختلفة وأصبح تنوع هذه التشكيلات وعرضها في الثياب المختلفة وفي الثوب الواحد مجالا للإبداع والتفنن. وقد استمدت هذه الوحدات من البيئة التي كان يعيش فيها أبناء الشعب الفلسطيني، فصوروا ما
يحبون واختاروا ما يثير تعلقهم وارتباطهم ببيئتهم وأرضهم وحياتهم، ولكنهم لم ينقلوها نقلا آليا وإنما كانوا يختارون ويعيدون الصياغة لتناسب الثوب والقماش والمناسبة والعمر وتخدم هدفا جماليا.
لقد أكثروا من اختيار الزهر وأغصان الأشجار والثمار وزهر الورد واللوز والبرتقال والزيتون والسرو وقطوف العنب وسنابل القمح إلخ …ومثلوا ما يألفون من أدوات كالمشط والمفتاح والسلسلة والقنديل والطيور التي أحبوها والعصافير والبط، كما وظفوا الأشكال الهندسية كالقوس والمثلث والدائرة والمستطيل والمربع والمعين.
وكثيرا ما آلفوا بين الوحدات الطبيعية والهندسية ليصمموا منها تشكيلات جميلة وليؤلفوا بينها تأليفا يجعلها شديدة التأثير والايحاء، كانوا يراعون الدقة في ملاءمة الغرز للوحدات الأساسية ونوع القماش والخيوط وألوانها. كما كانت المهارة تتجلى في مناسبة الوحدات الزخرفية للتشكيلات وفي تنظيم هذه الوحدات وتشكيلاتها، وفي التصميم العام للثوب.
أنواع الثياب
لقد تعددت أنواع الثياب وألوانها وأشكالها وطرق زخرفتها بتنوع المناسبات والسن، فللزفاف ثوبه وللعمل ثوبه وللرقص الشعبي في المناسبات الاجتماعية والوطنية للفتيات ثيابهن وللمسنات ثيابهن أيضا.
وكانت الفتاة تحرص أن تعد للمناسبات المختلفة ثيابا مناسبة، وتبذل في سبيل ذلك الوقت والجهد والمال والتفنن، حتى كان عدد هذه الثياب يصل عشرين في بعض الحالات، وكان كل ثوب يتميز بطابعه ووحداته وتشكيلاته وأسلوب عرض هذه التشكيلات.
لقد كان للثوب الأبيض مكانة خاصة عند كل فتاة، فهي تخصه بالألوان الوفيرة الزاهية، حيث ثوب الفرح يزين بالوحدات الزخرفية المطرزة بالألوان الزاهية كالأحمر والأخضر والأصفر، وكانت خيوطه جميعها من الحرير الطبيعي مرتفع الثمين.
اللاجئة الفلسطينية ميساء اللبابيدي، مسؤولة دورات التطريز في مركز اللجنة الفلسطينية لتكريم الشهداء، تعمل على تعليم الفلسطينيات، فنّ التطريز.
وترى أنّ الغاية من إنشاء هذا المشغل لم تكن في البداية ماديّة، بل تجسدت في التعريف بالتراث الفلسطيني وتعزيزه في حياة الجيل الصاعد. ورأت أن هذا الجيل ليس ملماً لا بالتطريز ولا بالتراث، وهذا ما يهدد التراث الفلسطيني بالزوال. وتشير إلى أن النساء تقوم بتطريز المناديل والعباءات التراثية وغير التراثية، والمحفظات وحقائب النساء وسواها من السلع التي يمكن تطريزها.
وبالنسبة لجمال التطريز الفلسطيني، تؤكد ميساء على أن تميزه بجماله، والقطبة الفلسطينية تختلف مع اختلاف عمر المرأة، كما تختلف الرسومات المطرزة على الثوب حسب اختلاف البلدة، فإذا رأينا امرأة ترتدي ثوباً مطرّزاً بالقطبة الفلسطينية، نعرف على الفور إلى أيّ بلدة تنتمي.
وبالنسبة للرسومات، أشارت ميساء إلى أن الأشكال التي تصورها المرأة على الأثواب متنوعة، فمنها الهندسيّة، وأيضاً الرسومات التي تعكس الطبيعة الفلسطينية، وتتراوح من نقوش ترمز إلى الصّحة والأمان إلى الأمل والنّجاح.
وتطور التطريز ولم يعد يقتصر على العباءة والكنزات والشراشف، بل دخل في حقائب السيدات والمحفظات والعقود، يعتمد الألوان المتنوعة، والقطبة والتصميم اللافت وفق ما تشير سارة ابنة الـ 27 ربيعاً التي تمتهن التطريز الفني وتصميم الرسومات الخاصة بالحقائب والمناديل وحتى الأحذية وقالت: «نحن أمام عصر مفتوح على أفكار متجددة، والتطريز حرفة مرنة. التطريز وأشكاله المختلفة جزء من التراث الوطني للشعب وشعاره الاجتماعي وقد توارثتها الأجيال من خلال الحفاظ على طريقة وأسلوب التطريز الذي تمسكت به اللاجئة الفلسطينية في الشتات، كأداة نضال تحافظ من خلالها على هويتها الوطنية وميدان عمل وإنتاج في ظل الظروف الاقتصادية والمعاناة الإنسانية التي يتعرض لها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان».