نور درويش ـ كه يلان محمد ـ ميلينا عيسى ـ عامر الطيب
تكمن مشكلة العقل العربي بأنه وريث ثقافة أصولية لا تقبل التعدد والاختلاف، فالهوية الأحادية هي مركزية تعاني منها الثقافة ذات المرجعيات والأنساق الثابتة، إن المؤسسات الثقافية بوصفها مراكز حيوية تمتلك خطابها الخاص، وفي الوقت نفسه تروج لخطاب السلطة المتعالي، هي بؤر وأنساق تحتاج أولا إلى المعاينة ثم إلى التفكيك والنقد المزدوج، وكذلك علاقة المثقف بالولاء والانتماءات هي علاقة مباشرة بالمركز وعلى النقيض منه يقف مثقف الهامش، الذي له خطابه الخاص والمضاد أيضا. انعكست هذه الظواهر والمرجعيات على كثير من التظاهرات الثقافية والمهرجانات الشعرية، وفي عصر التكنولوجيا وفضاءات التواصل الاجتماعي، ازدادت سيولة اللامعنى واللاجدوى في كثير من المناسبات الثقافية، وبدأت العلاقات والمصالح العامة تحكم قبضتها على أسماء المدعوين والتحكم في الفعل الثقافي وأدلجته، ضمن أجهزة الدولة، وأصبح كل نشاط ثقافي عبارة عن بهرجة إعلامية وأضواء تستهلك ولا تنتج، حتى أننا لاحظنا في مهرجان المربد الذي انعقد مؤخرا في البصرة دعوة أسماء لا علاقة لها بالشعر ولا بالأدب أصلا، ما أثار سخطا وجدلا في الأوساط الثقافية العراقية والعربية، والبعض اتهم مسؤولي الثقافة في العراق بالفساد المرتبط بالأزمة السياسية والاقتصادية في البلد، حول هذا الموضوع كانت لنا عدة آراء متباينة في الشأن الثقافي، بعضها كانت له العين الفاحصة في تشخيص الخلل والعيوب، والبعض الآخر اقترب من تفكيك المعضلة وتعريتها بشكل واضح.
وسط تلك الفوضى المريرة لا عزاء للمبدع الحقيقي سوى أن التمظهرات الثقافية العربية لم تساهم، لا في ما مضى، ولا الآن بصنع شاعر جيد أو قاص بارع أو صحافي محترف، يولد ويزدهر الإبداع العربي غالبا خارج المؤسسات.
المثقف ولعبة الانتماءات
ترى الشاعرة نور درويش أن المتايع للأنشطة الثقافية، لاسيما الشعرية منها آلية عملها من التحضيرات وأسماء المدعوين، انتهاء بأسماء الدورات التي تدور في فلك السلطة أو الاتحاد، حيث المشرفون عليه وأسماء المدعوين يشترط عليهم عضوية اتحاد الأدباء، هذا الأخير القائم على المعارف والأصدقاء والمجاملات، الذي يخضع لقوانين وزارة الثقافة، ناهيك من القصائد التي تُقرأ على منصة المربد، هذه المنصة التي قرأ عليها محمود درويش وسركون بولص، إهمال كبير يطال الأقلام الشعرية الشابة وكأنهم يتفقون على معاقبة الأديب غير المنتمي للخطاب النخبوي والسلطوي، هنا تكمن خطورة المحافل الثقافية الرسمية التي تظهر بمظهر المُحايد الفارغ من الموقف والقضية، ما قد يحجم مستقبلا دور المثقف ويتفّه من أحلام الشاعر في أن يكون كل مبتغاه القراءة على منصة، متناسيا أهمية الكلمة.
أنا مع المحافل الثقافية وكثرتها أيضا بشرط أن لا تكون بإشراف السلطة الحاكمة، كي لا ينهش الفساد أيضا هذه القيمة الأصيلة، الأديب الشاعر يجب أن يكون مجردا من أي انتماء، حتى يعلم مقدار الأهمية التي تحملها كلمة شاعر.
المؤسسات الثقافية بوصفها سلطات متعالية
كانت لرؤية الشاعر العراقي الشاب عامر الطيب، علاقة ترى في المؤسسات الثقافية خطابا للسلطة، حيث يرى أن المجتمع العراقي مُقتسم بين ثلاث سلطات، سلطة الفقيه وسلطة شيخ القبيلة وسلطة الحاكم، وكانت هذه السلطات الثلاث تتشابك وتتساند في ما بينها سرا أو علنا، حسب المنافع أو القيم المشتركة، وفيما يتضح للمتابع دور الفقيه والسياسي وشيخ القبيلة، كان المثقف يفقتر لدور بارز ومؤثر، الأمر الذي جعله مضطرا للانطواء تحت أجنحة هذه السلطة أو تلك، أما بعد ظهور الصحافة والإذاعة ثم وسائل التواصل الاجتماعي، فلم يعد المثقف الحقيقي مضطرا للخضوع الكامل لسلطة لا يتفق مع قيمها، لكن السلطة أيضا ليست مغفلة، إذ راحت تكثف ضغوطها لتتجلى بسلطات أخرى إعلامية أو شعبية، ولما للشعر من أهمية نادرة في حياة المجتمع العربي، تم تأسيس أو دعم المهرجانات والمنتديات التي تستعمل المثقف بطريقة معلنة أو خفية. إذن ينبغي الحديث عن المربد كمهرجان أولا وكظاهرة ثانيا، برأيي لم يكن للمربد تاريخ ذهبي، فقد بدأ المهرجان كصوت تعبوي لنظام صدام حسين، وكانت مجمل القصائد تتغنى ببطولة الجندي العراقي، وهو يغامر بحياته في حرب لا ناقة للعراق فيها ولا جمل، حتى راح مثقفون وشعراء كبار يعتبرون المربد بيتهم الكبير، أو بلاطهم الواسع بعبارة أدق، شعراء مثل نزار قباني ودرويش وغيرهم، كان المربد بالنسبة لهم تحقيقا لحلم شعري عربي مفقود، والباحث عن أرشيف للدجل الشعري الثقافي الذي كان يمارسه شعراء كثر تحت عيني الطاغية في المربد، فمصادر كثيرة تفي بالغرض. لكن وعلى حد تعبير الرصافي «نحن نكتب للحقيقة لا للتاريخ» فإن عهدا آخر بدأ مع سقوط نظام ديكتاتوري كان يفرض على الناس قيمه بطريقه أو بأخرى، إلا أن التغيير لم يكن ملموسا فقد ظل المهرجان يساسُ بطريقة أسوأ، وراحت العلاقات والمصالح الشخصية وغياب الرؤى هي التي تدير المهرجان ليبدو أقرب للأضحوكة، بالطبع لا لوم على الشعراء المدعوين عربا وعراقيين، ولبعضهم منجز جيد وحضور محترم، إنما الحديث هنا عن اللجان التي تعيد تكرار المهرجان بصورته السائدة ذاتها كل سنة، لتفرغه من أي معنى ثقافي وتحوله إلى ملتقى للأكل والشرب والصداقات الشخصية لا المعرفية.
أما المربد كظاهرة فهو لم يكن الشاذ أو المؤسف الوحيد بين المهرجانات العربية، فالجميع يسير على خطى الجميع، العلاقات والمنافع الشخصية، لاسيما بعد انتشار فضاءات الاتصال السريعة هي الفيصل في حضور شاعر أو عدم حضوره. ووسط تلك الفوضى المريرة لا عزاء للمبدع الحقيقي سوى أن التمظهرات الثقافية العربية لم تساهم، لا في ما مضى، ولا الآن بصنع شاعر جيد أو قاص بارع أو صحافي محترف، يولد ويزدهر الإبداع العربي غالبا خارج المؤسسات.
وفي الحديث عن مهرجان المربد فإن المنطلقات والمعايير في اختيار الشعراء بقيت هي هي ولم تتغير، فما زال الشعر يدخل في غرف التعبئة وخلق نفس أدبي يجاري السلطة ويقدمها كحارسة للأدب والثقافة.
الإرث الأيدولوجي للثقافة
يربط الأديب والكاتب علي الفائز الجذور الثقافية بالإرث الأيديولوجي للدولة ومؤسساتها، إذ يؤكد أن هنالك مشكلة بنيوية تعاني منها الثقافة العراقية بشكلٍ عام، تتمثل في إنها لم تستطع الخروج من عباءة الأيديولوجيا البعثية، وخلق بنية جديدة تحرر الشعر من الأدران التي لحقت به في زمن النظام السابق.
نعم هناك محاولات للخروج من هذا المأزق لكنها للأسف محاولات فردية بعيدة عن المؤسسات، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلات، دون حلول قريبة تلوح في الأفق
لقد كانت القاعدة التي ينطلق منها النظام السابق هي الولاء لا الكفاءة، وهذا القاعدة نجدها في السياسة والأدب والاجتماع إلخ. وهذه القاعدة بقيت على حالها وتطورت وشملت مختلف الفعاليات والنشاطات بدءا من الهيمنة على المراكز العلمية وإدارة الجامعات وصولا إلى الفعاليات الثقافية والمهرجانات التي ترعاها السلطة. وفي الحديث عن مهرجان المربد فإن المنطلقات والمعايير في اختيار الشعراء بقيت هي هي ولم تتغير، فما زال الشعر يدخل في غرف التعبئة وخلق نفس أدبي يجاري السلطة ويقدمها كحارسة للأدب والثقافة. وأنت تطالع قائمة الشعراء المربديين لهذا العام، تشعر بالقرف والمفاجأة في آن واحد، تجد اسم الاب والابن وما يرتبط بالعائلة القريبة من السلطة، وهكذا تتكرر أسماء الآباء والأبناء، وكأننا أمام شجرة نسب وليس مهرجانا شعريا معاييره الإبداع لا الدم، ونشعر بالمفاجأة لغياب أسماء شعرية حقيقية تركت بصمتها القوية في الوسط الثقافي، لكن مما يؤسف له أقصتهم اللجنة عن الحضور لعدم وجود علاقات شخصية مع اللجنة، أو لكونهم لا يجيدون التملق للسلطة ومجاراتها، وهذا الأمر يتكرر في كل دورة أسماء ثابتة للحضور، وأخرى حاضرة للإقصاء والإبعاد. وتكمن خطورة هذه المهرجانات، في كونها تحاول احتكار الثقافة، وبالتالي فإنها تصدر أحكامها وبكل حدة على الأدباء أصحاب التجارب الفردية، فتهمشهم وتقصيهم لكونهم صنعوا أنفسهم خارج أسوار الاتحادات والمهرجانات، التي باتت تصدر التفاهة والابتذال للمجتمع وتريد أن تخضع الأديب لقوالبها الجاهزة، التي تقمع التنوع والاختلاف والتجارب الفردية فهي تمنح صك التفوق لمن سايرها وتنفي من خالفها خارج هذه الأسوار الثقافية القائمة على الزيف والعلاقات والإخوانيات والمراعية لمزاج السلطة.
التوتر الدلالي والعماء المعرفي
كان للشاعرة السورية ميلينيا عيسى رأي نقدي يتعلق بالنص بوصفه سلطة وخطابا، أذ تقترح الوقوف عند إشكالية الخطاب بتنوّعه دلاليا للوصول إلى نتائج معرفيّة تضيء بعض الشيء الخلل المتراكم في العقل العربي، باعتبار أنّ المعرفة هي المعيار الموضوعي، الذي يتمّ الاحتكام إليه. وبالنظر للطابع التعميمي الذي غالبا ما ترد فيه إشكالية «المعرفة الشعرية» فإننا سنحاول من جهتنا تسليط الضوء على بعض تفاصيلها الأساسية، في أفق إضفاء ما أمكن من الموضوعية على آليات اشتغاله شعريا، بالتعامل مع المعادل الموضعي لوجود النص، ولعل أول ما يمكن الوقوف عليه هو التعرّف على أهمية وجوده كدلالة اشتغال معرفية لها سلطة وقوة (الإبداع)/هي الدائرة التي تتموضع فيها حلقاته الوظيفية، حيث يطالعنا أولا العمق المعرفي المطلوب توافره لدى الذات الكاتبة، تليه الإشارات المعرفية ذات الطابع الجمالي المنبعثة من النص، كي تنغلق الدائرة، بالمعرفة الشعرية التي يُفترض في المتلقّي أن يكون على إلمام وافٍ بها/ ولعل هنالك جانبا لا يمكن التغاضي عنه، مجانبا للغرض المعرفي، ولطالما كان من المسببات القاسية في إلغاء دلالة (مفهوم الخطاب) وإقصائه عن المعادلة الكلية في سلسلة الترابط الدلالي، ناهيك من المعنى في المفهوم الجمالي في انبثاق النص كرسالة تنعطف انعطافا معرفيا مسببا للجدل والتأويل، وانطلاقا من التعدد اللامتناهي لنماذج التجارب المصاحبة بتعددية أنماط كتاباتها وقراءاتها، فإنّ هذه الدائرة لا تلبث أن تكشف عن قابليتها لتوليد وتنسيل فضاءات لامتناهية من الدوائر التي لا تكون بالضرورة ملزَمة بالانتماء إلى شجرة نسب واحدة ومشتركة إلا بحدودها البلاغية العامة، فبقدر ما يوجد فضاء من التوتر بين هلالين النص/دال /مدلول/ فإن اتساع مساحة الفراغ المعرفي والدلالي قائمة ولن تبرح منطقة إجهاد النص وقتله إبداعيا، ولعلّ من أهم الأسباب ذلك التوتر..
أولا ـ غالبا ما يُنظر للنص على أنه اشتغال بلاغي/جمالي لاعلاقة له بالمعرفة كدلالة محرّكة وناشطة في بنية النص، كرسالة تحذو حذو أجناس الأدب الأخرى.
ثانيا ـ إن فراغ النص من الدلالة المعرفية يوقع النص والقارئ معا في إشكالية الفراغ الحسّي والعقلي وإضفاء حالة من الاحتيال على العقل المعرفي بانتهاك قداسته بإضافة صفة الكم على النوع.
ثالثا- إن كل ما ذُكر آنفا من مسوغات الغوص في معرفة الأسباب والتعامل معها على فرض تأثيرها في جدلية نشوء النص، ومن أهمها أي تلك الأسباب.
أ ـ التنظير لمقترحات النص التي أغلبها ما يقع في العماء البلاغي وتنصّله عن جماليات الخطاب وتوجيهه للخلق الإبداعي بإبداء رسالته الموجَّهة وفق الخلق المبدع لكينونة النص.
ب ـ متجلية إسقاط مفهوم النص الحداثوي وتطبيقاته على نموذج النص المترجَم.
لا عجب من ضمور صورة المثقف، وتراجع فاعليته، وإذا أردنا إدراك الأسباب الكامنة وراء تحول الثقافة إلى مناسبات شكلية تفتقدُ إمكانية النهوض، فلا بُدَّ من متابعة ما وصل إليه المثقف من الوضع السكوني، إذ ما يهمُ المثقفين هو البحث عن الولاءات، وحتى لو كان ذلك مناقضا لما يعلنهُ من مشاريع معرفية
تفكيك الأنساق الثقافية
يطرح الكاتب والناقد العراقي كه يلان محمد مشروعا لتفكيك بنى الثقافة ومراكزها السلطوية، الذي يرى أن الجدل غالبا ما يكون بشأن الأزمة الاقتصادية والسياسية محتدما في ما لا يحظى ما يدور في الوسط الثقافي بالاهتمام ولا يمتدُ قوس النقاش إلى الظواهر التي تسودُ في البيئات الثقافية، هل هذا يعني أنَّ واقعنا الثقافي غير متعثر بحيثُ أصبحَ استثناء؟ في الحقيقة أنَّ عملية تفكيك الأنساق الثقافية لا بُدَّ من أن تسبق المحاولات الهادفة لإصلاح المنظومات السياسية لأنَّ الرثاثة السياسية تتغذى على الثقافة المُتهالكة. إذن فمن الطبيعي والحال هذه أن تتحول الثقافة إلى سلسلة من المناسبات التي لا تغني ولا تسمن من جوع، وما يثير الاستغراب على هذا المستوى أنَّ التظاهرات الثقافية في ازدياد غير أنَّ كل ذلك لا يؤدي إلى صناعة الحدث فبالتالي يبدو أن الحديث عن الرهان الثقافي ما هو إلا عبث لأنَّ العقلية الأداتية هي المحرك لماكينة الثقافة وهذا ما يفسرُ وجود التبعية المُقنعة للمراكز المُتنفذة، كما أنَّ ما يعمقُ الأزمة على هذا المستوى هو نشوء المحميات الثقافية المُغلقة، الأمر الذي زاد من حالة الكساد الفكري والاختناق المعرفي والركود العقلي، ومن المعلوم أنَّ هذا الوضع هو امتداد للمشهد السياسي المثقل بالإرث الاستبدادي، لذا فمن المتوقع وجود أعراض العاهات السياسية في الوسط الثقافي، لأنَّ المثقف لم يعد مغردا خارج التحزب، بل يتراوح دوره بين مستنقع الأوهام وتسويق للمفاهيم الحداثوية في الظاهر ومخالفتها على المستوى السلوكي. عليه لا عجب من ضمور صورة المثقف، وتراجع فاعليته، وإذا أردنا إدراك الأسباب الكامنة وراء تحول الثقافة إلى مناسبات شكلية تفتقدُ إمكانية النهوض، فلا بُدَّ من متابعة ما وصل إليه المثقف من الوضع السكوني، إذ ما يهمُ المثقفين هو البحث عن الولاءات، وحتى لو كان ذلك مناقضا لما يعلنهُ من مشاريع معرفية، وما عاد القولُ بأن المثقفَ يمثل صوت من لا يمثلهُ أحد مقنعا، لأنَّه قد أصبح منضويا تحت ألوية التيارات التي تطوع آليات مُتعددة لتدوير بضاعتها الفكرية المُستهلكة..
كاتب عراقي