عاموس جلبواعتقرير بالمر بخصوص سفينة مرمرة ليس متوازنا. التقرير يميل بشكل واضح جدا الى جانب المواقف التي عرضتها اسرائيل، وبشكل حاد ضد المواقف التي عرضتها تركيا. على المستوى المبدئي استراتيجيا جاء ليقول ان الحصار البحري الذي تضربه اسرائيل على قطاع غزة مبرر، اذ جاء لمنع تهريب السلاح الذي يستخدم لتفعيل الارهاب من القطاع ضد اسرائيل؛ وان تنفيذ السيطرة على مرمرة كان قانونيا وان الجهات المشاركة في الاسطور تصرفت بانعدام تفكر في الصيغة لكسر الحصار؛ وانه كانت في مرمرة مجموعة عنيفة؛ وانه في عملية الاسطول المذكور امكانية كامنة للاشتعال؛ وان تركيا لم تفعل ما يكفي كي تمنع كل هذا. على المستوى التكتيكي تتلقى اسرائيل النار على الاستخدام المبالغ فيه للقوة وانه كان يمكنها أن تتخذ اساليب اخرى لوقف الاسطول. ومن أجل ‘صنع السلام’ يوصي التقرير بثلاث خطوات: على اسرائيل أن تعرب عن الاسف (Regret) بشكل يتناسب ونتائج الحدث (وليس على افعاله!)؛ على اسرائيل أن تدفع تعويضات؛ على اسرائيل أن تستأنف علاقاتها الدبلوماسية الكاملة مع اسرائيل واصلاحها.
يخيل لي، اذا لم اكن مخطئا، بان هذا هو التقرير الافضل منذ سنوات طويلة لاي لجنة من الامم المتحدة يؤيد مواقف اسرائيل. وما الغرو، بالتالي، اذا كانت تركيا رفضت تماما استنتاجات التقرير وحاولت طوال الوقت فرض الرعب على اسرائيل في محاولة لانتزاع موافقة منها على الا ينشر التقرير وان تملي عليها سلسلة املاءات تقلب بـ 180 درجة التقرير نفسه (مثل: ان تعتذر اسرائيل بشكل واضح وعلني أمام تركيا على قتل مواطنيها، وان يلغى الحصار البحري على غزة لان ليس قانونيا)، فيما بالمقابل لا تحاول تركيا المطالبة بتقديم جنودنا الى المحاكمة. والان، ما ان نشر التقرير، ولم تقدم اسرائيل خدها الاخر الى الاتراك، فان ‘الجبار الاسلامي’ من اسطنبول يعربد، يخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل، يجمد الاتصالات الامنية معها، يهدد بدعاوى ضد جنود الجيش الاسرائيلي وما شابه من تهديدات مختلفة. هناك من بيننا كمن يقول: لم نعمل بحكمة وبتعقل. لماذا ينبغي لنا ان نتورط مع القوة العظمى التركية ‘الهائلة’، بل وفي توقيت حساس جدا من ناحيتنا، ونعمل بذلك ضد المصلحة الامريكية. هيا نعتذر لتركيا الغاضبة وننهي الموضوع. تقديري هو أن هذا النهج مغلوط من اساسه، ولماذا؟ اولا الاتراك لم يريدوا فقط الاعتذار، ارادوا ايضا رفع الحصار. بمعنى، الظهور كمن يملي على اسرائيل سياستها. فضلا عن ذلك، كنت اقول انه حتى لو استجابت اسرائيل لهذا الطلب، فان علاقاتها مع تركيا ما كانت لتعود الى سابق عهدها. بالعكس، كان الاتراك سيواصلون وهذه المرة كمنتصرين، فرض الرعب على اسرائيل في محاولة لانتزاع امور اخرى منها. ينبغي أن نفهم بان علاقاتنا مع تركيا اردوغان توجد في منحدر سلس للتدهور بمبادرة تركية مبيتة. هذه مسيرة لا مرد لها. هدف اردوغان هو ان تتحول تركيا الى قوة عظمى اقليمية عالمية اسلامية تبسط رعايتها على الدول الاسلامية السنية. اسرائيل كانت ولا تزال عاملا معرقلا في الطريق الى تحقيق هذا الهدف. الاتحاد الاوروبي كان اول من لاحظ القنبلة التركية المتكتكة ورفض ادخالها الى الاتحاد. تركيا لا تقف فقط ضدنا. فهي تقف ضد تقرير الامم المتحدة، ضد القانون الدولي وعمليا ضد الولايات المتحدة التي سياستها في عهد اوباما هي العمل مع الامم المتحدة وفي اطارها. واضح أن من الافضل لاسرائيل تركيا سوية العقل وصديقة من تركيا معادية ومتبجحة، ولكن يتعين علينا أن نتعلم التعايش مع العداء التركي ومع الحقيقة الاستراتيجية بان علاقاتنا الماضية الوثيقة مع تركيا لن تعود طالما بقي اردوغان في الحكم. كل هذا دون أن نفزع من التهديدات التركية، ولكن ايضا دون أن نقع في ‘كمائن تركية’. معاريف 6/9/2011