خالد الشامي
لندن ـ ‘القدس العربي’: سعت جماعة ‘الاخوان’ الى التقليل من المخاوف والاثار السلبية لانفرادها بتأييد التعديلات الدستورية المطروحة على الاستفتاء غدا السبت، فعرضوا الدخول في قائمة وطنية انتخابية مع عدد من الاحزاب العلمانية بهدف طمأنة الجميع انها لا تسعى للفوز بالاغلبية في الانتخابات البرلمانية المتوقعة خلال ستة شهور.
وللمفارقة وجد الاخوان الذين طالما اعتبرهم نظام مبارك ‘جماعة محظورة’ وحيدين في الجانب المؤيد للتعديلات الا من الحزب الوطني الحاكم سابقا، ما كرس المخاوف من ان سبب تأييدهما لانتخابات مبكرة، لا يسمح لباقي قوى الثورة بالاستعداد الجيد، هو الثقة في تحقيق مكاسب انتخابية كبيرة قد ‘تخطف ثمار الثورة من ابنائها’، حسب فصائل الثورة واحزاب المعارضة التي وحدتها المطالبة بدستور جديد بعد ان سقط الدستور القديم بسقوط النظام كما يجادلون.
وتحول الانقسام حول التعديلات الدستورية الى ‘اختبار قوة واضح’ بين مطالب الثورة، وضرورات المجلس الاعلى للقوات المسلحة التي تقضي بعودة قوات الجيش المنتشرة في الشوارع الى ثكناتها، وتسليم السلطة الى رئيس منتخب في اقرب فرصة.
ووصلت حدة الجدل السياسي بين الجانبين الى اعتبار الدكتور محمد البرادعي، المرشح الرئاسي ان التعديلات تمثل ‘خيانة لمبادئ الثورة، في اتهام ضمني واضح لجماعة الاخوان بالانتهازية السياسية، ونهاية عملية لـ’زواج المصلحة’ الذي كان جمعهما في اطار ما يسمى بـ’الجمعية الوطنية للتغيير’. ومن ناحية الجدول الزمني قد لا تختلف كثيرا مواعيد الانتخابات في حالتي الرفض او التأييد للتعديلات، الا ان النتائج ستكون اول محطة كاشفة للمشهد السياسي بعد نجاح الثورة في اسقاط النظام.
ويرى محللون ايجابيات وسلبيات عديدة في كل من خياري التأييد والرفض للتعديلات، بينما يعتبر كثير من المصريين المدعوين الى الاستفتاء السبت ان الجدال السياسي المحتدم، ليس واضح المعالم بما يكفي، ما قد يؤثر على نسبة المشاركة رغم وجود ضمانات غير مسبوقة لنزاهة الاستفتاء، بينها استخدام بطاقة الرقم القومي في التصويت بدلا من البطاقات والجداول الانتخابية التي تضم اسماء الكثير من الاموات والمهاجرين، وتسهل تزوير الانتخابات، وكذلك وجود لجنة قضائية تتولى الاشراف على العملية الانتخابية برمتها مع مشاركة نحو 16 الف قاض.
اما الايجابيات في التعديلات كما يقول المدافعون عنها فهي: انها بما تقدمه من ضمانات بنزاهة الانتخابات تسمح بتشكيل مؤسسات ديمقراطية، وانتخاب برلمان ورئيس جمهورية خلال ستة شهور ما يسمح بعودة الحياة الطبيعية وانهاء الانفلات الامني واستعادة الاقتصاد لعافيته، والاهم انهاء الحكم العسكري وعودة الجيس لثكناته.
ان تعديل المادة 189 مكرر يضمن تحقيق ما يطالب به معارضو التعديلات من البدء في كتابة دستور جديد، خلال فترة لا تزيد عن ستة اشهر من اول اجتماع للبرلمان، بعد تشكيل جمعية تأسيسية لهذا الغرض.
ان التعديلات تحمي البلاد من الدخول في نفق مظلم من الفوضى وانعدام اليقين، قد يتخلله انقلاب عسكري، مع اطالة الفترة الانتقالية الى عام او عامين.
ان اثارة المخاوف من سيطرة الاخوان وفلول الحزب الوطني على البرلمان في حال اجراء انتخابات مبكرة، يشير الى عدم ثقة غير مقبول في جماهير الشعب المصري الذي قام بثورة عظيمة غيرت التاريخ، وقادر على انتخاب برلمان متوازن وممثل لكافة الاطياف، خاصة ان الاخوان اعلنوا بالفعل انهم لن ينافسوا الا على ثلث المقاعد.
ان التعديلات تشكل مكسبا ديمقراطيا كبيرا، وان كانت غير كاملة، الا ان التدرج في تحقيق المطالب الثورية قد يتطلب التدرج، كما حدث مع العديد من الثورات في العالم، وسيشكل اقرارها تكريسا للثقة بين الجيش والشعب، وسيدفع التيارات السياسية التقليدية والجديدة الى تكثيف العمل استعدادا لدخول الانتخابات، ما يعني تسريع عجلة الحراك السياسي وإثراء الحوار الديمقراطي المجتمعي الذي يشكل خطوة مهمة على طريق التحول اليمقراطي. ومن بين اهم السلبيات التي يروج لها معارضو التعديلات:
ان اقرار التعديلات يعيد ‘دستور مبارك’ كما يسميه الثوار الى الحياة، ويكرس الطريق الذي طرحه النظام على لسان الرئيس السابق نفسه ثم نائبه عمر سليمان كوسيلة لاحتواء الثورة وافشالها، مع بقاء ما يضمنه لرئيس الجمهورية من سلطات واسعة، قد تمكنه من كتابة دستور يخدم اهداف المتوقع فوزهم في الانتخابات المقبلة وهم فلول النظام السابق وجماعة الاخوان المسلمين، بدلا من اعطاء الفرصة للشعب صاحب الثورة لوضع دستور جديد، يختار من خلاله النظام السياسي الذي يريد، ويمكنه من جني ثمارها. وهكذا ثورة عظيمة يجب ان تجب كل ما قبلها، وان تكون اساسا لجمهورية جديدة بدستور جديد.
ان الشرعية الثورية التي اطاحت نظام مبارك، وسمحت بتولي المجلس الاعلى السلطة خلال فترة مؤقتة، تبقى المرجعية الوحيدة المقبولة في هذه المرحلة، وهي تحتاج الى دستور جديد يستجيب لمعطياتها ومتطلباتها التي تعبر عن امال الشعب وطموحاته، وليس مقبولا ان يفرض عليها دستور النظام السابق، حتى بعد تعديله، كما انه لم يكن مقبولا ان يسمح لرموز ذلك النظام بالبقاء في الحكومة. واذا كانت القوات المسلحة لاسبابها الوطنية والمفهومة تريد التفرغ لمهمتها الاصلية في حماية الوطن، فانه يمكنها ان تسلم الراية الى ‘حكومة الثورة’ التي يمكنها تشكيل مجلس رئاسي مؤقت، والعمل بدستور مؤقت، الى حين وضع دستور دائم خلال عام، ثم اجراء الانتخابات على اساسه.
مع عودة الدستور القديم سينشأ بالضرورة وضع غير دستوري، اذ لا يوجد ذكر للمجلس الاعلى الحاكم حاليا فيه، كما انه ينص على ان رئيس المحكمة الدستورية العليا يتولى الحكم في حال خلو منصب رئيس الجمهورية، وعليه ان يدعو الى انتخابات رئاسية خلال ستين يوما. ما يعني ضرورة انتخاب رئيس جديد خلال 21 يوما، وهو امر غير قابل للتحقيق ما سيعرض قرارات الدعوة الى الانتخابات للطعن في دستوريتها. ان الاستعجال في اجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية لا يترك الفرصة امام بروز عدد اكبر من المرشحين، ويحصر المنافسة عمليا بين الاخوان والحزب الوطني في البرلمان، وبين عمرو موسى والبرادعي في الرئاسة. كما ان اجراءها في ظل اوضاع انفلات امني وسيطرة بلطجية الحزب الوطني على مناطق باكملها، يقلل من امكانية تحقيق الشفافية والنزاهة المطلوبتين في اول انتخابات بعد الثورة انتخابات يفترض ان تعيد ثقة المواطن في العملية الديمقراطية، بعد نحو ستين عاما من الاقصاء.
ان المواطن المصري المتشكك بطبعه في نوايا السلطة يشعر ان التعديلات لم تأخذ حقها الكافي في النقاش العام الذي وعد به الاعلان الدستوري غداة تنحية مبارك، وبالتالي قد يلجأ الى الاستمرار في المقاطعة التلقائية للانتخابات، رغم حملات قوية في وسائل الاعلام الحكومية تدعو للمشاركة الواسعة، والتأييد. كما ان المجلس الاعلى سارع الى تحديد موعد للاستفتاء قبل ان يبدأ النفاش حولها.
ان تجاهل التعديلات الدستورية لحق المصريين في الخارج في التصويت، مع تقديم تبرايرات اما واهية بشأن (التكاليف) او مهينة تتعلق بمدى (ولائهم) وخاصة لمن يحملون جنسية مزدوجة، يكرس فجوة كانت قائمة بين نظام مبارك، ونحو عشرة ملايين مصري في الخارج يشكلون ثالث اكبر مصدر للدخل القومي بعد السياحة وقناة السويس، وزادت تحويلاتهم المالية العام الماضي الى تسعة مليارات دولار، رغم الازمة المالية التي اثرت سلبا على باقي مصادر الدخل.
ويشكل تعديل المادة 75 المعنية بالشروط المشددة التي يجب توافرها في المرشح لرئاسة الجمهورية، تشكيكا في ولاء المصريين الحاصلين على جنسية ثانية، ويحرمهم وابنائهم من حق الترشح للرئاسة. ويجادل منتقدو هذا التعديل بانه ينحدر الى شبهة العنصرية وحتى النازية في استبعاد المصريين بالخارج، وهم يتمتعون بدرجات عالية من الانتماء والكفاءات.
وعلى اي حال فان التعديلات، ومهما كانت نتيجة الاستفتاء، تبقى خطوة هامة على طريق التحول الديمقراطي، وهو طريق طويل ويتطلب الكثير من الجهد، مع الحفاظ على الزخم الثوري الذي يحمي منجزات هذه المرحلة الفارقة في تاريخ البلاد.