الدوحة ـ «القدس العربي»: إقرار البرلمان الإسرائيلي قانون «المعقولية» المثير للجدل، وهو أول تشريع رئيسي في خطة الحكومة لإضعاف القضاء، على الرغم من ستة أشهر من الاحتجاجات والضغط الأمريكي ضد أهم تغيير في نظام المحاكم منذ تأسيس الدولة، ضاعف قلق حلفائها الغربيين وأثار مخاوف الدول العربية التي شرعت سابقاً أبوابها لركوب قطار التطبيع، خشية الغرق مع حكومة «متأزمة».
تمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو بموقفه ودفاعه عن إقرار الكنيست لأحد التعديلات الرئيسية في خطة الإصلاح القضائي التي تسببت في انقسام حاد في الشارع الإسرائيلي، وفي تمزق في المجتمع وبات كثير من الإسرائيليين يتساءلون حول ما إذا كان هذا الضرر يمكن إصلاحه، وهز ثقة أقرب حلفاء تل أبيب.
واعتبرت صحيفة نيويورك تايمز في تحليل نشرته، أن إسرائيل تتجه «نحو المجهول» وأن نصف المجتمع الإسرائيلي بات يتساءل عما إذا كانت إسرائيل في ظل إدارة نتنياهو وحكومته يتجهون بإسرائيل نحو «نظام حكم استبدادي ديني». وانتقدت الولايات المتحدة أقرب حلفاء تل أبيب، الحكومة الإسرائيلية بسبب إصرارها على تمرير التعديلات القضائية، ووصفت التعديل بأنه «مؤسف».
وبعد يوم من تمرير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتعديل مثير للخلاف في أحد قوانين السلطة القضائية عبر البرلمان، غطى إعلان باللون الأسود الصفحات الأولى جميع الصحف الإسرائيلية الرئيسية يحمل عبارة «يوم أسود لديمقراطية إسرائيل». وكان الإعلان مدفوع الثمن من قبل مجموعة من شركات التكنولوجيا الفائقة التي تحتج على سياسات نتنياهو فيما يتعلق بالقضاء، والتي يقول محللون إنها أطلقت العنان لعدد كبير من المخاطر، سواء بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي أو بالنسبة لمستقبل نتنياهو السياسي، بمثابة رسالة واضحة سيكون لها وقع على عواصم دولية.
وترى يوليا شالوموف المديرة المشاركة لمبادرة N7 ضمن برامج الشرق الأوسط التابعة للمجلس الأطلسي في ورقة بحثية، أنه إذا كان نتنياهو ربما يكون قد هدأ المخاوف في الداخل، فإن أحداث الأسابيع الماضية تؤكد مسؤولية السياسة الداخلية الإسرائيلية عن تطلعاتها الإقليمية. وأدت جهود نتنياهو المستمرة لاسترضاء شركائه اليمينيين، غالبًا على حساب زيادة التوتر والعنف في الضفة الغربية، إلى توترات واضحة على التحالفات الإقليمية التي من غير المرجح أن تنحسر في ظل الهيكل الحكومي الحالي. وأظهرت دول اتفاقية إبراهام ترددًا أكبر في التعامل علنًا مع إسرائيل، على سبيل المثال تأخير الاجتماع الوزاري السنوي الثاني لمنتدى النقب، الذي كان من المتوقع في الأصل عقده في أذار/مارس وسط انخفاض الدعم الشعبي لاتفاقات إبراهام في المنطقة. كما أعرب الموقعون على الاتفاقات عن قلق متزايد بشأن ممارسات الحكومة الجديدة – سواء من خلال الإدانة العلنية أو الاجتماعات الثنائية الخاصة – ما يثير التساؤل عن استمرار تقدم العلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية. بينما يتطلع نتنياهو إلى الحفاظ على سيطرته في الداخل من خلال التخلي عن المزيد من التنازلات للفصائل اليمينية في الحكومة، سيحتاج إلى أن يزن بعناية الخسائر التي ستواصل تحملها على علاقات إسرائيل في المنطقة وإرثه في توسيع التطبيع بين إسرائيل وجيرانها، بحسب التحليل المنشور. ويرى باحثون أن إسرائيل، التي ليس لديها دستور مكتوب ولكن فقط مجموعة من القوانين الأساسية شبه الدستورية، لديها محكمة عليا قوية نسبيًا، والتي يجادل مؤيدو التغييرات بأنها إشكالية.
لن يكون هناك
مطبعون آخرون قريباً
لكن المحكمة العليا هي الضابط الوحيد لسلطة الكنيست والحكومة، لأن السلطتين التنفيذية والتشريعية تخضعان دائمًا لسيطرة الائتلاف الحاكم نفسه. وقالت رئيسة مركز الإمارات للسياسات الدكتورة ابتسام الكتبي إن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «أحرجت» القادة العرب الذين وقعوا اتفاقيات مع تل أبيب، وإنه من المستبعد أن تُقدم دول عربية أخرى على نفس الخطوة في المستقبل القريب. ونقلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية -التي أوردت الخبر- عن الكتبي قولها إن حكومة بلادها ونظيرتها بالدول العربية التي وقعت «اتفاقيات إبراهام» تشعر بالحرج أمام الشعوب العربية، حيث استثمرت كثيرا في تلك الاتفاقيات وباتت تبحث عن حل.
وأضافت الكتبي، في كلمة ألقتها خلال مشاركتها في مؤتمر بإسرائيل، أن حكومة نتنياهو «لن تقتل اتفاقيات إبراهام، ولن تتسبب في انسحاب الدول الموقعة عليها، لكن لن يكون هناك موقعون آخرون».
اتفاقات إبراهام في خطر
ويقول باحث في مؤسسة «الحقيقة من أجل الشرق الأوسط» الأمريكية الموالية لإسرائيل، إن اتفاقات إبراهام في خطر بسبب عدم الاستقرار في إسرائيل وأمريكا، وتضاؤل اهتمام واشنطن بمنطقة الشرق الأوسط. وذكر الباحث بالمؤسسة جوزيف إبستين في مقال له بمجلة نيوزويك «Newsweek» الأمريكية، أن الأمر لدى الإدارة الأمريكية الحالية وإسرائيل لم يعد يتعلق بتوسيع هذه الاتفاقات، بل بالتأكد من عدم تفككها.
يعتقد الكاتب أن عدم الاستقرار داخل إسرائيل وضعف حكوماتها وتآكل التماسك الاجتماعي فيها أثار قلق بعض الدول العربية الموقعة على اتفاقات إبراهام. وقال إن منح حكومة نتنياهو كثيراً من السلطة لمتطرفين مدفوعين بالأيديولوجية، وعدم استجابة نتنياهو للتعليقات التحريضية التي أدلى بها عضو الكنيست بتسلئيل سموتريتش، عوامل أثارت مخاوف الدول الموقعة على اتفاقات إبراهام بشأن مصداقية نتنياهو بوصفه شريكاً.
وأضاف أن دول الخليج العربية أصبح حذرها يتزايد إزاء الديمقراطيات التي تعدّها غير قادرة على ضمان التزاماتها، وطول أمدها غير مؤكد، «هذه الدول تقدر الاستقرار والقوة. وإسرائيل لا تتوقع ذلك في الوقت الحالي».
واعتبرت تحليلات غربية، أن خطراً يحدق بالديمقراطية، ويخشى كثيرون أن يقلص نتنياهو والحكومة اليمينية المتشددة استقلال القضاء مع ما ينطوي عليه ذلك من عواقب دبلوماسية واقتصادية وخيمة. وتنطلق تلك الدراسات من أن الأسس الديمقراطية الإسرائيلية هشة نسبياً، وليس لدى الدولة دستور، حيث حثت الولايات المتحدة نتنياهو على السعي لاتفاق واسع في شأن التعديلات القضائية والحفاظ على استقلال القضاء. واعتبر مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق مئير بن شبات في مقال نشره عن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية أنه: «لا يمكن التقليل من أهمية تأثير الواقع الأمني في (الضفة الغربية) على الاتصالات الجارية من أجل توسيع رقعة التطبيع في المنطقة. وأشار أن الحساسية حول مواقف الشارع من ذلك عالية والزعماء بمعظم الدول لا يتحركون في اتجاه يعاكس الرأي العام». واقتبس بن شبات، عن وزير الخارجية الأمريكي بلينكن قوله «عندما تشتعل النار في ساحتكم الخلفية، من الصعب، وحتى من المستحيل، دفع اتفاقيات تطبيع جديدة قدماً، بما في ذلك مع السعودية».
وقال: «هذا ما قاله وزير الخارجية الأمريكي بلينكن عن المحاولة لدفع التطبيع الإسرائيلي-السعودي قدماً، وقام بوصفه كخطوة تواجه تحديات كبيرة». وبن شبات، الذي يرأس حالياً معهد ميسغاف لشؤون الأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية (خاص) هو أحد مهندسي «اتفاقيات إبراهام» الذي شارك بتوصل إسرائيل إليها مع البحرين والإمارات والمغرب. وترى التحليلات أن الشكوك تتزايد حول قدرة إسرائيل على أن تكون شريكًا موثوقًا به ومستقرًا في المنطقة، في حين أن التعاون بينها وجيرانها العرب لم يكن بشكل عام هو الأمثل، فقد قدمت التطورات في السنوات الأخيرة رؤية بديلة للمنطقة.
وأدى التوافق الإقليمي حول التهديدات الخارجية المشتركة من إيران إلى تغير المناخ، من خلال الرغبة في رؤية إمدادات موثوقة للطاقة والمياه في المنطقة، إلى العديد من المعالم الهامة. ويرى الباحثون أن تسوية النزاع البحري بين إسرائيل ولبنان، ومشروع الغاز لغزة الممول من الاتحاد الأوروبي وقطر، ومشروع الازدهار ليست سوى أمثلة قليلة. ويمضي التحليل أنه حتى هذه المعالم وغيرها من التي تم تحقيقها قد تكون في خطر. ويرى الباحثون أن جيران إسرائيل والمجتمع الدولي بدأوا بشكل عام في التشكيك في الحكمة الاستراتيجية.
اهتزاز الثقة مع واشنطن
جددت الخارجية الأمريكية التأكيد إن الدعم العسكري لاسرائيل لن يتوقف، رغم الاختلاف معها بشأن الإصلاحات القضائية، إلا أن أوساطا في واشنطن ترى بعين الريبة للتطورات الحاصلة في تل أبيب.
وتسيطر مخاوف من ارتدادات حرب أهلية وشيكة، على صناع القرار في البيت الأبيض، والكابيتول حيث أقرب حلفاء تل أبيب في الولايات المتحدة. وحث الرئيس السابق لجهاز «الشاباك» الإسرائيلي نداف أرغمان، الحكومة الإسرائيلية بوقف التعديلات القضائية، معبراً عن خشيته من أن تكون إسرائيل على «أبواب حرب أهلية» لكن ذلك لم يحدث واعتمدت تلك التعديلات. وقالت صحيفة «واشنطن بوست» في افتتاحيتها بعد اعتماد التعديل القضائي، إن «الأرض تتصدّع من تحت أقدام نتنياهو» مشيرة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي تلقى تحذيرات، وعلى مدى الأشهر الماضية، من تداعيات تعديلاته القضائية. وأظهر مسح نشرت منظمة إسرائيلية غير ربحية نتائجه، أن نحو 70 في المئة من الشركات الناشئة في إسرائيل اتخذت خطوات لنقل بعض أعمالها إلى الخارج بسبب أزمة التعديلات القضائية التي تدفع الحكومة لإقرارها. وكان قطاع التكنولوجيا الفائقة، الذي عادة ما يكون بعيداً عن النقاش السياسي، قوة دافعة في الاحتجاجات ضد تحركات الحكومة. ويستمد اقتصاد إسرائيل الذي يقارب حجمه 500 مليار دولار قوة من قطاع التكنولوجيا، الذي يمثل أكثر من نصف الصادرات وربع الدخل الضريبي.
ويهدف المسح الذي أجرته منظمة «ستارت-أب نيشن سنترال» إلى قياس التأثير الاقتصادي لخطط الائتلاف اليميني المتشدد، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والتي من شأنها وضع قيود على سلطات المحكمة العليا لإلغاء التشريعات.
وحتى الآن، يظل تأثير الموقف الدولي في هذه الأزمة غير واضح. فلم تتدخل الولايات المتحدة وحلفاء إسرائيل حتى الآن في تفاصيل التعديلات القضائية، واقتصرت على حث الأطراف على تأمين توافق واسع لأي تعديلات قضائية مع حفظ استقلالية القضاء، لكن المؤشرات تذهب إلى أن مسارات التطبيع والتوافقات التي دعمتها واشنطن لاستقطاب المزيد من الدول التي تلتحق باتفاقات إبراهام، سيكون مؤجلاً.