سافر الدكتور الرئيس مرسي إلى البرازيل للقاء رئيسة البرازيل ديلمار روسيف والمؤسسات والجهات المختصة، للتعرف على البرامج التي نجحت فيها البرازيل، خصوصاً البرامج الاجتماعية التي ساعدت البرازيل في تحسين نوعية الحياة، ومن ذلك مكافحة الفقر والبطالة بتوفير فرص عمل جديدة، أو غير ذلك من أساليب جيدة، هذا فضلاً عن لقاء الجالية المصرية في البرازيل.
سافر الرئيس بعد أن اعتمد التعديل الوزاري الجديد، طمعاً في تحسين الأداء وإن جاء التعديل متأخراً عدة أشهر، وقد جاء أيضاً غير كامل في رأي المعارضة، وبعض السلفيين.
هذا التعديل الوزاري الجديد في مصـــر، ولعلــــنا نصطلح على تسميته على الأقل في هذا المقال بـ (تعديل مايو)، ليــــس هذا هو التعديل الأول، لأن التعديل الأول كان في شـــهر كانون الثاني/يناير 2013، ولعلنا نصطلح على تسميته بـ(تعــــديل يناير) للتمييز بين التعديلين. التعديلان يدلان على وجـــود تشكيل وزاري أصلي تم في أواخر سنة 2012، بعد تأخير عدة أشهر من تولي مرسي الرئاسة. والثلاثة في عهد الرئيس الدكتور مرسي. هوجم التشكيل الأول والتعديل كذلك، واشترك في الهجوم أو تفنيد التعديلين من سبق له أن دعم التشكيل الأصلي الأول، ودافع عنه وعن الأخطاء التي صاحبته. دعنا أيها الـــقارئ من التاريخ وإن كان حديثاً، ولنقف وقفة موضوعية مع التعديل الثاني، (تعديل مايو).
يبلغ عدد الوزارات في مصر، أكثر من ثلاثين وزارة، وتم تعديل 9 وزارات فقط. كان المأمول بين المتابعين وقوى المعارضة على الأقل، تعديل 11 وزارة، من بينها الداخلية والإعلام، وهو ما لم يتم كما هو متوقع أو مأمول. الوزارات التسع التي جرى التعديل فيها، هي المالية، الزراعة واستصلاح الأراضي، وزارة الثقافة، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، وزارة العدل، وزارة البترول والثروة المعدنية، وزارة الاستثــمار، وزارة الدولة لشؤون المجالس النيابية ووزارة الآثار. الواقع الذي ساد مصر في الفترة الانتقالية كان واقعاً مريراً، وكأننا كشعب نتعلم السباحة لأول مرة في المحيط. كانت الوزارة أيام مبارك ومن سبقه نوعاً من الأبهة والفخفخة، بل كانت باشوية جديدة، بعد أن ألغت ثورة يوليو 1952 الألقاب. أما الواقع المرير اليوم فيعكسه تردد بعض الكفاءات المصرية في أن تتولى حقيبة وزارية، سواء في التشكيل الأصلي أو في التعديل الأول (يناير 2013) أو التعديل الثاني مايو2013، وأيضاً استبعاد بعض الكفاءات المعروفة حتى من الثوريين نتيجة توجهاتهم الفكرية رغم حاجة البلد إليهم ككفاءة وليس كفلسفة أو فكر أو تنظير، فالوزارة تنفيذ وليست تدريسا في جامعة أو معهد عال.
ربما يرفض بعضهم تولي وزارة لأسباب منها، قصر المدة قبل توقع تعديل جديد، ومنها الخشية من الهيمنة على الأداء من وراء ستار أو تعويقه أو التدخل في شؤون بعض الوزراء، أو التكتيف بحيث يجد المسؤول نفسه غير قادر على الحركة، وغير مطلوب منه عملا، كما كان الحال مع معظم أو كل المستشارين الذين استقالوا من الرئاسة. الانقسام الحاد في المجتمع، والاستقطاب والصراع السياسي وليس التنافس النظيف، له دخل مباشر أو غير مباشر، بان التشكيل الوزاري أو التعديل، لم يكن الأمثل أو الأنسب لشغل الفراغ.
من أهم الانتقادات الحادة التي وجهتها المعارضة كالعادة، ووجهها الراغبون في الاصلاح الحقيقي إلى هذا التعديل الحكومي، كانت تتعلق باختيار المستشار حاتم بجاتو وزيراً للشؤون القانونية والمجالس النيابية، بعد أن وصف بالخيانة والعمالة والعداء للاسلام، عندما كان في لجنة الانتخابات وبعد أن كان رئيساً لهيئة المفوضية بالمحكمة الدستورية العليا. وجاء في الاتهامات أيضاً، أن بجاتــــو كان ممن دعم نظام مبارك بفساده المعلوم على حساب استقلال القضاء. هل يمكن أن يكون هذا الاختيار مؤقتاً لإبعاده عن وظيفته الأساسية في المحكمة الدستورية العليا؟
التعديل الوزاري الجديد لم يكن شاملاً، رغم أن الوزارة لم يبرز فيها إلا الوزير باسم عودة الذي تحدث معظم الشعب عن إنجازاته، فالشعب ليس ضد الحكومة ولا يعنيه الصراع على السلطة، والشعب اليوم يرى الانجازات فلا ينكرها، ويرى الضعف أو الفساد فلا يسكت عنه، حتى يظهر في بعض النكات الكثيرة المؤلمة والبرامج الفكاهية التي تستهوي الناس وتعتبر من أدوات التنفيس عن الآلام والأحزان، وربما يخفف هذا من حدة الاكتئاب. ولذلك من الخطأ التضييق على أصحاب تلك البرامج، بل ينبغي مكافأتهم أو على الأقل وتشجيعهم للاستمرار مع توجيههم لاحترام آداب وأعراف هذا الشعب، الذي يحترم الدين في الغالب، سواء كانوا من المسلمين أو المسيحيين.
تركز بعض الانتقادات الموجهة إلى التعديل الجديد، خاصة من القيادات السلفية، ومنهم من كان متحالفاً مع الإخوان من قبل، أنه لم يشمل رئيس الوزراء رغم ضعف أدائه الواضح، خصوصاً في ملفات الاقتصاد والأمن والعدالة الاجتماعية وضعف توضيح الخطط الاستراتيجية التي توضح للشعب كيفية تحقيق أهداف الثورة الأربعة، التي تكاد تنسى في خضم الانفلات الأمني وتعقب بعض الثوريين الذين أخطأوا ولم تشفع لهم جهودهم الكبيرة في إذكاء روح الثورة بين الشباب. الدكتور عصام العريان عند تعقيبه على تعديل وزير الاستثمار السابق المقال قال عنه ‘إنه فلول ولكن كنا نعطيه فرصة)، ربما كان اختيار بجاتو من هذا القبيل. وهذا ما يثيرعندي مسألة المعايير في الاختيار والبعد عن المزاجية التي تقوم على الهوى.
هناك مشكلة أخرى جديدة وحساسة، إذ لا أدري سبباً وراء تأخر النائب العام في الطعن على قرار براءة المتهمين في (موقعة الجمل)، ولا أدري سبباً أيضاً في الابقاء عليه في مكانه، رغم الحكم وتأكيد الحكم ببطلان بقائه. واليوم وقد أصدرت محكمة النقض قرارها برفض طعن النيابة العامة على براءة المتهمين الخمس والعشرين في (موقعة الجمل)، وبعد أن استندت المحكمة في حكمها الى أن النيابة العامة قدمت طعنها بعد انتهاء الموعد القانوني، إن كان هذا دقيقاً، يتساءل الإنسان المنصف، لماذا تتأخر النيابة في الطعن في قضية حساسة كهذه؟ بل إنها أهم قضية في مصر بعد الثورة، لأنها تعكس الفساد بعينه والاستهتار بحياة المواطنين، والوقوف ضد الثورة والتغيير، فهل التأخير في الطعن جزء من هذا كله؟ لن يسامح الثوار النائب العام، وينبغي على الرئيس مرسي أن يفي بوعوده العديدة بشأن الثورة التي أوصلته إلى الحكم، وأعطت كل التيارات الإسلامية وغيرها كامل الحرية في تكوين أحزاب وانتخابات نزيهة لأول مرة في التاريخ. لا يهم إن كان هذا التأخير في الطعن نتيجة إهمال أو نتيجة فشل أو تقصير في جمع الأدلة التي تعين في إظهار الحق، أو كان نتيجة تعمد وتواطؤ. ولم يعد المواطن يستبعد أي شيء حتى الاهمال في حق الثوار، خصوصاً بعد وعود كثيرة من المسؤولين وفي مقدمتهم الرئيس مرسي، ولم يتم الوفاء بها.
كان هذا القرار صدمة، خصــــوصاً عندما نعــــلم أن بعض الثوار الحقيقيين يقفون أو يجلسون وراء الأسوار اليــــوم، ومنــهم الشاعر الثائر أحمد دومة أو سامح المصري أو غيرهم من الثوار الشباب، رغم أخطائهم التي لم تجد من يهتم بعلاجها ومعظمها بسبب الاتهام بإهانة الرئيس، أو السيدة إيمان عبدالحميد، تلك السيدة التي قالت من وراء الأسوار في سجن القناطر ما كان يقوله بعض الإخوان وهم في المعتقلات والسجون أيام مبارك، قالت إيمان بعد قرار رفض الطعن على الحكم ببراءة المتهمين بقتل الثوار في (معركة الجمل):’ أشرف لي إني أفضل جوه السجن من إني أستنه صفقة أو عطف من مرسي وعشيرته زي الفلول’.
من يتحمل مسؤولية هذا الخطأ أو العمد إن كان عمداً؟ أو الفساد إن كان فساداً؟ وأين وعود الرئيس مرسي بشأن القصاص للشهداء، وما وعد به أيضاً بشأن إعادة المحاكمات في قضية قتل الثوار، وما قاله عن دم الشهداء، حيث ردد أكثر من مرة علناً وفي مجالس غيرها: دم الثوار في رقبتي، مما يذكر البعض بوعود عبدالحكيم عامر، حيث قال للزعيم ناصر، رحمهما الله تعالى ‘برقبتي يا ريس’. وعانت مصر آنئذ ما عانته بسبب ذلك الإهمال والتفريط في حق مصر.
إن الإهمال أو التفريط في دماء الشهداء وحقوقهم، يشمل الإهمال في حماية المحاكم ونشوب الحرائق في بعضها وحرق بعض المستندات والملفات، فضلاً عن أنه مدعاة للثورة وضعف الاستقرار، فإنه مضيع للحقوق، وحقوق من التي يضيعها! إنها حقوق الشهداء. استفزت هذه الأمور معظم المواطنين، سواء تشكيل الحكومة الجديدة أو رفض الطعن الذي تقدمت به النيابة بعد الوقت المحدد للطعن في قضية قتل الثوار، حتى إن حركة كفاية وصفت في بيان لها يوم الأربعاء 8/6/2013، بأنه ترقيع وزاري لتكريس أخونة الدولة، كما دعت في بيانها إلى العمل على الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، وأنها تتمسك بالسعي إلى اسقاط هذا النظام.
لم يستقر الأمر بعد وبقي وزير الداخلية رغم الانفلات الأمني، ووزير الإعلام رغم كثرة المطالبات بتعديل تلك الوزارة. فمتى يكون التغيير الحقيقي؟
‘ كاتب مصري