«التغريبة الغزاوية»… حقول الدماء وأناشيد التحرير

تتعرض الأمم عبر تاريخها لأحداث تؤثر فيها، لكن لا محالة أن الإنسان في مكانه يعبر عن حركة ذلك المكان بالمبادرة التي يطلقها كي يعيد للتراب رائحته، التي لا يمكن أن تخطئ شم ولا وجدان صاحبها، إنها التشكل الأول الذي يربط بين نسيج المكان ووقعه في مخيال الإنسان، الذي يبحث دوما وبصورة ملحمية عن تفاعله مع التجمع العمراني، تفاعل يفتح به حكاية تستقر في التاريخ وتستمر في الوعي، وما نتابعه اليوم ـ نحن البعيدين عن «غزة»ـ يدفعنا إلى التساؤل عن وضعها البطولي الذي نجد فيه عبق التاريخ.

التغريبة الغزاوية بين غضون جدتي وجوال أمي

منذ أن توالت الأحداث على غزة في العشريتين الأخيرتين (2007 -2023) وأنا أحاول تشكيل مخيال للظاهرة البطولية «غزة» باعتبارها كينونة مشروع شهادة وجهاد وحياة أيضا، لأنها تغالب كل أسباب الموات ولعل أهمها وأوحشها «الحصار» الظالم، وارتأيت أن يكون المخيال الذي أتصوره «تغريبة» تُحكى كما حكتها العجوز الفلسطينية التي تتماثل غضون وجهها مع تضاريس الأرض التي رفض الفلسطينيون هجرتها. عرضتُ الأمر في سري على أمي ثم عدلت عن ذاك إلى جدتي، ستتساءلون لماذا هذا العدول؟ تساءلت أيضا عن ذلك ووقعت في حيرة، لكنني اهتديت إلى السر الذي أرقني وأنا أفاضل بين حجر أمي وغضون جدتي. جدتي، كانت سوف تحكي الحكاية كما لو إنها ترسم كلماتها من مشاعرها ووجدانها المتلهف إلى إسلامي لوسادة الليل، تماما مثلما أسافر خلال نومي في الحكاية، لذلك أشعر حرارتها حتى وأنا أغالب تثاقل جفناي أو أغيب في غلالة النوم، لكن أمي كانت ستحكي التغريبة والشاشة الذكية بين يديها، فيُنسج الحدث باردا، كما لو أن كلماته شكلت من رقمنة العقل الجافة، أكيد رغم دموع أمي.
تتحرك الأشياء منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول في اتجاه واحد عالميا يشير إلى مدينة أعرق من العراقة، إذ تحددت بها القضية الفلسطينية برمتها في العشرية الأخيرة، لأنها أصبحت محط أنظار العالم باعتبارها من المواقع الآهلة بالسكان، والمحاصرة منذ سبعة عشر عاما من طرف العصابات الصهيونية، وما يستتبع ذلك من انتشار الجوع والفقر والمرض، والتي تعرضت للهجوم الصهيوني على مرّ السنوات منذ 2008، لكن غزة أحدثت المعجزة بصمودها وإبداعها في المقاومة التي انتقلت بها من المسدس والرشاش إلى «الصاروخ» و»المسافة صفر» ذلك أن اسمها يعني حسب «يوسابيوس القيصري» الذي عاش في القرن الرابع بعد الميلاد يعني العزة والمنعة والقوة، والاسم يعني أيضا أنها مختصة كما أورد ياقوت الحموي في معجمه، فعندما نقول «غز فلان بفلان» أي اختصه من بين أصحابه، إنها مختصة من بين المواقع الأخرى على البحر المتوسط، كما يشرح عارف العارف في كتابه «تاريخ غزة».

التغريبة الفلسطينية بين الهجرة والقضية

عندما نقرأ في تغريبة بني هلال، فإن الموضوع يتناول قضية هجرتهم من الجزيرة العربية إلى تونس عام 440 هـ، أما حينما نتناول التغريبة الفلسطينية فإن الوعي ينصرف إلى القضية الفلسطينية وتطورها عبر التاريخ، ولا شك في أن لهذا الاختلاف في الرؤية أثر في إدراك الحقيقة الجوهرية لحركة الأمم في التاريخ، فبني هلال تُقرأ سيرتهم باعتبار مناخ البداوة الذي تأسست فيه كينونتهم الاجتماعية، وتنقلهم في المكان من أجل الماء والكلأ، بينما التغريبة الفلسطينية تُقرأ من خلال الوضع المديني لحركة الفاعل التاريخي.
سماها المؤرخ المقدسي عارف العارف في كتابه «تاريخ غزة» 1943 بـ»بنت الأجيال» لقدمها في التاريخ، ووصفها المستشرق الأمريكي ريتشارد غوتهيل في مقدمة كتاب عن غزة لمارتن ماير صدر عام 1907 بأنها «مدينة مثيرة للمهتم بدراسة التاريخ» ولأنها «بنت الأجيال» فهي بنت التاريخ، وما يحدث فيها يكشف عن التفاعل الواقعي بين الغزاوي وما يحدث له، فالحصار كان كفيلا بأن يجعله باحثا عن فضاء آخر يعيش فيه ألمه، لكن أيضا أفراح حياته كما أي لاجئ آخر، لأن اللجوء أيضا يعتبر من العلامات الدالة على حيوية القضية، لأن اللاجئ أبدا لا يترك الوطن سوى ليعود إليه، لكن الغزاوي واجه الحصار ببراعة إبداع الوطن داخل الوطن، إبداع «غزة» المحررة داخل «غزة» المحاصرة، فحرر نفسه من خرافات «الجيش الذي لا يقهر» و»الدولة الأقوى» والعجز أمام فراغ اليد من مادة التشكيل. أنجز كل شيء من لا شيء. ألا نستعيد أسطورة السنوار وهو يحدث مؤخرا صحافيا إيطاليا بأنه «لا يرغب في الحرب» وإنه يؤيد «وقف إطلاق النار» ويطمح إلى تحويل غزة إلى مكان يشبه «سنغافورة أو دبي» حسب موقع بلومبيرغ الأمريكي. هذه الشخصية تمثل النموذج الحركي للغزاوي، الذي يقدم الجوهر القائم بالفعل في المقاومة الفلسطينية. عندما خرج من السجن في صفقة شاليط لتبادل الأسرى بين حماس والصهاينة عام 2011، لم يتصوروا يوما أن «أبا إبراهيم» سوف يفكك البنية العسكرية للصهاينة، ويحول قوتها الوهمية إلى هشاشة يضحك على عدم تماسكها الأطفال الغزاويون، وأيضا سوف يكشف الوجه اللاإنساني للصهيو- يهودي أمام العالم أجمع، خصوصا الشعوب التي تظاهرت ضد عنصرية وإجرام بني صهيون.

أبو عبيدة الملثم/ الوعيد وأخلاق البداوة

في لحظات التغريبة الغزاوية، لا تكاد الشاشة تأخذ كمالها في العرض إلا إذا استوى الكلام على مرْسى التدخل المقتضب والحاسم لأبي عبيدة الملثم، إذ أصبح الخطاب لا يُفهم إلا في سياق التخفي، فالدلالة تصبح أقوى كلما تسرب المعنى من تحت اللثام، لأنه بقدر ما يخفي تعابير الوجه الحاسمة، بقدر ما يترك للمتلقي الفرصة كي يجعل من تلقيه مستوى ذاتيا يتشكل ضمن تفاعله مع ما يسمعه، فيشعر بانتمائه للقضية.
من ضمن التفسيرات التي طرحت لأسباب تلثم الطوارق، أنه أثناء غيابهم، خَلَفَهُم آخرون إلى مضاربهم، ولم يكن فيها سوى النساء والأطفال، فأشار الشيوخ على النساء بأن يتلثمن ويتشحن السيوف، وفعلا ظنهم العدو رجالا فاكتفى بسوق الأنعام ورحل، وهو ما يعني أن اللثام كان سببا في الشجاعة والإنقاذ، وأن النساء أدين دورهن بين مستويين للفعل، مستوى الانتظار وهو لا محالة كان سوف يؤدي إلى الهزيمة، ومستوى الانتصار وهو ما جعلهن يفكرن باختلاف عن دورهن الأسري، فما بين الانتظار والانتصار حدث ما جعل المرأة لا تختلف عن الرجل في دورها الدفاعي والقومي، وعند هذا المستوى تحرك الملثم في فضاء الوجود الإنساني، ما جعل الحخامة اليهودية الأمريكية جيسيكا روزنبرغ تقاطع الرئيس الأمريكي وتأمره إن كان يهتم بأمر اليهود أن يتدخل لوقف إطلاق النار. لم يتخلف في أرض غزة أحد عن نصرة القضية، فالملثم نموذج الغزاوي الذي لم ينتظر، وإنما بادر بما يمتلك لينتصر. يحدثنا التاريخ العربي عن صاحب النقْب، الذي أحدث فجوة في بوابة حصن العدو ليلا، بعدما صعب على المسلمين اختراقه، وفي الصباح كان الأول في اجتياز النقب وتبعه الآخرون وتحقق النصر، فأمر القائد أن يفصح عن نفسه هذا المجهول، لكنه أبى الظهور، ولما ألح، اشترط على القائد ثلاثة شروط من بينها ألا يكشف عن وجهه، فإضافة عن البعد الإيماني الذي يرجو الجزاء عند الله، فهناك ذلك التحميس على أن يكون الإقدام طوعيا دون حساب التفاخر، لأن القضية تتطلب حسابات الإخلاص فقط، وهذا ما يفوق به المظلومُ الظالمَ وهو يدافع عن الحق الجماعي في الحياة والكرامة والأرض.

إبراهيم طوقان و«التغريبة الفلسطينية»

كتب إبراهيم طوقان قصيدة «التغريبة الفلسطينية» التي جعل فيها الألم الفلسطيني يتكلم شعرا، سميت أيضا بـ»قصيدة الفدائي» لأنها تحدثت عن المناضل الذي قدم نفسه رخيصة فداء لوطنه وشعبه. ينطلق الشعر من عمق طوقان راسما الذات الفلسطينية، كما كونها دائما، مقاوِمة تحمل مشكاة الثورة الدائمة، من أجل أن تفتك من الغاصب لون الأرض الأول قبل أن تدنسها دناءة المحتل، ذلك العدو للإنسان وللأرض الرفيقة:
«لا تسل عن سلامته / روحه فوق راحته»
هو الغزاوي بعينه، الذي ينظم عقد «التغريبة» من تلك الروح التي هزّ بها صرامة السيف، حيث لا يمسك سلاحه بيده وإنما بروحه التي يقدمها فداء، يغنيها بين حقول الدماء أنشودة للتحرير، تلك صورة السنوار وأبو عبيدة والضيف والماضون على درب الشهادة كالقسام وياسين.
«بين جنبيه خافق / يتلظى بغايته»
تلك حال من جعل هم الوطن أكبر من كل غاية، هيامه به جعله ينافس خفق القلب والجوارح، خفق آخر يتغذى من أوار تلك الغاية النبيلة، وفي كل وضع من أوضاع النضال من أجل القضية يتأسس نكران الذات كما لو إنه ترجمة لما يعكسه خطاب اللثام على وجه أبي عبيدة الذي لا نعرفه سوى بأثره في دحض أطروحة الاحتلال، إنه: «بالباب واقف / والردى منه خائف».

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية